سميرة أبو غزالة: مسيرة كفاحية ممتدة - د. فيحاء عبد الهادي

رحلت ولم ترحل .. رحلت "سميرة أبو غزالة" جسداً؛ ولم ترحل فكراً ومنهجاً وإرثاً نضالياً، مسيرة كفاحية ممتدة منذ الطفولة في الرملة، - التي ولدت فيها العام 1928، مروراً بنابلس، والقدس، وبيروت، إلى القاهرة، التي استقرت فيها العام 1957-، حتى رحيلها يوم: 12 كانون الثاني 2017.
*****
لم يعرف الكثير عن المساهمة السياسية للمرأة الفلسطينية، ما قبل عام التهجير، وخلاله.
ومن خلال النساء الفلسطينيات، اللواتي أدلين بشهاداتهن عن هذه الحقبة التاريخية، ضمن مشروع التأريخ الشفوي للمساهمة السياسية للمرأة الفلسطينية منذ الثلاثينيات؛ أضيفت إلى التاريخ المدوَّن أدوار نسائية متنوعة.
كشفت شهادة المناضلة، عن مشاركة الشابات الفلسطينيات في المقاومة الشعبية، ضد البريطانيين، وضد العصابات والمستعمرات الصهيونية، قبل العام 1948، حين كانت وبعض الزميلات يتركن المدرسة، وهن صغيرات، ليضربن الأوتوبيسات التي تذهب من القدس إلى يافا بالحجارة. 
وكشفت عن دور تمويني، العام 1948، - حين جمعت مع بعض الطالبات هدايا وملابس وأطعمة، وقدّمنها بأنفسهن لقائد المنطقة للشيخ حسن سلامة-، وعن وعي نسوي مبكِّر بأهمية المقاومة المسلحة، والإسعاف الميداني - حين دعت ورفيقاتها إلى التدريب على السلاح، والتحقن بالهلال الأحمر المصري. 
*****
هجِّرت إلى نابلس مع عائلتها، ووصلت مع شقيقتها "نديرة"، قبل أن يصل شقيقاها، اللذان وصلا مشياً على الأقدام من الرملة إلي نابلس، وتعرَّضا لإطلاق النار.
ساهمت في إعالة الأسرة هي وشقيقتها، حيث افتتحتا مدرسة في دار عمها، لتعليم أبناء الحي.
عادت إلى القدس، وعملت في المدرسة المأمونية الثانوية، ثم أكملت تعليمها في دار المعلمات في القدس العام 1947م؛ إلى أن التحقت ببعثة للدراسة في الجامعة الأمريكية/ بيروت، العام 1952.
وفي بيروت؛ كان المجال واسعاً للعمل السياسي، من خلال حركة القوميين العرب، و"جمعية العروة الوثقى".
شاركت الرائدة في النشاطات السياسية التي تساهم في ترسيخ أفكار الوحدة العربية، ومن أهمها: المشاركة في حملة نشطة، ضد الدعوة التي تلقتها طالبات الجامعة الأمريكية لمقابلة المارينز، للترفيه عنهم؛ الأمر الذي أثار إدارة الجامعة ضدها. 
وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لإدارة الجامعة، والتي جعلتها تصدر قراراً بفصلها، مع أربع عشرة ناشطة وناشطاً؛ مشاركتهم في المظاهرة التي تندِّد بحلف بغداد العام 1955، مخالفين تعليمات إدارة الجامعة التي ترفع الحماية فيها عن الطلبة في حال المشاركة، اضطرَّت على إثرها أن تختفي عشرة أيام، وعندما وصل خبر فصل الطلاب للرئيس "جمال عبد الناصر"؛ أعلن من خلال "صوت العرب" قبولهم في الجامعات المصرية.
*****
أكملت دراستها الجامعية في الأدب العربي، في جامعة القاهرة، ثم رجعت إلى فلسطين، لتدرِّس في دار المعلمات في البيرة 1958.
عادت إلى القاهرة، بناء على إلحاح من الأهل، الذين تخوَّفوا أن يقبض عليها نتيجة نشاطها السياسي. حصلت على الماجستير العام 1962، عن بحث نشر في كتاب، بعنوان: "الشعر القومي بمصر والشام بين الحرب العالمية الأولى والثانية"، كما نشرت العام 1962 كتاباً بعنوان: "مذكرات فتاة عربية"، وعملت، ولمدة عشرين عاماً في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بالقاهرة، ثم مارست تدريس اللغة العربية للأجانب في الجامعة الأمريكية في القاهرة. صدر لها ديوان شعر بعنوان: نداء الأرض العام 1989.
*****
آمنت "سميرة أبو غزالة" بالعمل الجماعي المنظم؛ الأمر الذي دفعها إلى تأسيس "رابطة المرأة الفلسطينية في القاهرة"، في 14 نيسان 1963، بالتعاون مع عدد من الفلسطينيات المقيمات في القاهرة، منهن: "زينات عبد المجيد"، و"جهاد سلامة"، و"عايدة بامية"، و"رجاء بيدس". وحين أعلن عن تأسيس الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في القدس العام 1965؛ عملت الرابطة كفرع للاتحاد في القاهرة، وبقيت تعمل تحت هذا الاسم حتى الآن.
حدَّدت محاضر تأسيس الرابطة، أهدافها السياسية النقابية: "التجمع، والتنظيم، والعمل، من أجل تحرير فلسطين".
*****
جمعت الرائدة "سميرة أبو غزالة" بين السياسة والثقافة. كتبت الشعر، والدراسة، والمقالة، وأعدَّت وقدمت برنامجاً إذاعياً من إذاعة فلسطين في القاهرة/ من برامج صوت العرب، باسم: "فتاة فلسطين"، لمدة أربعين عاماً. 
شاركت باللجنة التحضيرية، - التي تكوَّنت من ممثلات الهيئات النسائية الفلسطينية، داخل فلسطين وخارجها، مع دائرة التنظيم الشعبي بمنظمة التحرير الفلسطينية -، التي دعت إلى مؤتمر لتأسيس الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في القدس، العام 1965، وحصلت على عضوية المجلس الوطني، ثم المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية.
*****
بالرغم من اتجاه المناضلة الأديبة للكتابة السياسية، بشكل رئيس؛ إلاّ أنها انتبهت مبكراً إلى العلاقة بين خوض المرأة غمار العمل السياسي، ومطالبتها بحقوق المرأة السياسية: حق التصويت وحق الترشيح للبرلمان:
"لا شيء غير مكائد حتى لكرسي البرلمان
لن يستقيم ليعرب خير بلا روح الحسان".
وتروي عن رد فعل بعض أفراد المجتمع المحافظ:
"دعوت في ذلك الوقت (1956) إلى حقوق المرأة، وأقمت عدة مهرجانات، آخرها كان في متحف الآثار الفلسطيني؛ طلعت لي صورة في جريدة البعث تقول: واحدة هاربة من البرلمان، والبرلمان مفتوح وواحد يقول لها: أخرجي يا سميرة من هنا، كفاية بقى".
*****
تمرَّدت الرائدة منذ صغرها على كل ما يقيِّدها ويعيق حريتها واستقلالها، رفضت الزواج المبكر، ورفضت السلطة الأبوية بأشكالها، وعملت لتحقيق استقلالها الاقتصادي، واختارت الشريك، وربَّت ابنتها الوحيدة على الحرية والاستقلالية والانتماء الوطني، والعمل الوحدوي العروبي، فاختارت بدورها دراستها، وعملها، وشريك حياتها، واسمها الذي جسَّد الوحدة العربية؛ إذ جمع بين عائلة والدها المصري، وزوجها العراقي، ووالدتها الفلسطينية: "منى بكر سليم/ منى أبو غزالة".
*****
ربطتني علاقة عائلية حميمة، ورابطة نضالية متميزة، مع "سميرة أبو غزالة"، 
تعرَّفت عليها أولاً، من خلال رفيقة دربها الوالدة "عصام عبد الهادي"، وتعرَّفت عليها شخصياً، حين انتقلت مع أسرتي للعيش في القاهرة. وعرفتها أكثر حين عملنا معاً، ضمن الهيئة الإدارية لاتحاد المرأة الفلسطينية بالقاهرة، التي تولت رئاستها، منذ التأسيس، حتى العام 2010. 
سميرة أبو غزالة، الخالة، والصديقة، والمناضلة، القائدة، والأديبة، والأستاذة الجامعية، سوف تكونين دائماً في قلوب أحبائك، وفي ذاكرة الشعب الفلسطيني، وذاكرة أحرار العالم..

 

ha

التعليقات

حماس كشركة قابضة

كتب: رئيس تحرير صحيفة الحياة الجديدة

هل تعلمون أن قرابة العشرين ملياردولار هي مجموع تحويلات السلطة الوطنية لقطاع غزة، خلال العشر سنوات الماضية، وهي سنوات الانقسام القبيح، سنوات سلطة حماس الانقلابية، التي لاتزال تجهض تباعا كل محاولة لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية لكامل عافيتها، وبمسلسل طويل ومكرر من خطاب الكذب والافتراء والتضليل، ومسلسل اطول وابشع من سياسات القمع  والاعتقال وملاحقة مختلف الحريات العامة ..!!

وهل تعلمون أن قرارا من الرئيس ابو مازن جعل من التأمين الصحي لكل اهالي قطاع غزة مجانيا،  ومع ذلك ما زالت سلطة حماس الانقلابية تفرض رسوما على مراجعة المشافي هناك، بل وانها تأخذ ثمن الأدوية التي تصرفها هذه المشافي للمرضى، علما انها ادوية ليست للبيع، واكثر من ذلك فإن مجموع الأدوية التي ترسلها وزارة الصحة من هنا، يجري تهريب بعضها الى خارج المشافي لتباع في الصيدليات برغم  انها موسومة بأنها ليست للبيع ...!!

وهل تعلمون ان السولار الذي يحول الى قطاع الكهرباء في غزة، تسرق اجهزة حماس جله لإنارة انفاق التهريب، وليباع ما يفيض منه في السوق السوداء لأصحاب  مولدات الكهرباء الصغيرة ..!!

وهل تعلمون ان رواتب الأسرى والشهداء والشؤون الاجتماعية لم تنقطع يوما عن غزة، اضافة الى رواتب العاملين في الصحة والتربية، وهل تعلمون ان وزارة التربية في حكومة الوفاق الوطني، توزع الكتب المدرسية مجانا على طلاب قطاع غزة، ولا تفرض اية رسوم على الدراسة هناك، لكن سلطة حماس الانقلابية تبيع الكتب وتفرض الرسوم، ولاشيء بالمطلق من جباياتها وضرائبها التي تفرضها على اهلنا في القطاع المكلوم يحول الى خزينة السلطة الوطنية ..!!

وهل تعلمون ان مياه الشرب في غزة ملوثة باكثر من تسعين بالمئة، ما دفع بالرئيس ابو مازن للبحث عن محطة تحلية للمياه لإقامتها على شواطئ غزة، بتمويل اوروبي وقد تحصل على ذلك خلال زيارته لبرشلونة عام 2011 لإقامة هذه المحطة بقيمة 500 مليون دولار، غير ان سلطة حماس الانقلابية رفضت تخصيص ارض لهذه المحطة، بزعم ان اراضي الساحل الغزية جميعها معسكرات للمقاومة (..!!) وعلى ما يبدو انه من  اخلاق المقاومة الحمساوية، ان يظل اهلنا في غزة يشربون المياه الملوثة، لأن العافية وسلامة الصحة ليست من سمات المقاومين ..!!!

وهل تعلمون ان عملية  إعادة الاعمار في غزة تحولت الى سوق سوداء يباع فيها الاسمنت المخصص لهذه العملية، ولهذا ما زالت تتعثر تباعا، ولا يبدو انها ستمضي في دروبها الصحيحة، طالما بقيت سلطة حماس الانقلابية ترعى هذه السوق بأمرائها الذين باتوا من اصحاب الملايين ..!!

وهل تعلمون وينبغي ان تعلموا، ان هذه السلطة الانقلابية تفرض الضرائب وكيفما اتفق، على الاحياء والاموات معا هناك، اذ هي تبيع القبور وتفرض رسوما على الدفن وأسألوا  اهل غزة عن ذلك ..!! وبالضرائب والاستحواذ والهيمنة على كل الموارد واسواق البيع السوداء والبيضاء معا، باتت  حركة حماس كأنها شركة قابضة، لكن حتى دون قوانين عمل هذه الشركة وغاياتها الانتاجية، سوى غاية الربح ومراكمة رأس المال ..!!

 اذا قرابة العشرين مليار دولار خلال عشر سنوات هي تحويلات السلطة الوطنية لقطاع غزة، واكثر من 120 مليون دولار سنويا من جبايات حماس لا يجري تحويل اي قرش منها لخزينة السلطة الوطنية، والبعض هنا قال ان تحويلات السلطة الوطنية، تمويل للانقلاب الحمساوي ولابد من وقف هذا التمويل، لكن الرئيس ابو مازن قرر الا يدفع اهلنا في غزة ثمن هذا الانقلاب، فأبقى على هذه التحويلات، لكن بلغ السيل الزبى كما يقال، وآن الاوان ان تتحمل حماس نتائج رفضها للوحدة الوطنية، واصرارها على تأبيد الانقسام البغيض، غير ان هذا لا يعني ولن يعني ان السلطة الوطنية ستتخلى عن مسؤولياتها تجاه اهلنا في القطاع المكلوم، لكن على حماس ان تعرف وان تدرك ان مهمة انهاء الانقسام البغيض وتحصين الوحدة الوطنية، هي من صلب مهمات الحركة الوطنية بقيادتها الشرعية، ولن تتخلى عن هذه المهمة، أيا كانت الصعوبات والعراقيل التي تواجهها، وستعمل على تحقيق اهدافها النبيلة حتى بجراحات عميقة، ولن ينفع سلطة الانقلاب الحمساوية ان تواصل خطاب الأكاذيب والافتراءات لإحباط هذه المهة، وحتى تفيء الى رشدها، الرشد الذي ما زال غائبا حتى اللحظة، لاخيارات عديدة امامها، فإما ان تتحمل كافة  مسؤوليات الحكم في غزة، مسؤوليات العقد الاجتماعي الذي يؤمن الخبز والكرامة والامن والامان سوية، وإلا فعليها مغادرة الحكم، لحكومة وحدة وطنية وانتخابات شاملة، وهذا هو الخيار الوحيد الامثل اذا ما ارادت لها مستقبلا في الحركة الوطنية الفلسطينية، وبكلمات اخرى واخيرة فإما التعقل الوطني بقيمه النضالية والاخلاقية الرفيعة،  وإما على حماس ان تحصد عواصف الريح التي تزرع .    

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017