تمرد الروح في رواية "حرام نسبي" - فتحي البس


ما إن تفرغ من قراءة رواية"حرام نسبي" لعارف الحسيني حتى تندفع لمراجعة ما ورد فيها من رؤى وأفكار حول الحب والعشق والموت والكفاح والاستكانة والخيبة والامل والتمرد ورفض الموروث ووجع الروح المتمردة ومصيرها وأسئلة الفلسفة حول الماضي والحاضر والمستقبل..إنها رواية مشبعة بقلق الانسان تطرح رؤى فلسفية عبر سرد عميق سهل خال من الحشو تتعلق بفهم المجتمع وتحولاته والانسان وتقلباته، دون إجابات شافية، بل بتأكيد ألم التحولات غير المفهومة في مشاعر الانسان المتقلبة بين السعادة ونقيضها ،الفهم أو محاولته، الادعاء من خلال سلوك اجتماعي مضطرب، لا يعكس سوى اضطراب الروح المتأرجحة، القلقة، لأن الانسان لم يحدد هويته الفكرية، فيسكن عقله هلامية الموقف، فينعكس ذلك على حياته الواقعية، فتبدو مهشمة، تماما كما هي روحه، ومشوّهة، كما هي أفكاره.

ينعكس ذلك كله في الرواية من خلال تتبع شخصياتها وسيرورتها، وخاصة حورية، ابنة القدس، حفيدة جورية الكبيرة التي ارسلت ابنتها الطفلة لعريسها الشيوعي، ابن القدس، من ريفها، مغمضة العينين كما أراد لها أهلها القريون أن تصل إلى بيت زوجها، دون وعي أو فهم كي لا تتهمها عائلة  زوجها المقدسية، بأنها من بنات اليوم صاحبات التجارب.

تكبر حورية الصغيرة، تعشق مناضلا، يسجن، يخرج بعد معاناة الاضطهاد من قبل الاحتلال، يعلن لحورية استمرار حبه رغم سنوات العتمة، تقبله وتتزوجه وتبدأ معاناة مستمرة معه، نتيجة ضعفه وتردده وعدم قدرته على العمل وتشوّش أفكاره، فيطلقها، بحجة أنه لا يستطيع العيش مع امرأة لم تنجب له طفلا، حجة واهية، استخدمها، للخروج مما يعانيه من اضطراب، لكنه بعد زواج تقليدي وإنجاب، يحاول العودة لحورية، التي دخل حياتها بالصدفة، شخص اخر، تتمرد على تلك العودة المفاجئة، لكنها في نفس الوقت، لا تنجح في قبول المحب الجديد، تعود إلى حبها الأول لتشييع جنازته، متحدية كل الاشاعات التي تسبب هو فيها.

لكن الرواية ليست بهذه البساطة، ما ورد أعلاه تبسيط مقصود.الرواية غنية في عرض حياة شخوصها: جدة حورية الكبيرة، ابنتها والدة حورية، الوالد الشيوعي الحائر ما بين الالحاد والايمان، الاخ الذي يترك القدس الى المنفى هربا من حياتها الصعبة، واضطراب أفكاره، الزوج المناضل المثقف الذي انهك حورية بسلبيته، رغم عشقه الجارف، اصدقاء الوالد المتشددين دينيا واجتماعيا يختلف عنهم واحد مؤمن معتدل ومتسامح، الجيران البسطاء الذين لا يفهمون ما يجري في حياة حورية الصغيرة، فيستسهلون رميها بالفجور، العائلة الاسرائيلية التي تقتلع جارة حورية من بيتها وتستوطنه، الحبيب الجديد الذي يدخل حياة حورية بلقاء مصادفة حصل في اجدى مطارات الولايات المتحدة.

في عرض حياة هؤلاء، تكون القدس، بطلة الرواية الحقيقية، بأحيائها وعائلاتها وشوارعها وأماكنها المختلفة، وصراع الأفكار فيها، وأساليب الاحتلال في قهر أهلها، ومصادرة البيوت وتوسيع الاستيطان، وكره المستوطنين لسكانها العرب، واستكانة بعض أهلها، وتمرد آخرين ومقاومتهم للاحتلال، يعيش القارئ حياة القدس وصعوبتها، دون أن يلجأ عارف الحسيني إلى خطاب سياسيّ مباشر، بل من خلال الدخول إلى أعماق سكانها وأبطال الرواية، ومجريات حياتهم وردود أفعالهم بجمل عميقة تصدر عنهم، وبسخرية عذبة بسيطة من الاحتلال، أبلغ من أي بيان سياسي.

"حرام نسبي" رواية تكمل ما بدأه عارف الحسيني في روايته الأولى "كافر سبت"، فالروايتان تفضحان الصورة النمطية عن القدس، من خلال دخول عميق إلى الحياة الواقعية للناس وما يجري حقيقة في المكان، والصراع المستمر فيها، بين محاولة التهويد، وتمسك الناس بالحياة فيها رغم قسوتها التي يصنعها الاحتلال.

إنها رواية كاشفة وشيّقة، تغوص في أعماق الحياة الروحية للانسان، تنصف المرأة وما تتعرض له، وتبشر بالأمل بحرية الانسان وقدرته على مجابهة التقلبات، وفي الفقرة الاخيرة من الرواية، يكتمل الحبيب الأول بالموت كم تخيلته يخاطبها وهو مسجى، لكنه يؤكد استمرارية الحياة: إنها رواية تمرد الروح.

"هأنذا حبيبك الأول وليس الأخير؛ لأنّ العشق يغزونا دوماً، حتّى لو لم نفتح له الأبواب الموصدة من خيبات الأمل، ها أنا بين يديّ ربّي أسعى إلى النفاذ، أسكن بين خافقيك، رغماً عنك، وسوف أرقد ساكناً بعد اليوم في لحدي، ويسكن غيري في قلبك، رغماً عنك وعنّي، فيا حبيبتي الأبديّة حوريّة، إنّي اكتملت".

ha

التعليقات

هو الزعيم

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
لم يكن الرئيس أبو مازن، وهو يلقي خطاب فلسطين من على منصة الأمم المتحدة الأربعاء الماضي، الزعيم الوطني الفلسطيني فحسب، وإنما  كان هو الزعيم العربي والدولي بامتياز، وهو يقدم بلغة خلت من أية مداهنة، ومن كل مجاز ملتبس، مرافعة الضمير الإنساني المسؤول، ودفاعه عن ضرورة الصواب في السلوك السياسي للمجتمع الدولي، وألاتبقى المعايير المزدوجة هي التي تحكم هذا السلوك خاصة عند الدول الكبرى، وهذا ما جعل من الرئيس أبو مازن زعيما عربيا ودوليا، لأن دفاعه عن صواب السلوك السياسي في هذه المرافعة، لم يكن دفاعا لأجل فلسطين وقضيتها العادلة فحسب، وإنما لأجل أن تستقيم شرعة الحق والعدل في علاقات المجتمع الدولي وفي سياساته ومواقفه، وحتى لا تبقى هناكأية دولة مهما كانت فوق القانون، وإسرائيل اليوم هي التي تبدو كذلك، بل وتصر على أن تكون كذلك، طالما  المجتمع الدولي لا يزال لايبحث في هذه المسألة، ولا يقربها لا بموقف ولا حتى بكلمة..!!
وبالطبع لكل مرافعة شكواها، وهي هنا في مرافعة الزعيم شكوى الجرح الصحيح، شكوى المظلمة الكبرى، التي أسس لها وعد بلفور المشؤوم، لكنها أبدا ليست شكوى اليأس ولا شكوى الانكسار "إما أن تكون حراً أو لاتكون"، هكذا تعالت صيحة الزعيم من فوق منبر الأمم المتحدة، لأنه الذي يعرفويؤمن بقوة، أن فلسطين بروح شعبها الصابر الصامد، لا تعرف يأسا ولا انكسارا، ولطالما أثبت تاريخ الصراع،أن شعب فلسطين بحركته الوطنية،وقيادته الشجاعة والحكيمة،ونضاله البطولي، وتضحياته العظيمة،إنما هو شعب الأمل والتحدي، وهو تماما كطائر الفينيق الذي يخرج من رماده في كل مرة، ليواصل تحليقه نحو فضاء الحرية، وقد خرج شعبنا أول مرة من رماد حريق النكبة، ثم من رماد حرائق شتى حاولت كسر عزيمته وتدمير إرادته، وثمة حرائق لا تزال تسعى خلفه على وهم لعل وعسى..!!  
وحدهم الحاقدون الخارجون على الصف الوطني، غلمان المال الحرام، لم يدركوا شيئا من مرافعة الزعيم أبو مازن، لا عن جهل في الواقع، وإنما عن ضغينة ما زالت تأكل في قلوبهم المريضة، ولم يقرأوا فيها غير ما يريد ذاك المال وأهدافه الشريرة، ومثلما هاجمت صحف اليمين الاسرائيلي المتطرف، هذه المرافعة/ الخطاب، هاجموها بسقط القول والموقف والروح المهزومة، ولا شك أن في كل هذا الهجوم ما يؤكد أن مرافعة الزعيم في خطابه، قد أوجعت هذا اليمين وغلمانه، خاصة "العصافير" منهم، فقد أسقط بيدهم، والرئيس أبو مازن يعلو بصوت فلسطين فوق كل منبر، ويتشرعن زعيما عربيا ودوليا،يدعو لخلاص المجتمع الدولي بتصديه لمسؤولياته الاخلاقية، ويحذر من سوء العاقبة،إذا ما تواصلت المعايير المزدوجة، ويدعو لمحاربة الإرهاب أيا كان شكله وطبيعته وهويته، والقضاء عليه قضاء مبرما، حين يسعى العالم بنزاهة وجدية لحل قضية فلسطين حلا عادلا، يؤمن السلام الحقيقي، والاستقرار المثمر، وفي كل هذا السياق، لايخشىفي قول الحق لومة لائم، ودائما باللغة التي لا تزاود ولا تقرب الاستعراض والمباهاة، ولا المماحكة التي لاطائل من ورائها، ولا التعالي على الواقع ونكرانه.
يبقى أن نؤكد أن مرافعة الزعيم بقدر ما هي مفصلية، بقدر ما هي تاريخية، وتاريخية بالمعنى الذي يشيرأنها ستؤسس لمرحلة جديدة من النضال الوطني الفلسطيني في دروب الحرية ذاتها، ولخطوات جديدة في الحراك السياسي الفلسطيني بروح المرافعة وحقائقها، وثمة مراجعة استراتيجية شاملة مقبلة لعملية السلام، والقرار هو الصمود والتحدي، والحرية قادمة لا محالة بدولة فلسطين المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية وبالحل العادل لقضية اللاجئين.. أبو مازن أنت الزعيم ولو كره الحاقدون.

 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017