من خلف القضبان: "ماما بدي شيبس"

رشا حرزالله

"في المحكمة الماضية سألته رغما عن الجنود الذين حاولوا مرارا إسكاتي ماذا أحضر لك، أجابني: "أريد كيس شيبس، وعلبة شكولاتة، وأشتهي السندويشات التي كنت تصنعينها لي كل صباح، لآخذها معي إلى المدرسة، أريد واحدة أيضا".

"داخل ما يشبه القفص الصغير في المحكمة، أحاط الجنود بالطفل شادي فراح من مختلف الجهات، غير أنه راح بين الفينة والأخرى يسترق النظر إلي، ويومئ بنظرات تسأل "رح أروّح معكم اليوم"؟ ارتبط لساني، لم أعرف ماذا علي أن أجيبه، فطفلي الصغير لم يدرك بعد معنى أنه سيمضي في السجن عامين". هكذا بدا في المحكمة كما تصفه أمه فريهان.

لبت الأم طلب طفلها الذي لا يتجاوز الثالثة عشرة من العمر، وهو يعد الآن أصغر الأسرى داخل سجون الاحتلال، واشترت له ما طلب، إلا أن الجنود حالوا دون وصول الأشياء البسيطة لابنها، ومع انتهاء المحكمة خرجت تلوح أمام عدسات الصحفيين بأكياس الشيبس، وعلبة الشوكولاتة، التي أحضرتها له بحنقة وألم.

"صمتت المحكمة دهرا ونطقت كفرا"، فبالأمس القريب حكم الاحتلال على الطفل شادي بالسجن عامين، وثلاث سنوات مع وقف التنفيذ، بتهمة محاولة تنفيذ عملية طعن ضد جنود الاحتلال في القدس المحتلة، أثناء عودته من مدرسته، وتقول الأم إنه طيلة فترة محاكمته كان يلوذ بالصمت والدهشة، وكلما تلاقت عيناي بعينيه ابتسم لي وراح يكرر سؤاله "رح أروح معكم اليوم؟".

لا يدرك شادي المولود في بلدة كفر عقب شمال القدس المحتلة بعد، معنى أن تكون أسيرا، وحبيس جدران السجن الأربعة، تقول والدته "إنه خلال محاكمته كان يطالع وجوه القضاة، ويراقب تحركاتهم، وتهامسهم حول لائحة الاتهام الموجهة ضده، وصدور الحكم بحقه، وكلما ازداد خوفه، التفت نحوها باحثا عن الأمان، ويخبرها أن "هذه الجلسة ليست الأخيرة، سأذهب معك إلى المنزل في الجلسة المقبلة".

يدعي الاحتلال أن الطفل الهادئ المبتسم في معظم صوره التي نشرت على المواقع الاخبارية حتى تلك التي التقطت له خلال محاكمته يشكل خطرا على أمنها، لذا يجب الزج به في السجن، حتى أن الادعاء رأى أن الحكم مجحف- حسبما قالت الأم، مطالبا بصدور حكم أطول بحقه بدعوى أن هذا "جيل خطير" يجب أن يعاقب!.

أكمل شادي المعتقل منذ 29/12/2015 دراسة الصف السابع في السجن، وحصل على معدل 97%، بعد أن فارق مدرسته وصديقه الحميم محمد البشيتي، الذي يذكره دائما برسائله من خلال والدته، كما أنه عضو في مجموعة سفراء فلسطين للدبكة والفنون الشعبية، ويهوى ممارسة الجمباز.

أرسل شادي برسائل طواها على شكل سفينة، وبكلمات مليئة بالحب ومشاعر طفل مشتاق لحضن أمه وحنانها إلى رسائل أخرى مغايرة يحكي فيها لها عن تعبه، وما مر به خلال السجن والتحقيق، كتب شادي: "يا يما بدي اياكي متل شجرة النخيل، ما تهزها الريح ولا العواصف".

وختم شادي رسائله جميعها بـ"أحبك أمي".

ha

التعليقات

القدس

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
لا مكانة كمثل مكانتها، وقد تقدس مكانها وتبارك من فوق سبع سموات، ولا عنوان لأي نص ولأي حديث عنها،غير اسمها الذي لايضاهيه اسم او نعت أوكناية، ولا عنوان لها غير فلسطين في التاريخ والجغرافيا، في الماضي والحاضر والمستقبل، ولا أحد يعرف القدس كما يعرفها الفلسطينيون: اكثر من مدينة، وابلغ من عاصمة، وأرحب من مكان،درج للصلاة بقوام الروح والمعنى، باحة للسكينة، ورسالة سماوية للمحبة والسلام، وهم حاملو هذه الرسالة، منذ ان سار سيد المحبة "عيسى" عليه السلام حاملا صليبه في دروبها، وبعد ان عرج من فوق  صخرة لها، نبي مكارم الاخلاق "محمد" عليه الصلاة والسلام الى السموات العلى في الرحلة المعجزة.

هي أم بلادنا الرؤوم، لها حنو القداسة، وحب العدل والحق والجمال، هي جوهرة روحنا، وبلاغ وجودنا، وسبب هذا الوجود ودلالته، هي ما نراه من مستقبلنا وما نريده من هذا المستقبل بحريتها وسيادة السلام في علم فلسطين الدولة يرفرف من فوق ماذنها وابراج كنائسها واسوارها حامية التاريخ والمبنى.

هكذا نعرف القدس، وهكذا تعرفنا، وهكذا نحمل القدس وهكذا تحملنا، وهذا ما لايعرفه المحتلون ولا يدركونه لا من قريب ولا من بعيد، لجهل في علم الوجود و علم الانسان , لجهل في الكيمياء والفيزياء الفلسطينية، لجهل في الروح الانسانية ومعنى الرسالات السماوية، ولجهل مدقع بضرورة الحرية وقد باتت وعيا وسلوكا وارادة عند طلابها الفلسطينيين.

ما يفعله الاحتلال اليوم في القدس، قد فعله غزاة كثر في المدينة المقدسة، وانتهوا الى ما ينتهي اليه الغزاة، حيث لعنة الله والناس اجمعين.

لا نبيع كلاما هنا، ولا ندبج شعارات ولا خطابات، بل نحن قراء تاريخ منتبهون، والاهم نحن اصحاب الارادة الحرة، واصحاب القرار المستقل، السائرون في طريق الحرية والاستقلال، مهما كانت التضحيات وايا كانت الصعوبات، لنصل الى المنتهى الحق والعدل، حيث السيادة الفلسطينية على ارضها، وحيث السلام فيها وبها وكما تريد رسالة القدس وكما يقول معناها السماوي والارضي معا.

ما يفعله المحتلون اليوم في القدس، لن يكون في التاريخ غدا سوى عبث عابر، وسنقول للمحتلين اليوم ما قاله محمود درويش " ايها المارون بين الكلمات العابرة / احملوا اسماءكم وانصرفوا / واسحبوا ساعاتكم من وقتنا وانصرفوا / وخذوا ما شئتم من زرقة البحر ومن رمل الذاكرة / وخذوا ما شئتم من صور، كي تعرفوا / انكم لن تعرفوا / كيف يبني حجر من ارضنا سقف السماء / منكم السيف ومنا دمنا / منكم الفلاذ والنار / ومنا لحمنا / ومنكم قنبلة الغاز / ومنا المطر / وعينا ما عليكم من سماء وهواء / فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا / وعلينا نحن ان نحرس ورد الشهداء / وعيلنا نحن ان نحيا كما نحن نشاء ".

هذا نحن شعب فلسطين، وهذا هو قرارنا، هذه هي ارادتنا، والقدس لنا، مهما تطاول المحتلون على التاريخ والطبيعة والجغرافيا، فهم لن يكونوا سوى اؤلئك المارين بين الكلمات العابرة، كلما ظلوا يناهضون السلام ويقتلون فرصه واحدة تلو الاخرى. 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017