مناضل و"مجنون"

نص: يامن نوباني
تقرير: معن ياسين

في شقة لا يُستدل عليها بيسر، في الطابق الرابع من بناية تضم 11 طابقاً، في طلعة الاتصالات بحي رفيديا في مدينة نابلس، يعيش أكبر نموذج تعرض لتحقيق قاسٍ في سجون الاحتلال الإسرائيلي، المناضل "المجنون" نادر العفوري.

ما أن دخلنا بيته، حتى  أخرج لنا على الفور كومة أوراق فيها صوره قبل السجن وهو شاب يتمتع بلياقة بدنية وقوة جسمانية كبيرة، حيث كان يشارك في بطولات محلية لكمال الأجسام، ويستعد للمشاركة خارج الوطن.

صور وقصاصات جرائد احتفظ بها المناضل العفوري، التقطت له أثناء "جنونه"، في السجن وفي مستشفى الأمراض العقلية في مخيم الدهيشة ببيت لحم، يعتبرها إرثا وهوية للحياة المتشابكة التي عاشها.

خلال فترات حبسه الثلاث والتي امتدت لعشر سنوات، استشهد العفوري أربع مرات، نعاه فيه أصدقاؤه والمواقع النضالية في الداخل والخارج، ثم خرج للجميع حيًا.

في 9 سبتمبر/ أيلول 1967، تعرض العفوري للاعتقال الأول، ليكون من أوائل الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، أمضاها في سجون: نابلس المركزي وطولكرم وصرفند والرملة، قبل أن يتحرر في 10- نوفمبر/ تشرين الثاني 1971، حيث استمرت مدة التحقيق معه 12 شهرا ونصف، تعرض خلالها لصنوف من التعذيب القاسي، خاصة الضرب والشبح، وأمضى فترة طويلة منها في مستشفيات الاحتلال.

في إحدى المرات، دخل مدير السجن واسمه "عرنوس" إلى الغرفة التي كان يجتمع فيها العفوري ورفاقه في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، يعدون لانتخابات داخلية، فابتلع العفوري 12 ورقة وأنكر ذلك، ما دفع عرنوس لتهديد الأسرى، وخاصة العفوري.

بلع قصاصات الورق المعروفة بـ"الكبسولة" أو الروشيتة، لصغر الخط الذي كتبت فيه وحجمها، رائج في السجون، ففيها كانت تكتب اللوائح والرسائل التنظيمية، ومعلومات سرية ورسائل شخصية جدا. ومن تلك القصاصات خرجت كتب تروي تجربة الأسرى الإبداعية، أفكارهم وألمهم. أصيب العفوري بإسهال حاد استمر طويلا نتيجة عملية البلع، محافظا على المبادئ مقابل تدهور صحته.

في سجن طولكرم، أصيب العفوري بهستيريا، نتيجة تعرضه للضرب الشديد، ما دفعه لتناول كوب الماء من أمام مدير السجن، وضربه على رأسه. لينقل بعدها إلى زنازين بيت ليد لعشرة أيام.

في نهاية العام 1968، أعلن العفوري إضرابا عن الطعام احتجاجا على اعتقاله دون تهمة (إداري)، وبعد 22 يوما على الإضراب تلقى وعودا بالإفراج عنه، إلا أن ذلك كان خديعة. خلال الإضراب تعرض لمحاولة التغذية القسرية ("الزوندا" كما يسميها السجان)، بإدخال أنبوب في أنفه وإطعامه بيضا نيئا وحليبا، وهي الطريقة التي أدت لاستشهاد عدد من الأسرى: عبد القادر أبو الفحم، استشهد في سجن عسقلان في تموز 1970، وراسم حلاوة وعلي الجعفري، في تموز 1980 في سجن نفحة. حيث يتم ربط الأسير المضرب عن الطعام بكرسي، أو يمسك به سجانون بالقوة، ويتم تثبيت رأسه لمنعه من التحرك، ثم يقوم شخص آخر بإدخال أنبوب بلاستيكي عن طريق الأنف حتى يصل إلى المعدة، ثم يضخ سائل لزج إلى المعدة.

لم يتوقف الاحتلال عند محاولات التغذية القسرية والضرب والشبح، بل تعداها إلى عمل هستيري إجرامي، حين قام المحقق بنزع "حلمات" صدر العفوري بواسطة كماشة! ليتبعها في سجن نابلس بفتح فم العفوري بمعلقتين كبيرتين، وقطعتين من الاسفنج ويخلع ضرسين سليمين من فم العفوري، دون مخدر.

في بدايات سبعينيات القرن الماضي، تعرض العفوري للاعتقال للمرة الثانية واستمر اعتقاله لعام واحد، ثم الاعتقال الثاني لمدة ثلاثة أعوام.

يقول العفوري: في الاعتقال الرابع والأخير، جرى نقلي إلى سجن الخليل، في اللحظات الأولى التي دخل بها المحقق قام بضربي بقسوة على رأسي، فبدأ فمي بإصدار حركة لا ارادية، رجة مع صوت في الفم. الحركة كانت مخيفة، استمرت معي لعامين ونصف، رغم كل المحاولات لوقفها أو حتى فهمها.

ويتابع: حدث ذلك في أيام البرد، فكانوا يدخلونني إلى الحمام ويفتحون على جسدي الماء البارد، وكنت أتبول على جسدي.

حين سألناه عن الطرق التي استخدمها الاحتلال من سجانين ومحققين وأطباء لاكتشاف سر حركة الفم اللاإرادية، قال العفوري: كانوا يطعمونني برازي ويسقونني بولي، ولم أكن قادراً على تحريك يديّ، لأن حركة الفم تبعها شلل في حركة اليدين، ما أفقدني الشعور بجميع حواسي.

وأضاف: عدة أساليب استخدمها السجان معي لمحاولة معرفة إن كنت فعلا أعاني من مرض نفسي أم أنه تمثيل، فيأتي المحقق بسيجارة مشتعلة ويطفئها بيدي، وفي إحدى المرات وضعوا سيجارة مشتعلة في فمي، فقضمتها وابتلعتها، فأتبعوها بثانية، وابتلعتها مشتعلة، ثم جاؤوا لي بكوب شاي ساخن جدا فشربته دفعة واحدة.

يقول العفوري أن ما ساعده على البقاء والصمود هو اعتراف المحققين ومدراء السجون التي تنقل فيها بأنه رجل قوي، حيث عجزوا عن إيقاف حركة فمه اللاإرادية، فبقي عامين ونصف دون أن ينطق بكلمة واحدة.

وأضاف: في سجن الخليل، أحضروا لي مدير مخابرات سجن نابلس الياس طعمة، الذي عاملني بعنف ووحشية، وكان يطلب من السجانين ضربي خلال تنقلي بين السجون. في أول مرة دخل فيها عليّ وكنت على كرسي مشلول اليدين، دفع الكرسي عن درج مسببا لي الكسور والجروح، وهو يصرخ: سأجعلك تنطق يا عفوري. ولكني لم أنطق.

في سجن الرملة، أدخلوا إليّ زوجتي أم نضال ووضعوا ابني نضال، الذي ولد وأنا في السجن وصار عمره عاما كاملا، مقابلي على الشبك بعد أن أجلسوني على كرسي وغطوني ببطانية، فبدأ نضال يتنطط على الشبك، ويرددون: هذا ابنك نضال. بينما كنت في حالة لا أعرف فيها نضال ولا أم نضال.

في الرملة أيضًا، وضع السجانون العفوري في قسم "المِعبار"، فقامت طبيبات بإبلاغ السجان اليهود الجنائيين: هذا مسؤول في الجبهة الشعبية وهو الذي قام بعملية مدرسة "معلوت" (ترشيحا) وقتل أبناءكم الأطفال، للتحريض على ضربه، فقام مستوطن يدعى "يوشع" بضربه بعنف على أنفه، فتطاير دمه وأصيب أنفه باعوجاج ما زال شاهدًا على الحادثة.

وقعت عملية معلوت (ترشيحا) في 15 مايو/ أيار 1974، ونفذتها الجبهة الديمقراطية (وحدة كمال ناصر) بهدف مبادلة أسرى فلسطينيين، وقتل فيها ما لا يقل عن 18 تلميذا إسرائيليا، واستشهد ثلاثة منفذين من الفدائيين (زياد وحربي ولينو).

يقول العفوري: في بير يعقوب في أراضي 1948، أدخلوني إلى ماكنة تشبه المقشطة لتصويري، لكنهم لم يستطيعوا وقف حركة الفم، طبيب بروفيسور وضع يديه في عيني وداعب البؤبؤ، لكنني لم أتحرك، فأعطوني تقريرا بأنني مريض نفسيا، لا أسمع ولا أرى ولا أتكلم ولا أتحرك. فقلت في نفسي: هذا أول انتصار.

"بشرف الثورة ونضالاتها، ست شهور بأكملها وأنا نائم على سرير أمام باب الإدارة وحركة الفم تعمل، وهم يراقبونني. كانت كلمات المحققين وخاصة: "عفوري جيفر" وتعني عفوري رجل قوي، تعطيني الدعم والاستمرارية. وكان يؤلمني إدخال المحققين لعدد من الأسرى قائلين لهم: إذا ما بتعترفوا بصير فيكم زي العفوري".

في 3 فبراير/ شباط 1980 وبعد أن ملّ الاحتلال من العفوري وجنونه، تم نقله بسيارة إسعاف إلى مستشفى الأمراض العقلية في الدهيشة، وضعوه على الباب وانسحبوا، ميزان المستشفى أظهر أن وزن العفوري هو 37 كيلوغراما ونصف، وكان مصابا بكسر في الفقرة السابعة من عموده الفقري نتيجة خلل قام به الأطباء، ما جعله يتحرك متكئاً على عكازين حتى اليوم، وخرج من هناك ليتحرر نهائيا في 11 أغسطس/ آب 1980، بعد أن طرأ تحسن على حالته الصحية.

العفوري من الزمن الذي كان فيه الاعتراف أمام المحقق، خيانة شخصية وحزبية وطنية، حتى أنه يكرر في حديثه: لا رجوع للوراء، الحكاية هي أن نكون أو لا نكون، نبقى أو لا نبقى.

ابراهيم الراعي القائد في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي أستشهد في عزل سجن "أيالون" – الرملة، في 11 أبريل/ نيسان 1988، كتب في نادر العفوري أغنية:

يما لا ولا ولا.. ونادر عفوري رمز النضالا

وفي سجن الخليل زرعنا الجوري.. وردتنا الحمرا نادر عفوري

لعيونك نادر جبهتنا ثوري.. وهيك اتعلمنا نخلّي الأبطالا

وزيدي يا جبهة بأبطالك زيدي.. والله عن دربك ما نحيدي

غسان كنفاني كتب القصدية ونادر بصموده غنّى الموالا

بكماشة حديد خلعوا حلماته.. بكيّ السجاير حرقوا لحامته

مهما الصهاينة شلوا حركاته، نادر بصموده فجر بركانا

 

ha

التعليقات

الأقصى أولاً

كتب: رئيس تحرير "الحياة الجديدة"

في مثل هذه اللحضات المصيرية التي نعيش اليوم، وأقصانا يتعرض لخطر التقسيم الداهم، لا ينبغي لأي انشغال وطني أن يكون بعيدا عن نصرة الأقصى، وقد آن الأوان لأجل هذا الموقف الوطني الحاسم، أن نشهد نهاية عاجلة للانقسام البغيض، وفي هذا الإطار، لا تجوز في اللحظة الراهنة، الاستعراضات الشعبوية التي تنادي بإنهاء الانقسام بتعميمات مطلقة، لا تحمل أصحاب الانقسام الحمساويين المسؤولية عن استمراره، ولا تقول حتى الآن إن الانقلاب الحمساوي هو من جاء بهذه الجائحة الكريهة، ويعرف القاصي والداني أن الشرعية الوطنية، وحركة "فتح" حامية الشرعية والمشروع الوطني، لم تقف يوماً ومنذ أن اقترفت حركة حماس خطيئتها الوطنية الكبرى، بالانقلاب الدموي العنيف، ولن تقف، في وجه أية مبادرة مخلصة لطي صفحة الانقلاب المعيبة، وإنهاء الانقسام البغيض، وإعادة اللحمة للوحدة الوطنية، أرضاً وشعباً وفصائل، في إطار منظمة التحرير الفلسطينية. وقد تحملت "فتح" على نحو محدد، في سنوات الحوار الطويلة لتحقيق المصالحة الوطنية، الكثير من سوء التقدير، ولغط التقييم، وميوعة وانتهازية المواقف لبعض فصائل العمل الوطني، والتلاعب بالكلمات والشعارات، والكثير من الاتهامات الباطلة، وأكثر منها تطاول الناطقين الحمساويين الصغار، على قادتها وكوادرها وتاريخها النضالي بشهدائه العظام، وهو التاريخ الذي أوجد لحماس حضورها في النظام السياسي الفلسطيني.

تحملت فتح وما زالت تتحمل الكثير في سبيل إنهاء الانقسام، ورفع المعاناة عن أبناء شعبنا في قطاع غزة، الذي يتضور منذ عشر سنوات وحتى اللحظة، جراء سياسات حماس التعسفية والقمعية، وتمسكها المحموم بكرسي الحكم، الذي تتوهم أنه يمكن أن يصبح كرسي الإمارة التي تريدها جماعة الإخوان المسلمين، قاعدة لإعادة الحياة لمشروعها العدمي، رغم أنه بات في ذمة التاريخ. 
وفي السياق، قالت "فتح" وما زالت تقول: ليس الصراع بينها وحماس، وإنما هو صراع المشروع الوطني التحرري، ضد مشروع جماعة الاخوان اللاوطني، ولقد قدمت "فتح" كل ما من شأنه أن ينهي الانقسام، في سعيها الديمقراطي طوال سنوات الحوار الوطني، بل وأنجزت اتفاق المصالحة في القاهرة الذي وقع عام 2012، وهناك إعلان الدوحة، وإعلان الشاطئ، وقبل كل ذلك كان هناك اتفاق مكة، الذي أنجز قرب أستار الكعبة المشرفة، وبالقسم عندها، لكنه الذي داسته حماس سريعاً بأقدام ميليشياتها وهي تمضي بلا أي تعقل وطني، نحو تحقيق انقلابها على الشرعية، والاستحواذ على سلطة لا هم لها غير دوامها واستفرادها بالحكم..!!
وقالت "فتح" وما زالت تقول: من يريد إنهاء الانقسام، عليه أن يضع النقاط فوق حروفها، وأن يسمي الاشياء بأسمائها، وأن يحمل المسؤولية لمن ظل وما زال يناور ويتلاعب بالكلمات والشعارات، ويتهرب من استحقاقات المصالحة، والذي عطل وما زال يعطل عمل حكومة الوفاق الوطني، والذي أنشأ حكومة بديلة أطلق عليها اسم اللجنة الإدارية، إنها حركة حماس من لا يريد إنهاء الانقسام، حتى بعد أن بات طريق الإنهاء واضحا لا لبس فيه؛ تشكيل حكومة وحدة وطنية، والذهاب إلى انتخابات تشريعية ورئاسية. أما الذين ما زالوا يحملون "فتح" مسؤولية الانقسام بالتساوي مع "حماس" (..!!)، فإنهم بالقطع لا يريدون لهذا الانقسام البغيض أن ينتهي، طالما سيظل سوقاً لتجارتهم السوداء، ومربعاً لعنترياتهم الفارغة، ومنصة لخطبهم التي لا تسمن ولا تغني من جوع!
لا بد من قول كلمة الحق، أما الاستعراضات الشعبوية التي تخرجها "حماس" بين الفينة والأخرى بشعارات وهتافات تغالط أبسط الحقائق، والأقصى يعاني ما يعاني، فإنها لن تجد مخرجاً من أزمتها الراهنة، ولن تساهم في ذلك في الدفاع عن الأقصى ولا بأي حال من الأحوال، وغير ذلك لن يصدقها أحد، إنها أخيراً تريد أن تتحمل جزءاً من المسؤولية عن الانقسام، طالما أن "فتح" تتحمل الجزء الآخر..!!
مرة أخرى، لا سبيل سوى قول كلمة الحق، وفي قول هذه الكلمة لا يخشى الشجعان الوطنيون لومة لائم، وغزة تستحق هذه الكلمة وأكثر من ذلك، لا بد من إنهاء الانقسام حتى بالجراحات العميقة، التي لا تسعى لغير أن تخرج أهلنا في القطاع المكلوم من محنتهم وعذاباتهم اليومية. واليوم، بل الآن، لا بد من إنهاء الانقسام لتشكل الوحدة الوطنية الحقيقية حصنا منيعا لأقصانا المقدس ليحميه من مخاطر التقسيم والتهويد والأسرلة.
تعالوا إلى هذه الكلمة. تعالوا إلى حكومة الوحدة الوطنية وإلى الانتخابات التشريعية والرئاسية، وليست في هذا الأمر أية ألغاز يصعب فهمها، وليست في طريق هذا الأمر أية عراقيل، سوى عراقيل الوهم الإخواني وشهوات الحكم القبيحة، الوهم والشهوات التي لا مستقبل لها في بلادنا ولا بأي صورة من الصور، ولنا اليوم أمام حصار الأقصى انشغال عظيم لنصرته وفك الحصار الاحتلالي من حوله، نؤمن أن هذا الانشغال سيكون أكثر فاعلية مع الوحدة الوطنية الخالية من كل انقلاب وانقسام.

 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017