عندما يحاصر الرسول غزة! بكر أبو بكر

كُتب الكثير حول الاستغلال للمنابر من قبل التنظيمات الدينية عامة، سواء التنظيمات اليهودية او المسيحوية او الاسلاموية أو الهندوسية أو غيرها، وظهرت وسائل الاستغلال الحزبي على المنابر في الكنائس (قديما وحديثا) وفي الكُنس، وفي المساجد. اتخذ الاستغلال أشكالا عدة، كل منها يبرر السقطات ويبرر الفشل ويبرر الهزيمة بإلقاء التهمة على الآخر أو على العدو المخترع، او يبرر المظلمة والانحدار وقلة الحيلة والهزيمة بأنه امتحان من الرب او مدعاة للصبر، وبدلا من ان يتصدى للمشاكل ويواجه حلها بقوة أو بدلا من مواجهة الحقائق وفشل السياسات التي يتبعها فيتوب عن غيه فإنه يلقي العبء على الناس! لكم إما ان تكونوا مؤمنين بنا وبالتالي فأنتم مؤمنون بالله، وتستمر المحنة؟! واما ان تكفروا؟! فتنفك عنكم المحنة والمظلمة والحصار والفشل! فماذا يتبقى امام المؤمنين الا أن يتمسكوا أكثر بالخطيب أو الكاهن على اعتبار أنه يقول ما يقوله نيابة عن الرب وفي كلام مقدس؟ نجحت الدعائية اليهودية في استغلال السياسة وركوبها حتى أصبح خطاب (نتنياهو) (العلماني) خطابا دينيا كاذبا يستند لخوارق التوراة وأساطيرها اللادينية الخارجة عن حقائق التاريخ كما أثبتت الآثار والابحاث الجديدة الرصينة. وخرج الكثير من متحدثي المسيحية المتصهينة أو المسيحية الاستعمارية عن حقائق الوحدانية والمحبة ليجعلوا من أعدائهم الجدد ممثلين بمن هم غيرهم وبالمسلمين فيما هو بالغرب يسمى اليوم رُهاب الاسلام او (الاسلاموفوبيا). وقامت التنظيمات الاسلاموية الموسومة بالمتطرفة وحتى بعض تلك الموسومة بمعتدلة أيضا باستغلال الخطاب الديني والمنابر بعنف مثير بل ومقزز. ما نريد أن نعرض له مؤخرا ما كان من قول أحد قادة حماس على منبر المسجد في غزة للجمعة يوم 27/1/2017 حيث أدلى بدلوه فيما هو خروج مركب عن اللياقة السياسية والدينية! وخلط متعمد بين الانساني النسبي والمتغير وبين الثابت المقدس، وبين سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومتغير حوادث الأزمان، وكأن العقيدة أو الدين لا يسير الا في ركابه هو، لذا فسياسته هو وحزبه حُكما مستمدة من الدين، فهو يغرف من المقدس دونا عن سائر البشر، ومن على المنبر، وليس على المساكين السامعين لا حول لهم ولا قوة... الا أن يقولوا آمين؟ يقف اسماعيل رضوان القائد السياسي في "حماس" في غزة الصامدة الصابرة ليمتلك المسجد ومن فيه، فينظّر لله من خلال منطوق كلامه، ومن خلال حزبه، فيقارن بين رفض الرسول عليه الصلاة والسلام للمال والجاه واتهامه بانه مجنون وساحر بما يحصل في غزة؟! والفرق شاسع والصلة غير منعقدة، ولكن رغبة إثراء الخطاب الحمساوي بالمعطيات الدينية التاريخية أسهل من التصدي للفشل أو معالجة الخلل أو المراجعة للذات والاعتراف بالخطأ، فأنتم- أيها المصلون ويا أهل غزة- مثل الرسول يقول عنكم "أهل الجاهلية" أنكم مجانين وسحرة ولا واقعيين لذلك تُحاصرون؟! ومن يرفض أن يكون شبها بالرسول؟! ومعاديا للجاهلية؟! بل ويتمادى أيضا ليكون أكثر وضوحا في التفلت من المسؤولية، والقائها على الجماهير! مخيرا اياهم ان يكونوا مسلمين فهم أتباع حزبه وأتباع منطوق قوله المقدس! فيقبلون بالحصار وقطع الكهرباء والبطالة..الخ من مآسٍ، ولا يصوبون اصابعهم تجاهه اتهاما فتقطع! أو ان يكونوا كفارا فينعمون بالكهرباء! فهم اما في صف الاسلام والرسول ورضوان وحماس أو في صف الكفرة والمحاصرين لهم في مقاربة أعجب من العجب وأسوأ من السوء وأفشل من الفشل!! يقول اسماعيل رضوان في خطبة الجمعة التي تستفز الحجر ليدافع عن عقيدته وايمانه رافضا الاستغلال السياسي والحزبي والشخصي للمنبر المقدس يقول: ((من يرفض المال ويرفض المناصب ومن يرفض الملك ومن يرفض النعم التي جعلت بين يدي الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم هو بمنطق الجاهلية رجل مجنون، ولا يتعامل مع الواقعية، لانهم قالوا... أنت مجنون وانت مسحور لانك لم تقبل بالواقعية، لأجل ذلك تحاصر غزة وتمنع الكهرباء (؟!!!!) لاجل ذلك تنقطع الرواتب ومن أجل ذلك تغلق المعابر(؟؟؟!!)). إن حدة المقاربة بين الكفر والايمان قاصمة للظهر خاصة لدى المؤمنين باللونين الاسود والابيض لا يستطيعون التمييز، ولا يستطيعون فهم الاسلام الرحب إلا نحن أو هم، ضمن عقلية المعسكرين او الفسطاطين التي رفضها الشيخ راشد الغنوشي قطعيا وحث بعمق على قطع دابرها عندما خطب في العام الماضي رافضا الصلة بين الدعوي والسياسي، ورافضا الصلة بين المنابر والاستغلال الحزبي السياسي لها ليأتي رضوان ومن على المنبر معلنا فشل "حماس" المدوي، وملقيا التهم الربانية على الكفرة الآخرين. يقول رضوان وبشكل مثير، وبرفض مطلق للاعتراف بالخطأ، وباتهام للمصلين مباشر، وتخييرهم ما لا ثالث له فاما الايمان أو الكفر، حيث يتساءل ويجيب: ((اتعلمون لماذا تحاصر غزة وتمنع الكهرباء، لاجل ذلك تنقطع الرواتب ومن اجل ذلك تغلق المعابر، لانكم رفعتم راية" لا اله الا الله، وان محمد رسول الله" ؟؟؟!!!)، ولا حول ولا قوة الا بالله! لا يمكن لأي إنسان مسلم أو مسيحي أو بوذي او هندوسي او حتى من المؤمنين بالطوطمية، أن يقبل استغلال المعابد أو المساجد ليبرر من على منبره أي حزب من الأحزاب فشل سياساته، فيلقيها على الآخر، ويجعل من الناس عبيدا لرأيه لأنهم ان لم يكونوا كذلك فهم في صف الآخر الكافر. ولا يمكن لأي انسان أن يفهم عقلية التضييق في الفهم والتقتير على الناس فيما هو رحابة وفسحة وتسامح وسِعة هي من مميزات الاديان، ومنها من مميزات الدين الاسلامي الحنيف أساسا، ولا يمكن للمسلم أن يقبل أبدا ديكتاتورية المصداح (الميكرفون) واستبداد المنبر، وقسوة السلطة التي تتلطى وراء الدين أو وراء الحق المطلق أو وراء الفهم الاوحد، أي كانت هذه السلطة. ان الله سبحانه وتعالى خلق لنا عقولا تعي، ولا تحتاج للمتاجرة بالدين لتقنعنا بالفاشلين وفشلهم يسري بين أيديهم، ولا تحتاج لتضع على أعيننا غمامة أو عصابة، فنحن نرى ونسمع ونعي لذلك جعل الله التفكّر فريضة، ولم يجعل استبداد المنبر واستغلال العقيدة الا نقيصة ورذيلة وذنبا توجب التوبة عنه والتكفير عن فعله. ولا مناص من المنع لكافة السياسيين من اعتلاء رقاب الناس والمنابر يطوحون بعقيدة المؤمنين شمالا وجنوبا إرضاء لنزوات حزبية وتفسيرات ضيقة ومقارنات باطلة وادعاءات فاشلة رافعين سيف السلطة الباغية بيد وسيف المقدس باليد الثانية.
ha

التعليقات

اليقين الفلسطيني لا بد أن ينتصر

 كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

العنوان أعلاه هو ملخص خطاب اليقين الذي هيمن على اجواء مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس الذي يختتم أعماله اليوم في القاهرة، والسبب ليس هو الثقة المعرفية والإيمان العميق، عند احرار الأمة العربية والإسلامية والعالم اجمع، بحتمية انتصار الحق  الفلسطيني على الباطل الاسرائيلي فقط، كما اشارت كلمات الافتتاح لهذا المؤتمر جميعها، وليس لأن هذا المؤتمر يبحث عن خطوات عملية وجادة لدعم القدس وصمود اَهلها فحسب، وإنما أيضا لتجلي حقيقة الصلابة الوطنية الفلسطينية، وتمسكها بثوابتها المبدأية بصورة لا لَبْس فيها، والتي عكستها على نحو بليغ وحاسم (اللا) الكبيرة الي اطلقها الرئيس الزعيم أبو مازن بوجه الادارة الاميركية، لمواجهة وإسقاط قرارها الباطل بإعلان القدس الفلسطينية العربية عاصمة لدولة الاحتلال، والتي أعاد التأكيد عليها وتشديدها مرة اخرى بكلمته امام مؤتمر الأزهر العالمي في جلسته الافتتاحية صباح أمس.

وفِي هذا المؤتمر الذي يعد اكبر تظاهرة تضامن عملياتية مع القدس، ضد قرار الرئيس الاميركي ترامب حيث تشارك في أعماله اكثر من ست وثمانين دولة وهيئة ومنظمة وشخصية، عربية واسلامية ودولية، في هذا المؤتمر ومع هذا الحشد اللافت، تكشفت وتتكشف اكثر وأكثر حقيقة ورطة القرار الاميركي الباطل وحماقته، وليس لأن مؤتمر الأزهر الشريف برعايته الرئاسية المصرية، سينهي هذا القرار بما سيعلن في خاتمة أعماله، وإنما لانه الذي يؤكد بكلمات اليقين الإيمانية التي لا تدع للشك مكانا، ان القدس حقا وفعلا وواقعا خط احمر ومن يتجاوزه لن يلقى غير المهانة والخسران طال الزمن أم قصر.

انها القدس ليست درة التاج الفلسطيني فحسب، ولا هي زهرة المدائن الفلسطينية فقط، وإنما هي كذلك روح الانسانية في تطلعاتها النبيلة؛ لأنها مدينة ايمان وقداسة ومحبة وسلام للعالم اجمع.

انها فصل الخطاب، وخطاب الفصل بين الحق والباطل، ولان هويتها الفلسطينية والعربية قضية كل المنصفين والعقلاء في العالم، كما جاء في كلمة فضيلة الامام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين احمد الطيب، الذي له- حقا- من اسمه نصيب وقد جاء بالعالم كله تقريبا، ليقول كلمة حق بشأن القدس وأهلها المرابطين.

الفلسطيني يقينا لا بد ان ينتصر وهذه بالنص كلمات رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، صاحب موقعة طرد ممثل اسرائيل من اجتماعات البرلمان الدولي، وعلى نحوها بعبارات اخرى تكرس هذا اليقين في كلمات البابا تواضرس الثاني، بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والأمين العام للجامعة العربية احمد ابو الغيط، ووزير الشؤون الاسلامية في المملكة العربية السعودية صالح بن عبد العزيز آلِ الشيخ، والامين العام لمجلس الكنائس العالمي اولاف فيكس تافيت، ورئيس البرلمان العربي مشعل بن فهم السلمي. وبالطبع كانت كلمة مصر كلها تجاور هذه الكلمات وتتماهى معها، وتقول عباراتها ذاتها بهذا المعنى وذاك، وهي تحتضن بمنتهى الدفء والمحبة وحسن الضيافة وكرمها، الحاضرين مؤتمر الأزهر الشريف وقد جاءوا من مختلف أنحاء العالم لتتأكد حقيقة القدس الجامعة، ونصرتها هو المحك  للعمل الصالح في الدنيا لثواب الدنيا والآخرة.

 الأزهر الشريف... هذا هو الدور وهذه هي المكانة الأيقونة، للمثال والعمل بوسطية الاسلام السمحة وحيث لا تقوى بغير الانتصار لقضايا الحق والعدل، وهي مازالت منذ اكثر من مائة سنة قضايا فلسطين بقدسها وشعبها وامتها العربية، بمسلميها ومسيحييها، وبمحبيها من احرار العالم وعقلائه.. الأزهر الشريف لك من القدس تحية محبة واحترام وتقدير، ودعوة زيارة لصلاة وزمن يتعاظم عربيا وإنسانيا حتى يوم خلاصها الاكيد من ظلم الاحتلال وظلامه، وإنه ليوم قريب بإذن الله تعالى.

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018