أزمة الكهرباء في غزة.. بين "مراجعات" مشعل وسلوك أقرانه على الأرض - أنور رجب

أشار رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في حزيران من العام الماضي ضمن مشاركته في ندوة نظمها مركز الجزيرة للدراسات، تحت عنوان "التحولات في الحركات الإسلامية" إلى العديد من الأخطاء التي واكبت تجربة الإسلاميين عمومًا وحركته على وجه الخصوص، وقد جاءت ورقته بعنوان "المقاومة الفلسطينية وتحولات الربيع العربي"، وأطلق البعض على ما جاء فيها وصف "المراجعات"، وهي من وجهة نظرنا مجرد إقرار واعتراف بواقع لا يمكن نكرانه، ومن ضمن ما جاء في "اعترافات" مشعل: أن حركته أخطأت عندما استسهلت حكم قطاع غزة بمفردها بعد سيطرتها عليه بالقوة المسلحة عام 2007، وعقب فوزها في الانتخابات البرلمانية عام 2006، وأخطأت عندما ظنت أن زمن فتح انتهى وأن زمن حماس قد بدأ، كما أشار إلى الخلل والقصور في تجربة الإسلاميين في التعامل مع شركاء الوطن. وقد استبشر الكثيرون خيراً بهذه الاعترافات على اعتبار أنها مقدمة لمراجعات جدية قد تقدم عليها حماس بوصفها صدرت من أعلى قمة الهرم القيادي للحركة، وانعكاس ذلك إيجاباً على الوضع الداخلي الفلسطيني سواء من جهة إتمام المصالحة الداخلية أم من جهة تحسين مستوى الحياة اليومية لسكان القطاع.  فيما رأي فيها آخرون أنها لا تعدو كونها محاولة لإعادة صياغة منظومة الأولويات ذات العلاقة بالتطبيقات العملية لنهج ورؤية الحركة (الإخوانية)، بعد أن عصفت بها العديد من الأزمات سواء على صعيد سياستها في إدارة قطاع غزة واستحقاقات الحكم، أو على صعيد وضعها الداخلي، أو منظومة علاقاتها الإقليمية، وهي أزمات لم تعد إستراتيجية المناورة والمدارة (الفهلوة) وأنصاف المواقف تجدي معها نفعاً، أكان ذلك باسم فلسطين أم الدين أم المقاومة.

لم تجد هذه الاعترافات طريقها للتطبيق العملي على أرض الواقع، ولم نلمس أي إرهاصات أو مؤشرات توحي بوجود نوايا حقيقة لإجراء مراجعة نقدية وجدية لتجربة حماس ومنظومتها الفكرية والسياسية، وإن برزت أصوات جريئة داخل الحركة تنادي بذلك مثل غازي حمد وأحمد يوسف، لكنها على ما يبدو محدودة التأثير. وعلى العكس من ذلك فمن الواضح أن حركة حماس تبدو أكثر إصراراً على الاستمرار بما هي عليه، وهذا يدفعنا للاعتقاد بأن مشعل (المقيد باستحقاقات جيوسياسية) والأصوات الضعيفة الأخرى داخل الحركة لم تستطع حتى الآن أن تخترق جدار الثقافة العميقة التي تكرست على مدار السنون الماضية من عمر الحركة، وأفرزت طبقة جلها من القيادات الوازنة (تنظيمية وسياسية وعسكرية) التي تحالفت مع أصحاب المصالح من داخل الحركة وخارجها، وما زالت قادرة على الاحتفاظ بامتدادات إقليمية تمدها بأسباب القوة وبالتالي احتكار قرار الحركة. وقد عكس الحراك الجماهيري العفوي والسلمي في قطاع غزة حول أزمة الكهرباء وردود فعل حماس وأجهزتها الأمنية هذا الواقع بوضوح، إذ حملت تصريحات العديد من قيادات حماس اتهامات بالخيانة والتآمر للمشاركين في هذا الحراك، وعكست هذه الثقافة نفسها في منشورات عدد كبير من كوادر حماس على صفحات التواصل الاجتماعي، وبالتزامن مع ذلك تسربت إلى وسائل الإعلام وثيقة صادرة عن دائرة العمل الجماهيري التابعة للحركة تطالب فيها أبناء الحركة بالخطوات التي يتوجب عليهم القيام بها لمواجهة الاحتجاجات الجماهيرية مسترشدة بنتائج اجتماع لقوى الأمن الداخلي التابعة لحماس تم عقده خصيصاً لهذا الغرض، وقد ترجمت تلك التصريحات والمنشورات والوثائق على أرض الواقع بكل تفاصيلها.

ومن هنا فإن التدقيق والتمعن في الحراك الجماهيري المطالب بحل أزمة الكهرباء وتداعياته يحمل العديد من الدلالات، كان يجب أن تتوقف حماس أمامها وتنظر لها بموضوعية بعيداً عن إلقاء المسؤولية في حجر "السلطة في رام الله" أو إيعازها للحصار المفروض على غزة، فالمسؤولية يتحملها من يسيطر على الأرض ومن يشرف على إدارة توزيع الكهرباء من وجهة نظر المواطن وهو محق. فأين مسؤولية الحكومة في رام الله أو الحصار في أن يحصل المواطن على ثلاث ساعات كهرباء يومياً في حين أن المتوفر يسمح ب12 ساعة متواصلة؟ وأين يستنفذ الفارق؟ ولماذا يُجبى من المواطن ثمن 24 ساعة وصل يومياً؟ ومن يتحمل مسؤولية الكهرباء التي تستنزفها مؤسسات حماس الأمنية والمدنية والتنظيمية، والمساجد (المقرات البديلة للحركة) وما تستنزفه الأنفاق والمواقع العسكرية والأمنية وبيوت المسؤولين؟ ومن هو المسؤول عن بيع الكهرباء للمصانع والشركات بأسعار أعلى على حساب حصة المواطن المغلوب على أمره؟ والكثير من الأسئلة على هذا النحو بات المواطن يعرف إجاباتها جيداً ولم تعد اسطوانة حماس وكذبها حول "سلطة رام الله" والحصار تنطلي عليه، وهذه الدلالة الأولى. أما الثانية فهي أن هذا الحراك كان شعبياً بامتياز، وليس أدل على ذلك من حجم المشاركين في هذه الاحتجاجات واختلاف تلاوينهم (مسيرة جباليا نموذجاً)، ومن قاد هذا الحراك وأشرف على إدارته من خلال وسائل التواصل الاجتماعي مجموعة كبيرة من المفكرين والمثقفين ورجال الدين، وشخصيات أكاديمية وشبابية وعشائرية معروفة ولا تخفي نفسها حتى بعد أن أصبحت مطاردة لأجهزة أمن حماس، وكانت تصر على سلمية التظاهرات في جميع منشوراتها، وتحذر من محاولات أذرع حركة حماس لحرفها عن مسارها، حتى أن إعلام حماس لم يتمكن من إثبات غير ذلك رغم ادعائه به، ومن هنا سقطت نظرية المؤامرة ومحاولة حماس إلصاق هذا الحراك بأجهزة أمن السلطة في رام الله.

أما الدلالة الثالثة: فهي أن حماس لا تستطيع أن تغير جلدها في تعاطيها مع مفهوم حرية الرأي والرأي الآخر، فبعد أن فشلت في احتواء الحراك من خلال اسطوانتها المعتادة (الحصار – المؤامرة- سلطة رام الله – المقاومة)، لجأت إلى أسلوب القوة والبطش "المغالبة" الذي اعتادت عليه من خلال اذرعها الأمنية والعسكرية، فصبت جام حقدها على المتظاهرين والإعلاميين والصحفيين فقمعت واعتقلت وصادرت، وطالت هذه الحملة قيادات تنظيمية في فصائل أخرى شاركوا في المظاهرات بصفتهم الشخصية وليست الحزبية، وهذه الدلالة الرابعة التي تشير إلى مفهوم حماس للشراكة الوطنية (إما معي أو ضدي).

مما سبق نخرج بنتيجتين في غاية الأهمية، الأولى: أن مقولات ومبررات حماس فقدت بريقها ومصداقيتها سواء تلك التي تسوقها باسم الدين أو المقاومة أو الحصار أو المؤامرة، ولم تعد تلقى بالاً لدى المواطن المغلوب على أمره في غزة. والثانية: أن سلوك حركة حماس بكافة أذرعها السياسية والتنظيمية والأمنية، يؤكد أن الحركة ما زالت غير جاهزة وغير مؤهلة لإجراء مراجعات جدية في منظومتها السياسية والفكرية، أو على الأقل لإعادة النظر في طريقة إدارتها لقطاع غزة والتوقف قليلا أمام حجم الكوارث التي جلبتها للمواطن على مدار سنين حكمها، وأن ثقافة الاستعلاء والمغالبة ونفي الآخر باستخدام القوة والبطش باسم الله والدين والمقاومة تتحكم وتسيطر وتوجه وتبرر لكل ما أنتجته وتنتجه الحركة، ومن هنا فإن اعترافات مشعل بدت وكأنها غير ذي صلة، ولا علاقة لها بواقع الحال.

ha

التعليقات

لسان الحية

كتب: رئيس تحرير صحيفة الحياة الجديدة

يمكن القول الآن ودونما تردد أن لسان حركة حماس في اللحظة الراهنة، هو لسان خليل الحية، والواقع ومع الاسف الشديد، لم يكن هذا اللسان يوم امس في المؤتمر الصحفي الذي عقده الحية، سوى لسان الفتنة، بلغة الاتهام والتضليل والتزوير والافتراء، اللغة التي لم تعد تعاند الحقائق والوقائع فقط، وانما باتت تحاول قلبها رأسا على عقب ايضا، وكأن التاريخ ليس سوى لحظة المؤتمر الصحفي، والذاكرة الوطنية ليست إلا قاعا صفصفا لا شيء فيها من حكايات الانقسام البغيض، وسياسات حماس التي لا تزال تحاول تأبيده منذ عشر سنوات وحتى اللحظة ...!!! نعم لسان حركة حماس اليوم هو لسان الحية والذي جاء الى مؤتمره الصحفي بعد مشاهد مسرحية منحطة،حاولت النيل من قامة الرئيس ابو مازن، رئيس الشعب الفلسطيني وقائد مشروعه الوطني للتحرر والاستقلال،مشاهد اخرجتها حركة حماس، وقالت بانها تظاهرات احتجاجية (..!!)  ودارت بها في شوارع غزة، بمجموعة من الغوغاء اطاحوا خلالها بكل قيم الاحتجاج الوطنية، ونزلوا بها الى اسفل درك شعبوي، حتى ما عادت تعبر إلا عن انحطاط اخلاقي غير مسبوق، لا يعرفه شعبنا الفلسطيني في سيرته النضالية، ولا في تاريخه الحضاري، ولا في قيمه الوطنية، ولا يمكن ان يرضاه حتى كمجرد لحظة عابرة، بدلالة الاستنكار الشعبي الواسع لهذه المشاهد المسرحية المنحطة...!! وحقا ان لكل لسان من اسم صاحبه نصيبا، ولعلها الحكمة بامثالها البليغة، ان يكون للمرء من اسمه نصيب، وان يكون الاسم غالبا دالا على المعنى والمسمى، وان ينضح الاناء تاليا بما فيه ...!!

الحية في غزة، تحرسه سلطة الانقسام البغيض، بغطرسة قوة، اساسها التوهم والضغينة، وبسياسات وبرامج لا علاقة لها بالوطنية الفلسطينية، وبفعل الغطرسة والوهم لا يعود للحقيقة على لسان الحية اي مكان، وتصبح الفبركة من ضرورات التباهي بالمزاودات الفارغة، وهذا ما كان في غاية الوضوح في مؤتمر الحية الصحفي ...!!   

والواقع ان حركة حماس وهي تخرج تلك المشاهد وترعاها وتطلق الحية لسانا لها، فإنها لا تريد سوى ان تجهض المحاولة الرئاسية والفتحاوية الخالصة المخلصة، والتي يمكن وصفها بالأخيرة، لجعل المصالحة الوطنية ممكنة، بإنهاء الانقسام البغيض، والذهاب الى معالجات جذرية للاوضاع الصعبة التي يعيشها  ابناء شعبنا في القطاع المحاصر، واعادة الحيوية الى حياتهم اليومية بالعزة والامن والامان والكرامة الاجتماعية.

وما ثمة دليل على هذا الذي تريده حركة حماس اوضح مما قاله الحية في مؤتمره الصحفي، وهو يغلق الابواب امام وفد مركزية فتح، لإجهاض تلك المحاولة قبل ان تبدأ خطواتها الاولى باتجاه غزة، وبمزاودات الموقف الشعبوي الغوغائي واكاذيبه، حين يدعو "فتح" الى  حل ما وصفه "بالقضايا العالقة" قبل بدء الحوار معها، واية قضايا عالقة غير قضية الانقسام التي ما زالت حركة حماس تطيل عمرها بالاكاذيب  المفضوحة، ومن ذلك ما قاله الحية ان حماس "ملتزمة بوثيقة الوفاق الوطني التي تم توقيعها عام  2006 " ...!! واي التزام هو هذا الذي ما زال يكرس الانقسام البغيض، بمجمل سياسات الاستحواذ السلطوية، من تعطيل عمل حكومة الوفاق الوطني، الى فرض الضرائب غير القانونية، الى ممارسات القمع المنوعة، من المطاردة الى الخطف الى الاعتقال، وغير ذلك من سياسات جعلت من حوارات المصالحة طوال عشر سنوات كمثل حكاية ابريق الزيت التي لا تعرف بداية ولا نهاية ..!!  

من يريد حقا ان ينهي الانقسام، وان يذهب فعلا الى الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني، عليه اولا ان يعترف بجريرة الانقلاب الدموي، وعليه هو اولا ان يقدم الاجابات في كل ما يتعلق بالقضايا الوطنية،  والتي لم يقدم منها شيئا حتى الان، وحيث قراره مازال رهن القيادة العالمية لجماعة الاخوان، التي تصوغ خطابه    وسياساته ومواقفه واكاذيبه في المحصلة ..!!  

 لغة الاتهام والتشكيك والمزاودة، والمشاهد المسرحية المنحطة، لا تقول بغير حقيقة واحدة ان حركة حماس حتى اللحظة، لا تريد مصالحة، ولا نهاية للانقسام البغيض وانها ما زالت رهينة اوهامها بامكانية الانقضاض على الشرعية الوطنية، الدستورية والنضالية، لتستولي على مكانتها من اجل دويلة مسخ في قطاع غزة . 

ومع ذلك ورغم ذلك "سنلاحق العيار الى باب الدار" كما يقول المثل الشعبي، فاذا كانت حماس تريد حقا ان تمارس حكومة الوفاق الوطني كامل صلاحياتها في قطاع غزة،  عليها ان تحل حكومة الظل التي تقودها، لا ما يسمى اللجنة الادارية فحسب، عليها ان تغادر الحكم لتأتي الى تشكيل حكومة وحدة وطنية، لنذهب بعدها الى الانتخابات الشاملة، وعليها ان تلعن الانقسام فعلا لا قولا، بانهاء كافة تجلياته القبيحة، وعليها ان تقدم الاجابات الوطنية التي تجعلها جزءا من الحركة الوطنية الفلسطينية، واشياء اخرى كثيرة على حماس ان تقدم عليها، ومنها على نحو خاص رؤيتها وبرنامجها للمصالحة المجتمعية وتسوية قضايا اولياء الدم، وغير ذلك بوسع حماس ان تعتمد على لسان الحية، اذا ما ارادت ان تواصل هروبها من استحقاقات، لكن ساعة الحسم اقتربت، ولها في حساباتها  شأن عظيم.  

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017