يوميات من القدس

يامن نوباني

لأن القدس ذاكرتنا جميعا، ولأن معظمنا محرومون من الذكريات معها وفيها، ننتظر القادمين منها والزائرين لترابها ليحدثونا عن جمالها وقهرها، فكل شيء في القدس (حجر وانسان) يكتب ويروى ويدعو للتأمل.

وجوه شيوخها على عتبات الزمن، خطوات أطفالها تدب في الحارات حياة. أقفال المحال تكسر وجه الاحتلال وتعلن المدينة مرزوقة بمشيئة الله، أصوات المآذن، نداءات الباعة، أسماء الشهداء، الحرفيون والتلاميذ وأحواض الميرمية.

ننتظرها في الكتب والأغنيات، في الصور والبرامج الثقافية، في تقارير ومواد صحفية تروي المدينة، بمعالمها وشوارعها وأبنيتها وعاداتها وناسها واحتلالها.

عن القدس ويومياتها تكتب ابنة المدينة، الكاتبة الشابة ولاء فتحي: إننا نخاف أن يقتلنا الروتين، التفاصيل المكررة لا نطيق لها بالا، من الممكن أن تكون تفاصيل نعشقها مهما تكررت، مهما حدثت معنا في يومنا، هكذا القدس بالنسبة لي.

أستيقظ في الصباح، أخرج من بيتي، أرى وجوها مألوفة كنت قد رأيتها مسبقا، بنايات يعكس عليها الشمس فتراها بشكل هندسي ربما مربع، ربما مستطيلا! ألوان تلك البنايات منحدر من قدم يدل على عرق المدينة.

في مفترق الشارع الأول، عند خروجك من باب دمشق، الباب الحيوي الذي يصلنا إلى أهم معالم القدس، كالبلدة القديمة (من أسواق، كنيسة القيامة، المسجد الأقصى، الأحياء العريقة التي مضت عمرا هنا).. ترى إشارة ضوئية، ترقبنا من خلالها فوهة بندقية جندي محتل يفتش الشباب الذي يدخل الباب وأحيانا يستفز الخارج منه.

في هذا المفترق، تختلف الأوجه وتتشابه النظرة، النظرة التي تخرج مني لأنني أرى تفاصيل أوجها أعرفها وفي نفس الوقت لا أعرفها جيدا لكنها مني ولا أستطيع إنكار ذلك أبدا، نقطع هذا المفترق.. نصل عند بائع الكعك، ويسمعنا فيروز دوما، ذلك الذي يجعل صوتها يصدح في أرجاء "شارع نابلس" وجميع المفترقات التي تنحدر منه.

تسير فترى في القدس جميع السياح يأتون على زيارات متتابعة منهم من هو أفريقي وقد يظهر ذلك من بشرتهم السمراء ومنهم من هو أوروبي، ومنهم من هو آسيوي يميزه علامات بشرته التي لا تشبه أحدا، ويزورها الأتراك بشكل كبير.

في القدس تشم رائحة التوابل الهندية ، ترى العيون اليمنية ، ترقبك المآذن التي تعلو مساجدها، القدس تجمع الأشخاص من قلب الأرض حتى آخرها، من آخرها حتى أولها دون أي اعتبار لعرق، لدين، لشكل، يجمعنا صوت بائعة الميرمية التي اتخذت من درج باب العامود مركزا لها تروج لميرميتها قائلة "ميرمية جبلية بتخلي العجوز صبية " ونردد أغنية واحدة "يا قدس، يا مدينة الصلاة.. أصلي!.

كما تكتب ابنة الرامة في الجليل الفلسطيني، التي عايشت القدس وصارت ابنتها، الكاتبة الشابة نسب أديب حسين:

بعض المدن تظهر جزءا قدريا في طريقتنا، وخيارا طبيعيا، ونصير أبناءها، وتصير جزءا من أحلامنا وإن كنا لا نعرفها.. ربما هي إرادة القدر.

وربما خيار يصير طبيعيا كامتداد لسيرة أبنائنا، وقد تكون مكمن فضول لاكتشاف سر المكان، لهذا وأكثر، حين لاح ذاك السؤال المصيري.. الى أين؟

أجبت: الى القدس.

أحيانا تقع المدينة في عشقك دون أن تبوح بذلك، وتقع أنت في عشقها دون أن تدري، فقط حين يلوح فراق مفاجئ، تدرك عند مشارفه، الحقيقة.. فتسقط متهالكا فوق العشب، لتهمس بصدق

" أحبك".

عندها، يوما فآخر، ستسقط المدينة لثامها، ستضمك رويدا رويدا الى صدرها، لتعيش كامل فنون عشقك معها، وتتقاسمان كل شيء، السعادة والحزن، الحياة والموت، النجاح والفشل، التأمل والصخب، فإن لاح الرحيل عنها يوما، نظرت الى جسدك وتساءلت، كيف أحيا دون أحد أعضاء جسدي؟! وتبقى قربها، للأمكنة أكثر من وجه، هناك مدن يعجبك وجهها، وأنت تتأملها من بعيد، ويكفيك.

وهناك مدن تناديك.. وتتقدم صوبها أكثر فأكثر، وقد تقع في عشقها، ولا تقبل إلا أن تكون جزءا من صورتها. وتراك يوما، فآخر تحمل قلمك وأوراقك و"كاميرتك". وتتقدم، شيئا فشيئا، صوب المدينة تبحث عن الصورة الأدق.. وعن حقيقة المكان.. ترغب أن تصل الى مسام المدينة.. وتصير في سيرك صوبها، متلاعبا بعدسة كاميرتك، ما بين الصور البانورامية البعيدة وما بين الاقتراب والتوغل.. قد تمضي في البداية بخطى وئيدة، متسائلا: هل ستنجح فيما تسعى اليه، شيئا فشيئا تتسارع الخطى وسيل القلم.. لتتجمع الصور المكتوبة بين يديك.. وتقرر صورة ما أن تكون هي نقطة النهاية لهذه المهمة، مثلما قررت صورة من قبلها أن تكون نقطة البداية.

وحين تنظر الى عملك متكاملا تدرك أن المدينة هي من قررت، ومن كشفت عن جسدها، وعن وقع نبضها، فأودعت أسرارها في قلبك.. حين شعرت بتهافتك اليها، وتركتك ترسمها كما تشاء.

ننظر صوبها، بعد أن تفارق العين القباب الذهبية الخمس لكنيسة ستنا مريم، والتي ترتفع بين أشجار السرو عن يميننا، تعود لتتدرج النظرات من المقبرة القائمة على منحدر جبل الزيتون، حتى تلتقي بأشجار وادي قدرون، وترتفع صاعدة بين الوادي صوب جبل المدينة. ترى طريقا ومقبرتين، تتعداهما لتتأمل السور، وباب الذهب الذي يجمع بابي الرحمة والتوبة المغلقين، ثم المبنى الثماني ذو الزخارف الفسيفسائية الزرقاء، تعلوه القبة الذهبية المتوهجة، فتدرك العين أنها أمام أقدم أثر معماري اسلامي، هو قبة الصخرة.

من هناك تتجه النظرات جنوبا عند انعطاف السور صوب الغرب إلى قبة المسجد الأقصى الرصاصية، تتباعد النظرات خلف القبتين، صوب قباب وارتفاعات متفاوتة للبيوت بينها. تتجه من قبة الصخرة الى الجهة الغربية، فتلتقي بقبة كنيسة القيامة، تتوقف لحظة قرب برج كنيسة الفادي أو المخلص، ثم تبتعد غربا صوب برج كنيسة سان سافيور القريبة من الجهة الغربية الشمالية للسور، تفارق العين خط الأفق الذي ترسمه أبنية القدس الغربية، وتعود لتتجه إلى قبة كنيسة نياحة العذراء، في الجهة الجنوبية على قمة جبل صهيون. فيما تظهر بعض الغيوم مبعثرة في السماء تحاول التلاعب بتسرب أشعة الشمس من بينها صوب القباب، فتمنح المشهد جمالية اضافية، كلما ظهر جزء من الشمس يسترق النظر إلينا وإلى المدينة.

كم بدت إطلالة المدينة بهية في تلك اللحظة!

ha

التعليقات

للتذكير فحسب

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
ليس بوسعنا أن نصدق أن الخارجية الأميركية، لا تملك أرشيفها الخاص بالمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، التي دارت لسنوات كثيرة، والتي  تعرف من خلالها ان اسرائيل اليمين المتطرف، هي من جعل من هذه المفاوضات، مفاوضات عبثية وغير جادة، بعد أن اغتالت إسحق رابين وراحت تجهز تباعا على بنود اتفاقات أوسلو الانتقالية، واحدا تلو الآخر،  حتى لم تبق منها شيئا يذكر اليوم ..!!

وليس ثمة أحد في هذا العالم، لا في الخارجية الأميركية فقط، من لا يعرف حقيقة الموقف الفلسطيني الساعي لمفاوضات جادة  مع اسرائيل لتحقيق السلام الممكن، طبقا لقرارات الشرعية الدولية، واستنادا للرؤية الأميركية ذاتها التي قالت بحل الدولتين، وليس ثمة أحد أيضا في المجتمع الدولي من بات لا يعرف أن إسرائيل اليمين المتطرف، وحدها من لا يريد أية مفاوضات جادة، وبسياسة المماطلة والتسويف والتشريط اللاواقعي واللاموضوعي، والأخطر والأسوأ بسياسة الشره الاستيطاني،  من جعل من المفاوضات غير جادة تماما، ولا تستهدف غير إضاعة الوقت،  بل ولا تستهدف غير تدمير فرص السلام الممكن وقد تعددت غير مرة ...!!!

لا حقيقة أوضح اليوم، من حقيقة إسرائيل اليمين المتطرف، المناهضة لمفاوضات السلام الجادة، لا حقيقة أوضح من حقيقة تعطيلها للمفاوضات على نحو محموم ومأخوذ بالفكرة العنصرية، ومن لا يرى هذه الحقيقة فإنه لا يتعامى فقط عنها، وإنما لا يريد  للنزاهة أن تكون، ولا للعدل أن يتحقق، ولا للسلام أن يسود.

فلسطين بمشروعها الوطني، وبمصداقية ونزاهة خطابها وحراكها السياسي والدبلوماسي، لا تبحث ولا تسعى لغير المفاوضات الجادة التي توقف الاستيطان الشره، وتنهي الاحتلال،  وتحقق السلام العادل الذي ترفرف في فضائه رايات دولة فلسطين المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، ولا تخشى فلسطين في هذه الطريق، تهديدا ولا تقبل ابتزازا وحضورها في العالم لا يحده مكتب هنا أو هناك ، ونأمل من الخارجية الأميركية أن تراجع ارشيفها جيدا، وأن تقرأ التاريخ بتمعن ولعلنا نذكرها بصيحة بريجنسكي "باي باي منظمة التحرير"، الصيحة التي سرعان ما سقطت، وهي اليوم بمثابة عنوان للعبث السياسي الذي لا طائل من ورائه، غير مزيد من الصراع والضحايا.

ولا مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية أينما كان، يعادل الثوابت المبدئية الفلسطينية، فهو الذي يمثلها ويقول خطابها العادل، ولا يساوم عليها أبدا. المكتب محض مكان، وفلسطين بقضيتها العادلة أكبر من كل مكان، وأما طريق السلام تظل أبدا طريقا فلسطينية بالمفاوضات الجادة، التي لن تكون بغير الامتثال لقرارات الشرعية الدولية وبرعايتها لحظة الكيل بمكيال واحد، وحين تتفتح النزاهة بخطاب العدل والموضوعية، لا بخطابات التهديد التي طالما سمعنا الكثير منها ..!

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017