ايام ترامب الأولى ..«الحقائق المغلوطة»... أيمن الصياد

ماذا يجري في الولايات المتحدة الأميركية التي كانت قد اختارت تمثال «الحرية» الذي يصل ارتفاعه إلى مترا ليكون أول ما يراه القادم إليها من «العالم القديم» عبر الأطلسي، والتي نعرف جميعا أنها لم تصنع قيمتها وقوتها إلا نتيجة لما يقدمه «التنوع» من ثراء، «والحرية» من حماية؟ 
في الصحافة «الكاشفة» 
كيف نجح «الترامبيون» هنا وهناك في ترويج «الحقائق المغلوطة» التي أشار إليها جورج أورويل في روايته؟ «alternative facts» مصطلح شهير يعرفه كل من قرأ رواية جورج أورويل الشهيرة «» التي تتحدث عن ديماجوجية النظم الشمولية، وأساليبها في السيطرة على أدمغة الجماهير.
قبل أيام، ومع الأيام الأولى لحكم الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، علمنا من إحصاءات موقع amazon.com أن مبيعات رواية أورويل تلك زادت بشكل غير مسبوق بعد أن استخدمت مستشارة ترامب Kellyanne Conway مصطلحات اشتهرت بها الرواية لتبرير «الحقائق المغلوطة» التي ترد في بيانات البيت الأبيض.
إلى أين تتجه الولايات المتحدة الأميركية تحت حكم ترامب؟ أو بالأحرى، إلى أين يذهب ترامب بالولايات المتحدة، وبالعالم كله.. وبالحضارة الإنسانية «العولمية» الحديثة القائمة على التنوع؟ 
ربما لا يعرف ترامب ماذا تعني اليوجينيا Eugenics، ولا أظنه قرأ جالتون (فمثله لا يقرأ أصلا). ولكنه في كل مواقفه من الآخر، أو المهاجرين، أو المرأة، يبدو وفيا لتلك الأفكار المدمرة التي قادت عنصريا كهتلر يوما ما إلى الاقتراب من تدمير العالم.
صحيحٌ أن لليوجينيا مدارسها العلمية، وأصولها الفلسفية وأطروحاتها البيولوجية، ولكن من الثابت تاريخيا أن خروجها من المعامل وقاعات البحث الأكاديمي وتحولها إلى حركة فكرية لها تطبيقاتها الاجتماعية، وتأثيراتها السياسية المباشرة، كان خطيرا. سواء في الأفكار التمييزية «بيولوجيا» التي وجدت لها مكانا في الفكر والسياسات الأميركية في نهاية القرن التاسع عشر، أو عندما تلقفها هتلر ليعطي مذاقا «علميا» لجنونه المدمر في تلك الأيام الكئيبة من القرن العشرين. 
مهما كان منطق اليوجينيين، فدرس التاريخ يقول إن التمييز بين البشر، أيا ما كان أساسه، لم يأت لنا أبدا بعالم أكثر أمنا، أو حتى أكثر رفاهية وتقدما. بل، على العكس قرأنا في درس التاريخ أن معظم الإمبراطوريات القوية بداية من الدولة الإسلامية الأولى وحتى الإمبراطورية الأميركية «العولمية» الحديثة، كان عمادها التنوع (بغض النظر عن انتكاسات المستبدين). كما قرأنا في التاريخ أن أفكارا «عنصرية» تؤمن بتفوق جنس على غيره من أجناس البشر ــ مثلما آمن هتلر ــ قادت العالم إلى حرب عالمية تجاوز عدد ضحاياها الستين مليونا (أكرر: ستين مليونا). 
تقول «الحقائق المغلوطة» alternative facts التي يروجها المدافعون عن الرئيس الأميركي إن قراراته «ليست تمييزية»، وأنها لا تستهدف المسلمين (!).
ولمن لا يعرف معنى التمييز (على أساس الدين) أن يعود إلى تفاصيل قرارات ترامب التي تمنع اللاجئين  (عدا المسيحيين). كلنا سمعنا الرجل إبان حملته الانتخابية يتحدث صراحة عن نيته «منع المسلمين» من دخول أميركا، كما لم يعد سرا أن ترامب طلب من مستشاره رودي جولياني أن يبحث عن طريقة قانونية لمنع المسلمين (هكذا على إطلاقهم) من دخول الولايات المتحدة الأميركية.  ولمن لا يعرف معنى التمييز (على أساس العرق أو الهوية) أن يعود إلى قراره بمنع «جميع» رعايا الدول السبع التي شملها القرار (أكرر: «جميع رعايا») لا الإرهابيين، أو المتطرفين منهم. ولا حتى أولئك الذين تحوم حولهم «شبهات» مجرد شبهات أمنية. معنى ذلك أن القرار كان يمكن أن يشمل (على سبيل المثال لا الحصر)، اسما مثل الراحلة «زها حديد»» أحد أشهر الأسماء في العالم كله في الهندسة المعمارية، لمجرد كونها «عراقية». كما يمكن أن يشمل اسما مثل محمد إبراهيم Mo Ibrahim ملياردير صناعة الاتصالات، وصاحب الجائزة الأشهر في مجال الحكم الرشيد، لا لشيء إلا لأنه من مواليد حلفا السودانية. ليس ذلك فقط، فقرارات ترامب «التمييزية» تلك قد تمنع واحدة مثل المطربة الإيرانية السبعينية الشهيرة كوكوش Googoosh التي رأيتها على Euronews تتحدث عن كيف أنها على الرغم من حملها للبطاقة الخضراء ربما لن تستطيع العودة إلى منزلها بأميركا، كما أنها بالطبع لا تستطيع العودة إلى وطنها الأصلي إيران الذي تركته قبل سنوات طويلة هربا بفنها من التطرف الديني للنظام الإيراني الحاكم. ها قد جاء اليوم الذي تقف فيه «الفنانة» التي تخشى الاضطهاد في المربع نفسه مع المتطرفين الإسلاميين في عرف ترامب وأنصاره. لماذا؟ لأن العنصريين لا يعرفون المنطق. ويضعون كل من عداهم (أكرر: «كل من عداهم») في خانة واحدة. هكذا فعل النازي حين كان يُؤْمِن بتفوق الجنس الآري. وهكذا يفعل الصهاينة، عندما يعتقدون بأنهم «شعب الله المختار».
لا يعرف ترامب أن قراراته التمييزية تلك تحرم الانتلجنسيا الأميركية من كثير من رموزها، كما تحرم صناعة المعلوماتية الأميركية من كثير من كوادرها والعاملين فيها. كما لعله لا يعلم أن قراراته تلك لو كانت مطبقة منذ عقود ما عرفت أميركا أو العالم عبقريا مثل «ستيف جوبز» المولود لسوري من حمص اسمه عبد الفتاح جندلي كان قد جاء إلى الولايات المتحدة دارسا في خمسينيات القرن الماضي. كما لم يطلع طبعا الرجل الذي لم ينشغل يوما إلا بمطاردة ملكات الجمال، والتهرب من الضرائب على قائمة الأميركيين الحاصلين على نوبل فى العلوم وغيرها ليعرف كم منهم من المهاجرين، ومن أصول غير أميركية. 
قد يكون صحيحا أن هناك مسلمين متطرفين وإرهابيين. وهو صحيح بالقطع ولا شك فيه.
ولكن صحيحٌ أيضا أنه من قبيل التمييز العنصري، فضلا عنه أنه من قبيل الحمق والجنون «والحقائق المغلوطة» أن نعتبر أن «كل» المسلمين إرهابيون، أو أن كل مسلم مشروع محتمل لإرهابي، فقط لكونه نطق بالشهادتين، أو لأن جواز سفره يشير في خانة الديانة إلى أنه مسلم.
قد يكون صحيحا أن هناك مسلمين متطرفين وإرهابيين. وهو صحيح بالقطع ولا شك فيه. ولكن صحيح أيضا أن المسلمين من رعايا تلك الدول الإسلامية السبع ليسوا «بالمطلق» متطرفين أو إرهابيين، لمجرد كونهم يحملون جوازات سفر لهذه الدولة أو تلك. أو لمجرد أنهم ولدوا في هذه البلدة أو تلك. بل على العكس، فأغلبيتهم الساحقة كانوا ضحايا لدموية أولئك الإرهابيين، بالضبط كما هم ضحايا لوحشية حكوماتهم.  
بل، وصحيحٌ أيضا (وفاقع الدلالة) أن أيا من رعايا الدول السبع الذي شمل قرار ترامب (كل) رعاياها لم توكل إلى أي من مهاجريها أبدا مسؤولية أي عملية إرهابية أسفرت عن وقوع ضحايا في الولايات المتحدة الأميركية. بل كلنا نعرف أن الذين قاموا بباكورة تلك العمليات في الحادي عشر من سبتمبر كانوا من جنسيات أخرى. 
حتى لا تخدعنا «الحقائق المغلوطة»، هذه هي «الأسئلة» .. فهل هناك «إجابات أخرى»؟! 
والخلاصة، لكي نضع الأمر «منطقيا» في إطاره الصحيح، يلزم أن نجيب «بموضوعية» عن أسئلة، كان ينبغي ألا تحتاج «لبدهيتها» إلى إجابة: 
ــ هل هناك تطرف، وإرهاب يرفع رايات إسلامية، صائحا «الله أكبر»؟ الإجابة قاطعة: نعم، وفي ذلك، وفي أسبابه تفصيل لطالما أسهبنا في الكتابة عنه. 
ــ هل يعني ذلك أن كل من اتخذ الإسلام دينا أو نطق بالشهادتين إرهابي؟ لا أظن السؤال بحاجة إلى إجابة. وإن كنا في عالم «الحقائق المغلوطة» بحاجة إلى أن نضع الإجابة «البدهية»، إلى جانب ما تعنيه قرارات الرئيس الأميركي.. لنحكم. بل وربما علينا، على العكس أن نعرف أنه وإن كان هناك إرهابيون مسلمون، إلا أن المسلمين أيضا كانوا ضحايا لتزايد جرائم الكراهية التي استهدفتهم (راجع تقرير الـ F.B.I. عن الموضوع). كما كانوا ضحايا للهجمات التي تزايدت تزايدا ملحوظا مع حملة ترامب الانتخابية (حسب تقرير موثق لجامعة جورج تاون).
ــ هل صحيحٌ ما شاع، أو يحاول البعض؛ هناك وهنا (لأسباب معروفة) أن يشيعه، أن لا تطرف أو إرهاب إلا وكان إسلاميا؟ الإجابة قاطعة: لا. ولعل عملية إطلاق النار على المصلين في المسجد الكندي انتشاء بقرارات ترامب وبعد ساعات من إعلانها دليل أخير (وليس وحيدا) على ذلك. فالقاتل عنصري يتباهى بإعجابه بترامب ومارين لوبان ونتنياهو، ولا علاقة له البتة بالإسلام. بل ولعله لا يعرف عنه غير ما سمع من أولئك العنصريين (بالمناسبة، لم أحب أن أصف القاتل بديانته أو بجنسيته أو لونه، لأن كل ذلك، ببساطة لا علاقة له بجريمته). في نظر ترامب، فإن العنصري المتطرف الذي قتل المصلين في المسجد ليس إرهابيا، وأن محاولة تجنب مثل تلك العمليات «العنصرية الدامية» لا يستحق الاهتمام. إذ كشف تقرير صادم لوكالة رويترز أن الرئيس الأميركي الجديد طلب من إدارته تغيير «البرنامج الحكومي لمواجهة العنف الأيديولوجي» بكل أشكاله، ليقتصر فقط على المتطرفين «المسلمين». 
ــ هل الإسلام، بالتعريف دين عنف ودماء، «لا دين سلام» كما قال ستيف بانون (ترامب اختاره مستشارا لرسم سياساته الاستراتيجية) منتقدا ما اعتبره دفاعا من باراك أوباما عن الإسلام والمسلمين؟ ربما كان على «استراتيجيي ترامب» أن يقرأوا قل

kh

التعليقات

القدس

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
لا مكانة كمثل مكانتها، وقد تقدس مكانها وتبارك من فوق سبع سموات، ولا عنوان لأي نص ولأي حديث عنها،غير اسمها الذي لايضاهيه اسم او نعت أوكناية، ولا عنوان لها غير فلسطين في التاريخ والجغرافيا، في الماضي والحاضر والمستقبل، ولا أحد يعرف القدس كما يعرفها الفلسطينيون: اكثر من مدينة، وابلغ من عاصمة، وأرحب من مكان،درج للصلاة بقوام الروح والمعنى، باحة للسكينة، ورسالة سماوية للمحبة والسلام، وهم حاملو هذه الرسالة، منذ ان سار سيد المحبة "عيسى" عليه السلام حاملا صليبه في دروبها، وبعد ان عرج من فوق  صخرة لها، نبي مكارم الاخلاق "محمد" عليه الصلاة والسلام الى السموات العلى في الرحلة المعجزة.

هي أم بلادنا الرؤوم، لها حنو القداسة، وحب العدل والحق والجمال، هي جوهرة روحنا، وبلاغ وجودنا، وسبب هذا الوجود ودلالته، هي ما نراه من مستقبلنا وما نريده من هذا المستقبل بحريتها وسيادة السلام في علم فلسطين الدولة يرفرف من فوق ماذنها وابراج كنائسها واسوارها حامية التاريخ والمبنى.

هكذا نعرف القدس، وهكذا تعرفنا، وهكذا نحمل القدس وهكذا تحملنا، وهذا ما لايعرفه المحتلون ولا يدركونه لا من قريب ولا من بعيد، لجهل في علم الوجود و علم الانسان , لجهل في الكيمياء والفيزياء الفلسطينية، لجهل في الروح الانسانية ومعنى الرسالات السماوية، ولجهل مدقع بضرورة الحرية وقد باتت وعيا وسلوكا وارادة عند طلابها الفلسطينيين.

ما يفعله الاحتلال اليوم في القدس، قد فعله غزاة كثر في المدينة المقدسة، وانتهوا الى ما ينتهي اليه الغزاة، حيث لعنة الله والناس اجمعين.

لا نبيع كلاما هنا، ولا ندبج شعارات ولا خطابات، بل نحن قراء تاريخ منتبهون، والاهم نحن اصحاب الارادة الحرة، واصحاب القرار المستقل، السائرون في طريق الحرية والاستقلال، مهما كانت التضحيات وايا كانت الصعوبات، لنصل الى المنتهى الحق والعدل، حيث السيادة الفلسطينية على ارضها، وحيث السلام فيها وبها وكما تريد رسالة القدس وكما يقول معناها السماوي والارضي معا.

ما يفعله المحتلون اليوم في القدس، لن يكون في التاريخ غدا سوى عبث عابر، وسنقول للمحتلين اليوم ما قاله محمود درويش " ايها المارون بين الكلمات العابرة / احملوا اسماءكم وانصرفوا / واسحبوا ساعاتكم من وقتنا وانصرفوا / وخذوا ما شئتم من زرقة البحر ومن رمل الذاكرة / وخذوا ما شئتم من صور، كي تعرفوا / انكم لن تعرفوا / كيف يبني حجر من ارضنا سقف السماء / منكم السيف ومنا دمنا / منكم الفلاذ والنار / ومنا لحمنا / ومنكم قنبلة الغاز / ومنا المطر / وعينا ما عليكم من سماء وهواء / فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا / وعلينا نحن ان نحرس ورد الشهداء / وعيلنا نحن ان نحيا كما نحن نشاء ".

هذا نحن شعب فلسطين، وهذا هو قرارنا، هذه هي ارادتنا، والقدس لنا، مهما تطاول المحتلون على التاريخ والطبيعة والجغرافيا، فهم لن يكونوا سوى اؤلئك المارين بين الكلمات العابرة، كلما ظلوا يناهضون السلام ويقتلون فرصه واحدة تلو الاخرى. 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017