"ورقة التوت"

جيفارا سمارة

لم تكن عدسة الكاميرا التي التقطت مشهد ضرب وسحل الشهيد قصي العمور عقب اعتقاله مصابا، تنقل مشاهد إعدام تنظيم "داعش" الإرهابي، لأسير في سوريا أو العراق، بل كانت توثق جريمة في بلدة تقوع في بيت لحم، ارتكبها "جنود" أسقطت جرائمهم، بحسب أهم مؤسسة حقوقية إسرائيلية (بتسيلم)، ما أسمته "ورقة التوت" عن عورة دولة الاحتلال، ومؤسساتها التي تسهل بقرارتها وتواطؤها إعدام الفلسطينيين، استنادا إلى الشكوك.

مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة "بتسيلم"، الذي أملت عليه مسؤوليتها الأخلاقية، مقاطعة نيابة الاحتلال، التي لخصت مشوارها معها على مدار 25 عاما، بالقول: "يختار "بتسيلم" عدم الاستمرار في المساهمة في الحراك الوهمي في عمل جهاز تطبيق القانون العسكري، ولا نية له بمواصلة توجيه الشكاوى إليه، وهذا القرار نتاج تفكير تقدمي استنادا إلى المعرفة من مئات الشكاوى وعشرات اللقاءات مع المسؤولين في مجال تطبيق القانون العسكري، الذي يوفر الحماية للقتلة، ويغفل عن الحقوق المنتهكة".

في فترة زمنية قصيرة من عمر الاحتلال، وهي الفترة التي اندلعت ابانها الانتفاضة في العام 2000، يشير المركز الى أنه توجه إلى النيابة الإسرائيلية مطالبا بالتحقيق في 739 حالة قُتل فيها فلسطينيون أو أُصيبوا أو ضُربوا على أيدي جنود أو تضررت ممتلكاتهم أو استخدمهم الجنود كدروع بشرية، فكان الرد بحسب "بتسيلم"، أكثر من مخيب للآمال.

ويفصل "بتسيلم" بشأن معالجة جهاز تطبيق القانون العسكري في 739 حالة، أن رُبع الحالات (182 حالة) لم يجر تحقيق فيها على الإطلاق، وفيما يقارب نصف الحالات (343 حالة) تم إغلاق ملف التحقيق فيها دون نتيجة، وفقط في حالات نادرة (25 حالة) تم تقديم لوائح اتهام ضدّ الجنود المتورطين، فيما نقل 13 ملفًا إضافيًا للمحاكم التأديبية، كما تتواجد 132 حالة في مراحل مختلفة من المعالجة، و44 حالة أخرى لم تتمكن النيابة العسكرية من تتبع وضعها.

ويقول الخبير القانوني، مدير عام مؤسسة الحق شعوان جبارين، إن حجم الجرائم والإصرار على إعدام الفلسطينيين، زاد وبات أكثر وضوحا ابّان الهبة التي اندلعت أواخر العام 2015، والتي تزامنت مع جملة قرارات لحكومة الاحتلال، كان أبرزها شرعنة استخدام بندقية القنص "روغر"، في إطلاق النار على أطفال الحجارة، في خطوة وصفها "بتسيلم" بأنها "إذن بالإعدامات الميدانية"، وتشكل استجابة من حكومة الاحتلال لرسالة وجهت إليها من عشرات الحاخامات الذين طالبوها بفرض الإعدام على الفلسطينيين، فكانت مشاهد الإعدامات لشبان مكبلين دليلا على إطلاق النار عليهم بعد اعتقالهم، وهي الخلاصة ذاتها التي وصل إليها جيش الاحتلال في جريمة قتل هديل الهشلمون، إذ جاء في تحقيق حول الجريمة أنه كان بالإمكان اعتقالها دون قتلها.

ويضيف جبارين أن جنود الاحتلال باتوا أكثر وحشية وأكثر ارتياحا في قتلهم للفلسطينيين الذين بات عليهم أن يحذروا من إخراج هواتفهم أو من الاتيان بأي حركة مفاجئة، قد تجعل منهم أهدافا ""مشروعة"" بنظر جنود الاحتلال وسياسيهم، ومؤسساتهم التي باتت توفر الحماية القانونية لهم بإهمال القضية المرفوعة إلى نيابة الاحتلال، التي باتت تبيح الدم الفلسطيني.

ويشير جبارين الى أن مشاهد الإعدامات التي توثقها الكاميرات، كحالة إعدام الشاب عبد الفتاح الشريف، الذي استشهد في الرابع والعشرين من شهر آذار من العام الماضي بمدينة الخليل، تظهر بما لا يترك مجالا للشك أن هدف الاحتلال هو التصفية الميدانية، بحماية من مؤسسات الاحتلال التي تواطأت مع القاتل "اليئور عزاريا"، واتهمته بالقتل غير العمد.

ودفع استمرار هذا التواطؤ من قبل مؤسسات الاحتلال، منظمة "يش دين" الحقوقية الإسرائيلية للاستئناف على الحكم السبت الماضي، والطلب بإعادة فتح التحقيق في جريمة إطلاق نار أصيب فيه فلسطينيان قرب مستوطنة "إيتمار" بـالضفة الغربية لنقص الأدلة.

وأفاد موقع "واللا" العبري بأن الحادث وقع أوائل عام 2015 حين تم الإبلاغ عن فقدان مستوطن، فأعلن الجيش الإسرائيلي الاستنفار وعزز قواته على حدود نابلس، وشن حملاته التفتيشية، وذلك قبل أن يعثر على الفتى اليهودي في نفس اليوم.

واعتقل الجيش آنذاك، أربعة رعاة فلسطينيين في قرية عقربا، حيث حاول السكان تخليصهم، واندلعت مواجهات استخدم فيها جنود الاحتلال النار وقنابل الغاز، ما تسبب بإصابة فلسطينيين اثنين برصاص حي.

وفتحت الشرطة الإسرائيلية تحقيقا بعد ذلك، واعتقلت اثنين من المستوطنين، لكنهما أنكرا صلتهما بالحادث، رغم أن أحد الفلسطينيين المصابين أكد تعرفه على أحدهما.

وذكرت المحامية الموكلة عن الفلسطينيين موريا شلوموت، وهي من منظمة "يش دين" أنها لا تجد مبررا لعدم تقديم الإسرائيليين المخالفين للمحاكمة، فهم لا يأخذون القانون بأيديهم فقط، بل يستخدمون أسلحة تعرض حياة الفلسطينيين للخطر، خصوصا وأن الفاعلين قد تم التعرف عليهم من ضحاياهم، وليس هناك سبب قضائي يمنع محاكمتهم.

ووفقا للمعطيات المتوفرة، فإن 7% فقط من أعمال العنف التي يقوم بها إسرائيليون متطرفون يتم توجيه اتهامات قانونية فيها، وكأن الإسرائيليين يحظون بحصانة قانونية تجعلهم بمنأى عن تقديمهم للمحاكمات، وبالعادة يكون مصير ملفاتهم الإغلاق لعدم توفر الأدلة الكافية.

وأصدرت منظمة "يش دين" تقريرا في الثاني من الشهر الجاري، جاء فيه أنه تم فتح 186 تحقيقا جنائيا ضد الجنود الإسرائيليين لارتكابهم مخالفات ضد الفلسطينيين، وإغلاق 120 ملفا منها، بينما تم اتخاذ إجراءات جادة لمعالجة سبعة ملفات، فالجيش لا يلتزم بالسياسة التي يعلنها بفتح تحقيق جنائي تجاه أي حادث ينتهي بوفاة فلسطينيين، باستثناء الحوادث التي تحصل خلال العمليات الحربية الكبيرة.

وأشار التقرير إلى أن العام 2015 شهد قتل 99 فلسطينيا في الضفة الغربية بنيران جيش الاحتلال الإسرائيلي، وفي القدس الشرقية قتل 17 فلسطينيا، لكن 21 ملفا جنائيا فقط، تم فتحها ضد الجنود الإسرائيليين.

ورغم أن جيش الاحتلال لديه تعليمات بإبلاغ الشرطة العسكرية عن أي حادث تتم فيه مخالفة القوانين الدولية، لكن انخفاض أعداد البلاغات المقدمة للشرطة تشير لعدم الالتزام بالتعليمات، ما يؤكد أن السلطات العسكرية الإسرائيلية لا تحقق في الحوادث الخطيرة التي تحصل ضد الفلسطينيين.

ودفع تكرار الجرائم والاعدامات منظمة العفو الدولية "أمنستي" إلى إدانة ما وصفته بـ "سلسلة عمليات القتل غير القانونية" و"التدابير المتطرفة" بحق الفلسطينيين في حالات تم فيها إطلاق النار عمدا على فلسطينيين دون أن يمثلوا أي تهديد مباشر "فيما يبدو أنه خارج نطاق القضاء"، وعمليات إعدام لم تكن مبررة، وأن القوات الإسرائيلية تستخدم "إجراءات مفرطة وغير قانونية".

ha

التعليقات

الأقصى أولاً

كتب: رئيس تحرير "الحياة الجديدة"

في مثل هذه اللحضات المصيرية التي نعيش اليوم، وأقصانا يتعرض لخطر التقسيم الداهم، لا ينبغي لأي انشغال وطني أن يكون بعيدا عن نصرة الأقصى، وقد آن الأوان لأجل هذا الموقف الوطني الحاسم، أن نشهد نهاية عاجلة للانقسام البغيض، وفي هذا الإطار، لا تجوز في اللحظة الراهنة، الاستعراضات الشعبوية التي تنادي بإنهاء الانقسام بتعميمات مطلقة، لا تحمل أصحاب الانقسام الحمساويين المسؤولية عن استمراره، ولا تقول حتى الآن إن الانقلاب الحمساوي هو من جاء بهذه الجائحة الكريهة، ويعرف القاصي والداني أن الشرعية الوطنية، وحركة "فتح" حامية الشرعية والمشروع الوطني، لم تقف يوماً ومنذ أن اقترفت حركة حماس خطيئتها الوطنية الكبرى، بالانقلاب الدموي العنيف، ولن تقف، في وجه أية مبادرة مخلصة لطي صفحة الانقلاب المعيبة، وإنهاء الانقسام البغيض، وإعادة اللحمة للوحدة الوطنية، أرضاً وشعباً وفصائل، في إطار منظمة التحرير الفلسطينية. وقد تحملت "فتح" على نحو محدد، في سنوات الحوار الطويلة لتحقيق المصالحة الوطنية، الكثير من سوء التقدير، ولغط التقييم، وميوعة وانتهازية المواقف لبعض فصائل العمل الوطني، والتلاعب بالكلمات والشعارات، والكثير من الاتهامات الباطلة، وأكثر منها تطاول الناطقين الحمساويين الصغار، على قادتها وكوادرها وتاريخها النضالي بشهدائه العظام، وهو التاريخ الذي أوجد لحماس حضورها في النظام السياسي الفلسطيني.

تحملت فتح وما زالت تتحمل الكثير في سبيل إنهاء الانقسام، ورفع المعاناة عن أبناء شعبنا في قطاع غزة، الذي يتضور منذ عشر سنوات وحتى اللحظة، جراء سياسات حماس التعسفية والقمعية، وتمسكها المحموم بكرسي الحكم، الذي تتوهم أنه يمكن أن يصبح كرسي الإمارة التي تريدها جماعة الإخوان المسلمين، قاعدة لإعادة الحياة لمشروعها العدمي، رغم أنه بات في ذمة التاريخ. 
وفي السياق، قالت "فتح" وما زالت تقول: ليس الصراع بينها وحماس، وإنما هو صراع المشروع الوطني التحرري، ضد مشروع جماعة الاخوان اللاوطني، ولقد قدمت "فتح" كل ما من شأنه أن ينهي الانقسام، في سعيها الديمقراطي طوال سنوات الحوار الوطني، بل وأنجزت اتفاق المصالحة في القاهرة الذي وقع عام 2012، وهناك إعلان الدوحة، وإعلان الشاطئ، وقبل كل ذلك كان هناك اتفاق مكة، الذي أنجز قرب أستار الكعبة المشرفة، وبالقسم عندها، لكنه الذي داسته حماس سريعاً بأقدام ميليشياتها وهي تمضي بلا أي تعقل وطني، نحو تحقيق انقلابها على الشرعية، والاستحواذ على سلطة لا هم لها غير دوامها واستفرادها بالحكم..!!
وقالت "فتح" وما زالت تقول: من يريد إنهاء الانقسام، عليه أن يضع النقاط فوق حروفها، وأن يسمي الاشياء بأسمائها، وأن يحمل المسؤولية لمن ظل وما زال يناور ويتلاعب بالكلمات والشعارات، ويتهرب من استحقاقات المصالحة، والذي عطل وما زال يعطل عمل حكومة الوفاق الوطني، والذي أنشأ حكومة بديلة أطلق عليها اسم اللجنة الإدارية، إنها حركة حماس من لا يريد إنهاء الانقسام، حتى بعد أن بات طريق الإنهاء واضحا لا لبس فيه؛ تشكيل حكومة وحدة وطنية، والذهاب إلى انتخابات تشريعية ورئاسية. أما الذين ما زالوا يحملون "فتح" مسؤولية الانقسام بالتساوي مع "حماس" (..!!)، فإنهم بالقطع لا يريدون لهذا الانقسام البغيض أن ينتهي، طالما سيظل سوقاً لتجارتهم السوداء، ومربعاً لعنترياتهم الفارغة، ومنصة لخطبهم التي لا تسمن ولا تغني من جوع!
لا بد من قول كلمة الحق، أما الاستعراضات الشعبوية التي تخرجها "حماس" بين الفينة والأخرى بشعارات وهتافات تغالط أبسط الحقائق، والأقصى يعاني ما يعاني، فإنها لن تجد مخرجاً من أزمتها الراهنة، ولن تساهم في ذلك في الدفاع عن الأقصى ولا بأي حال من الأحوال، وغير ذلك لن يصدقها أحد، إنها أخيراً تريد أن تتحمل جزءاً من المسؤولية عن الانقسام، طالما أن "فتح" تتحمل الجزء الآخر..!!
مرة أخرى، لا سبيل سوى قول كلمة الحق، وفي قول هذه الكلمة لا يخشى الشجعان الوطنيون لومة لائم، وغزة تستحق هذه الكلمة وأكثر من ذلك، لا بد من إنهاء الانقسام حتى بالجراحات العميقة، التي لا تسعى لغير أن تخرج أهلنا في القطاع المكلوم من محنتهم وعذاباتهم اليومية. واليوم، بل الآن، لا بد من إنهاء الانقسام لتشكل الوحدة الوطنية الحقيقية حصنا منيعا لأقصانا المقدس ليحميه من مخاطر التقسيم والتهويد والأسرلة.
تعالوا إلى هذه الكلمة. تعالوا إلى حكومة الوحدة الوطنية وإلى الانتخابات التشريعية والرئاسية، وليست في هذا الأمر أية ألغاز يصعب فهمها، وليست في طريق هذا الأمر أية عراقيل، سوى عراقيل الوهم الإخواني وشهوات الحكم القبيحة، الوهم والشهوات التي لا مستقبل لها في بلادنا ولا بأي صورة من الصور، ولنا اليوم أمام حصار الأقصى انشغال عظيم لنصرته وفك الحصار الاحتلالي من حوله، نؤمن أن هذا الانشغال سيكون أكثر فاعلية مع الوحدة الوطنية الخالية من كل انقلاب وانقسام.

 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017