السياسة والثقافة وعيون الجماهير- بكر أبو بكر

في حوار دار مع مجموعة من الكتاب والمثقفين والسياسيين في فلسطين تطرق الحديث بيننا لمفاهيم عديدة، ومنها كنموذج حول مشروع الدولة الفلسطينية من حيث وجب تحقيق (الاستقلال الوطني وممارسة السيادة على أرض دولة فلسطين بأراضي عام 1967) هذا بفرضية أن دولة فلسطين قائمة ومعترف بها سياسيا كمراقب في الأمم المتحدة (تحت الاحتلال)، ولا تحتاج إلا للاستقلال الوطني والسيادة، وذلك في تنظير لطالما ردّده د. ناصر القدوة ضد من يدعون لحل (الدولتين) كما يسمونه، أو حل الدولة الواحدة بفرضية سقوط أو تعذر الأول، فإن لم تكن تستطيع أن تحقق نصرك للحق والعدالة في الجزء من الأرض، فكيف لك أن تظن امكانية تحقيقك لهذا النصر في الكل؟ أي بمقاربة بين مطالب الدولة الفلسطينية على أراضي العام 1967 والدولة الديمقراطية الواحدة على فلسطين التاريخية.

في مثل حوار المثقفين هذا كانت الآراء تراوح بين الجمود والتحجر للقلة، حول موقفه الأبدي دون رغبة بالتغيير، وبين أن يتحقق بالحوار تقارب جدي وتفاهم وتفهّم لم يكن في لقاءات سابقة مع الكثرة، وهذا من حسنات الحوار الفعال والدائم والديمقراطي إذا ما اتخذ الهدف أو الوصول للنهاية المرغوبة سبيلا، فيسهل على الباحثين الاستدلال على الطريق ضمن واجب مفهوم الحوار بمعنى (أن نفكر معا).

المثقف دون الجماهير هباء

في حوار المثقفين الذين انخرطت فيه بين نابلس ورام الله وأريحا والخليل، ما بين مركز مسارات ومركز مدار ووكالة وطن ومركز دراسات الشرق الأوسط، ومؤسسة أوراد تكاد الصورة تتقارب سياسيا (إلا لدى القلة) في أمور ثلاثة: اولها ضرورة فهم الواقع جيدا والتعامل معه، وثانيها امتلاك الوعي السياسي بان السياسة ليست عملية نظرية أو منعزلة انما هي شأن حيوي متغير يسهم في معادلات القوة ويتأثر بها ويحتاج لرؤية، وثالثها من حيث انعكاس قدرات المعسكرات وتفاعلاتها فيها أين كمنَ العقل السياسي الواقعي الذي برز بالغالب؟

في حوار المثقفين دون الإطلالة على واقع الجماهير أو الانخراط فيه شُبهة العليائية أو البُعد عن الناس، ما لمحته في عدد من المفكرين أو المثقفين أو الكتاب (وهم القلة) الذين أخذونا في حوارهم إلى أبعاد خيالية طوباوية تقترب من قرض الشعر، بينما استسلم آخرون حتى نظّروا للانهيار والاندماج والاستسلام للواقع السلبي، ومن هنا تبرز أهمية الواقعية والتراكمية والمرحلية والوعي الجماهيري والتناغم في العمل السياسي كخماسية، وإلا أصبحنا ندور في حلقات الدخان الصادر عن الحشاشين في (غرزة) ليلية منعزلة.

 

التساؤلات الثلاثة للطليعة

لماذا لا أسمع؟ ولماذا لا أخاطِب؟ ولماذا لا أستخدم؟ كان ردي بهذه التساؤلات الثلاثة على بعض المحاورين من (الصفوة/ الطليعة) في رام الله الذين لهم رأي آخر، وكان ردي على عدد من الأخوة في ندوة (رام الله– غزة) ممن آثروا أن يصمّوا الآذان، أو يديروا الظهر، أو يغلقوا عقولهم، فلا يسمعون لما يخالف فكرهم الذي اعتادوا عليه وألِفوه وقدّسوه، أو لما يخالف رأيهم وتحيزاتهم، وما تربوا عليه أوسمعوه أو درسوه.

لست متفاجئا عندما تُقابَل المفاهيم الجديدة، أو المختلفة، أو المستنيرة بالاستهزاء أوالسخرية أو الاستخفاف أو الحرب، فهذا ما كان من شأن كافة الأنبياء وعلى رأسهم رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا ما كان من شأن كثير حتى من الأفكار العلمية مثل كروية الأرض التي كان من شأن من ينطق بها أن يُعدم، في عصر ظلامية الكنيسة، وقس على ذلك الكثير.

أقول لست متفاجئا، وإن كنت مصدوما ممن يظنون أنفسهم (صفوة/ طبقة) ثقافية أو سياسية ليس لها أن تلقي بأحمالها على الناس قولا مقدسا، دون أن تجهد نفسها للاستماع للناس او مخاطبتهم أو الاستثمار فيهم، وهنا المفارقة فلا هم بمثقفين في حقيقة الأمر، ولا هم جماهير بل (خُشُب مسندة) آثرت الراحة باختيارهم صمّ الآذان وازدراء الجماهير وإهمال فرصة الاستماع للرأي المخالف.

اختلفنا في الشأن السياسي وفي الأسس الفكرية الفلسفية كما اختلفنا في آليات وما في ذلك بأس، فلم لا أسمع للمختِلف؟ ولم لا اسمع للرأي الآخر؟ ولم أعرضُ صفحا عما لا أهضمه من المرة الأولى؟

أنا ديانتي بهائي

تقدم لي طالب معرّفا عن نفسه أنه عربي بهائي مناصر لنا، فقلت له أهلا وسهلا، فتفاجأ ليعيد القول: أنني بهائي مؤيد للقضية الفلسطينية وعدالتها، فكررت الترحيب، ليقول لي: ألم تدرك أن ديانتي بهائي؟ فقلت له: ولو كنت بوذيا أو هندوسيا أو من أتباع (الباغوان أوشو) هذا شأنك الايماني، ونحن في معرض السياسي نتحدث عما يساند ويدعم قضيتنا الفلسطينية العادلة فما دمت معها فعلي أن استمع لك، ولو كنت معاديا للعدالة الفلسطينية كان علي أيضا أن استمع لك، فلعلي أغيّر أو أؤثر فيك.

تفاجأ الفتى من ذلك موضحا أنه لطالما لقي الإعراض كلما أفصح عن ديانته، حيث يعتبر أن البهائية الديانة السماوية الرابعة، ورغم رفضي القطعي لما قاله عن ديانته، فإنني استمعت له بشأن أفكاره وبشان دعم قضيتنا.


أخاطب القطيع!

أما لماذا لا أخاطب؟ فذاك أيضا مرتبط (بالسمع) و(البصر) و(الإحساس) فأنا أخاطب بلساني أو قلمي فئات الناس المختلفة، لأنني أحسِن استخدام حواسي الخارجية والداخلية، كما استخدم عقلي وأعي وأدرك واعقل وأخاطب كافة الفئات وفق مفرداتهم وطبائعهم وطريقة تفهمهم دون تقعّر أو تجبّر أو تكبّر أو استصغار.

ولم أقبل مفهوم التعامل مع الناس كأنهم (قطيع) لا شأن لهم إلا الطاعة العمياء حيث (نحن الأسياد وهم العبيد أو الأقنان) في عقلية استبداد ديني أو سياسي/ سلطوي أو ثقافي أو اقتصادي لا تستقيم مع مفهومنا الانساني عامة، ومنه الاسلامي القرآني المتسامح الذي قصر العبودية لله وحده جل وعلا، ومنعنا من إيثار (الراحة) بتأجير العقول أو الغائها، لذا وجب أن ننخرط ونرتبط ونلتصق بالناس من كافة الفئات فنخاطبهم بألسنتهم، أولسنا أصحاب فكرة حق؟ وأصحاب قضية عادلة وأصحاب مهمة؟

 

استخدام الرواية الأخرى

أما في تساؤلي الثالث، فهو لم لا استخدم؟ فلقد عانيت كثيرا في أحد اللقاءات على أحد القنوات الفضائية من التقبّل للفكرة أو (للرواية) التي أطرحها، وكان الكثير من المفكرين والعلماء قد سبقوني اليها، ولكن فكرة عدم التقبل في سياق لا أريد أن اسمع ولا أريد أن أخاطب (بفتح وأيضا كسر الطاء)، وبمنطق أنني لا اريد أن استفيد فيكفيني ما انا مقتنع به، قد رأيت مثل هذه العقلية لدى كافة الفئات ممن يؤثرون ما يعرفون ويرفضون ما يجهلون وان سمعوه ينكروه، بل ويحاربوه.

أما أنا فأقول سأسمع، واستوعب وأخاطب، وسأستخدم، بمعنى أنني سأفتح نافذة تشكُّك في تفكيري فأتفكر كما أمرني الله عز وجل، وأتأمل وأتجدد فما دام الهدف السياسي (أو غيره) هنا هو خدمة شعبنا الفلسطيني وقضيتنا العادلة، فإن كافة الآذان يجب أن تفتح وكافة الألسن يجب أن تتحدث وكافة الروايات التي تدعم حقنا يجب أن نتلوها صباح مساء.

وعليه سأستخدم كل طاقاتي بمواجهة خرافات وأكاذيب وأساطير اليمين الاسرائيلي الذي يركب قطار الزمن فيعود الى الخلف حيث لا وجود له، ليصنع تاريخا (مقدسا) ليس له من حقائق التاريخ أوالرواية الصحيحة أو القداسة إلا الأسطورة وسيل الأكاذيب وتقديس المدنس، وفرض الاحتلال والاستعمار كامر واقع.

في الحوار مع المثقفين كثير سياسة، وفي التعامل مع الناس كثير ثقافة وتنوع، وفي السياسة فن التعامل كما في الثقافة أثقال تضع مبادئ السياسة بما لا يخرج عن تطلعات الجماهير ورؤية القيادة، فالعملية انعكاسية وتبادلية من التأثير والتأثر وتعدد الألسنة فلم لا أسمع؟ ولم لا أخاطب؟ ولم لا استخدم مرارا وتكرارا؟

ha

التعليقات

الأقصى أولاً

كتب: رئيس تحرير "الحياة الجديدة"

في مثل هذه اللحضات المصيرية التي نعيش اليوم، وأقصانا يتعرض لخطر التقسيم الداهم، لا ينبغي لأي انشغال وطني أن يكون بعيدا عن نصرة الأقصى، وقد آن الأوان لأجل هذا الموقف الوطني الحاسم، أن نشهد نهاية عاجلة للانقسام البغيض، وفي هذا الإطار، لا تجوز في اللحظة الراهنة، الاستعراضات الشعبوية التي تنادي بإنهاء الانقسام بتعميمات مطلقة، لا تحمل أصحاب الانقسام الحمساويين المسؤولية عن استمراره، ولا تقول حتى الآن إن الانقلاب الحمساوي هو من جاء بهذه الجائحة الكريهة، ويعرف القاصي والداني أن الشرعية الوطنية، وحركة "فتح" حامية الشرعية والمشروع الوطني، لم تقف يوماً ومنذ أن اقترفت حركة حماس خطيئتها الوطنية الكبرى، بالانقلاب الدموي العنيف، ولن تقف، في وجه أية مبادرة مخلصة لطي صفحة الانقلاب المعيبة، وإنهاء الانقسام البغيض، وإعادة اللحمة للوحدة الوطنية، أرضاً وشعباً وفصائل، في إطار منظمة التحرير الفلسطينية. وقد تحملت "فتح" على نحو محدد، في سنوات الحوار الطويلة لتحقيق المصالحة الوطنية، الكثير من سوء التقدير، ولغط التقييم، وميوعة وانتهازية المواقف لبعض فصائل العمل الوطني، والتلاعب بالكلمات والشعارات، والكثير من الاتهامات الباطلة، وأكثر منها تطاول الناطقين الحمساويين الصغار، على قادتها وكوادرها وتاريخها النضالي بشهدائه العظام، وهو التاريخ الذي أوجد لحماس حضورها في النظام السياسي الفلسطيني.

تحملت فتح وما زالت تتحمل الكثير في سبيل إنهاء الانقسام، ورفع المعاناة عن أبناء شعبنا في قطاع غزة، الذي يتضور منذ عشر سنوات وحتى اللحظة، جراء سياسات حماس التعسفية والقمعية، وتمسكها المحموم بكرسي الحكم، الذي تتوهم أنه يمكن أن يصبح كرسي الإمارة التي تريدها جماعة الإخوان المسلمين، قاعدة لإعادة الحياة لمشروعها العدمي، رغم أنه بات في ذمة التاريخ. 
وفي السياق، قالت "فتح" وما زالت تقول: ليس الصراع بينها وحماس، وإنما هو صراع المشروع الوطني التحرري، ضد مشروع جماعة الاخوان اللاوطني، ولقد قدمت "فتح" كل ما من شأنه أن ينهي الانقسام، في سعيها الديمقراطي طوال سنوات الحوار الوطني، بل وأنجزت اتفاق المصالحة في القاهرة الذي وقع عام 2012، وهناك إعلان الدوحة، وإعلان الشاطئ، وقبل كل ذلك كان هناك اتفاق مكة، الذي أنجز قرب أستار الكعبة المشرفة، وبالقسم عندها، لكنه الذي داسته حماس سريعاً بأقدام ميليشياتها وهي تمضي بلا أي تعقل وطني، نحو تحقيق انقلابها على الشرعية، والاستحواذ على سلطة لا هم لها غير دوامها واستفرادها بالحكم..!!
وقالت "فتح" وما زالت تقول: من يريد إنهاء الانقسام، عليه أن يضع النقاط فوق حروفها، وأن يسمي الاشياء بأسمائها، وأن يحمل المسؤولية لمن ظل وما زال يناور ويتلاعب بالكلمات والشعارات، ويتهرب من استحقاقات المصالحة، والذي عطل وما زال يعطل عمل حكومة الوفاق الوطني، والذي أنشأ حكومة بديلة أطلق عليها اسم اللجنة الإدارية، إنها حركة حماس من لا يريد إنهاء الانقسام، حتى بعد أن بات طريق الإنهاء واضحا لا لبس فيه؛ تشكيل حكومة وحدة وطنية، والذهاب إلى انتخابات تشريعية ورئاسية. أما الذين ما زالوا يحملون "فتح" مسؤولية الانقسام بالتساوي مع "حماس" (..!!)، فإنهم بالقطع لا يريدون لهذا الانقسام البغيض أن ينتهي، طالما سيظل سوقاً لتجارتهم السوداء، ومربعاً لعنترياتهم الفارغة، ومنصة لخطبهم التي لا تسمن ولا تغني من جوع!
لا بد من قول كلمة الحق، أما الاستعراضات الشعبوية التي تخرجها "حماس" بين الفينة والأخرى بشعارات وهتافات تغالط أبسط الحقائق، والأقصى يعاني ما يعاني، فإنها لن تجد مخرجاً من أزمتها الراهنة، ولن تساهم في ذلك في الدفاع عن الأقصى ولا بأي حال من الأحوال، وغير ذلك لن يصدقها أحد، إنها أخيراً تريد أن تتحمل جزءاً من المسؤولية عن الانقسام، طالما أن "فتح" تتحمل الجزء الآخر..!!
مرة أخرى، لا سبيل سوى قول كلمة الحق، وفي قول هذه الكلمة لا يخشى الشجعان الوطنيون لومة لائم، وغزة تستحق هذه الكلمة وأكثر من ذلك، لا بد من إنهاء الانقسام حتى بالجراحات العميقة، التي لا تسعى لغير أن تخرج أهلنا في القطاع المكلوم من محنتهم وعذاباتهم اليومية. واليوم، بل الآن، لا بد من إنهاء الانقسام لتشكل الوحدة الوطنية الحقيقية حصنا منيعا لأقصانا المقدس ليحميه من مخاطر التقسيم والتهويد والأسرلة.
تعالوا إلى هذه الكلمة. تعالوا إلى حكومة الوحدة الوطنية وإلى الانتخابات التشريعية والرئاسية، وليست في هذا الأمر أية ألغاز يصعب فهمها، وليست في طريق هذا الأمر أية عراقيل، سوى عراقيل الوهم الإخواني وشهوات الحكم القبيحة، الوهم والشهوات التي لا مستقبل لها في بلادنا ولا بأي صورة من الصور، ولنا اليوم أمام حصار الأقصى انشغال عظيم لنصرته وفك الحصار الاحتلالي من حوله، نؤمن أن هذا الانشغال سيكون أكثر فاعلية مع الوحدة الوطنية الخالية من كل انقلاب وانقسام.

 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017