علاء الدين بني عودة: 8 رصاصات وقالب حلوى!

 ما زالت ضحكة علاء الدين ماجد بني عودة، حاضرة في منزل عائلته ببلدة طمون، ولم تستطع السنوات الأربع والعشرون طيها، فالفتى صاحب الشعر الذهبي، والضحكة الدائمة، والقامة الطويلة، وصانع الألعاب الشعبية يسكن أدق تفاصيل أسرته الممتدة، ولا يفارقها الزي الأخير: القميص الرمادي، والبنطال الأسود، وحذاء (فورزا).

يحتضن شقيقه الخمسيني بشار صورته بإطار ذهبي وخلفية حمراء، ليروي: حين نشاهد علاء نتذكر، كيف سافر بمفرده لزيارة خالنا رشدي الصدوق في طولكرم، دون أن يخبر أحدا، وأول ما وصل، توجه لاستوديو والتقط أول صورة شخصية له، وأعطى نسخًا منها لخالي، وأحضر مجموعة منها لأمي، وقال: إذا استشهدت، هذه صوري. فطلبت منه أن يتحدث بشيء آخر.

صانع ألعاب

أبصر بني عودة النور في تشرين الثاني 1978، وحرص في طفولته المبكرة على صناعة ألعابه بنفسه، فصمم سيارة من قضبان الحديد، وبقايا علب المشروبات الغازية، ودخل هوى الألعاب الشعبية إلى قلبه، وبالرغم من صغر سنه، كان يحل الخلافات بين أبناء جيله، ولا ينحاز لأحد حتى لأبناء أخته، الذين يأتون لقضاء إجازة الصيف من الأردن.

يسترد بشار خلال الحلقة (40)، من سلسلة (كواكب لا تغيب)، التي تنفذها وزارة الإعلام في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، وتنشر بالتعاون مع وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا) سيرة اليوم السابق لاستشهاد أخيه: في السابع من شباط 1993 استشهد الفتى مثقال دراغمة من مدرسة طوباس الثانوية، فقرر تلاميذ طمون التضامن مع زميلهم بمسيرة غضب، ووقف علاء الدين على رأسها، وحين شاهد معلمه خليل أسعد، قال له: أراك اليوم تطير مثل القطن الأبيض، خفف قليلا.

يتابع: استعد أخي للمسيرة، وعاد للاستحمام، فسخّن الماء، ووضع البقية منه في قربة وضعها بجانب والدي المريض ليساعده على الخلاص من البرد، وقلّم له أظافره، وطلبت منه أختي ديما  (تكبره بسنتين) أن يذهب إلى بيت أختي وجدان في الحي الشرقي؛ لتصنع لها كعكة عيد ميلادها، فرد عليها، سأذهب، وسألها: إذا صعدت إلى السماء، ماذا سيحدث لحصتي من قالب الكيك؟

تصفية ومستعربون

ووفق بني عودة، فقد استجاب الفتى لطلب الأخت، وطرق بابها، وطلب منها أن تبدأ بصناعة الحلوى، وأخبرها أنه سيصلي الظهر في المسجد القديم، ثم يعود لأخذها، ولكن وحدات المستعربين اقتحموا البلدة لاعتقال المطارد محمد نوري بني عودة، واختار أحد أفرادها إطلاق النار من مسافة لا تتجاوز عشرة أمتار على علاء الدين، فاستقرت 8 رصاصات في فك علاء، فسقط أرضا ليأتي المستعرب نفسه، ويضع رجله على رقبة الجريح، ويمنع الأهالي والأمهات من الوصول، إلى أن حضر إسعاف جيش الاحتلال واحتجز علاء، والشاب عماد غريب، الذي استشهد في الساعة ذاتها، وذهبوا بجثمانيهما إلى التشريح في معهد (أبو كبير).

واللافت أن الأخت وجدان والعائلة احتفظت بالكعكة نفسها مدة طويلة إلى أن "عفنت" بالكامل، وصارت اليوم تفرض حظرًا على إعداد الحلوى، التي تفتح جراحها.

يتابع: في صباح اليوم نفسه، وقبل أن أخرج إلى العمل مدرسًا في طوباس، طلب مصروفه اليومي، فأعطيته. لكنه قال: "الدنيا مفارقة، وفيها حي وميت، زيد المصروف شوية اليوم"، ففعلت. وأكملت الطريق لتأدية امتحان الـتأهيل التربوي في جامعة النجاح بنابلس، وحين وصلت، لم أستطع كتابة أي شيء، وأخبرت المحاضرة أن صورة أخي لا تفارق الورقة، وأعجز عن كتابة أي جملة، فوافقت على تأجيل الامتحان.

خرج بني عودة من جامعته، ولم يكن يعرف شيئا عن أخيه، وصادفه السائق أحمد عبد الرازق، فانطلق بالحافلة رغم حاجته إلى راكبين، وأخفى عليه استشهاد علاء. وحين وصل البلدة تقابل مع صديقي وجدي بشارات، فأنزله بسرعة، وأخبره بما حدث، وذهبا لإبلاغ أمه، التي ذاقت حسرة استشهاد شقيقها محمود عبد الرحيم الصدوق عام 1967.

يقول: لا اعرف كيف وصلت نابلس لإخبار عمي، وحين عدنا طلبنا ضابط "الإدارة المدنية" الإسرائيلي المسؤول عن المنطقة، واسمه (أبو يوسف)، فادعى أن المستعربين وحدات انتقام، ولا أحد يستطيع ضبطها، وأخبرنا بأن جثامين الشهيدين ستسلم في وقت متأخر بعد انتهاء التشريح، وطلب أن نلتزم بعدد قليل من المشيعين.

يزيد: ذهبنا إلى شرطة جنين، واستلمنا الجثمانين، ولا أنسى مشهد الأكياس السوداء التي وضعت عليهما، ووجدنا معهم ستة آخرين استشهدوا في الفترة نفسها. وانطلقنا في وقت متأخر إلى أن وصلنا في الواحدة بعد منتصف الليل، واستمر التشييع حتى الرابعة فجرًا، وكانت المسيرة حاشدة ومن مناطق عديدة، بالرغم من البرد الشديد والطرق الموحلة.

أحلام مهندس

كان علاء الدين في الصف الثاني الإعدادي (الثامن اليوم)، وبرع بين أقرانه، وحلم بدراسة الهندسة الإلكترونية، ولفت نظر مدرسيه لإبداعاته، فقد نفذ بمفرده وسيلة تعليمية لعناصر الكيمياء والجدول الدوري، كانت تشعل ضوءا فوق العنصر المراد التعريف به. وحرص على تدوين مذكراته، وحفظ 8 أجزاء من القرآن الكريم، فيما تأثر بالرغم من سنه الصغير بجرائم الصرب في البوسنة، وداوم على الصلاة في المسجد، وكان يفكك أجهزة الراديو التالفة، ويستفيد مما فيها.

ويحمل علاء الترتيب قبل الأخير في عائلته، وتسبقه حنان، وردينة، ووجدان، وبشار، وبشير، ومحيي الدين، وصلاح الدين، وخير الدين، وديما، وتصغره أسماء، فيما أعادت العائلة إطلاق علاء من جديد، هو اليوم في صفه السابع.

أحب بني عودة الكلاج، والرز بالحليب (البحتة) كثيرا، وحرصت الأم نعمات الصدوق على توزيع أطباق الحلوى في ذكرى استشهاده، وداومت على هذا التقليد حتى رحيلها عام 2011، فيما غاب الوالد عن الدنيا  بعد خمس سنوات من استشهاد علاء.

توثيق وذاكرة

بدوره، أشار منسق الوزارة عبد الباسط خلف إلى أن "كواكب لا تغيب" أعادت خلال أربع سنوات كتابة القصص الإنسانية غالبية شهداء انتفاضة الحجارة في المحافظة، بجوار شهداء حزيران 1967، وما تبع سنوات النكسة الأولى.

وأضاف أن المرحلة التي ستلي إكمال فترتي النكسة وانتفاضة الحجارة، ستعود لجمع حكايات شفوية عن شهداء الحرية الذين سقطوا عشية نكبة عام 1948، وستنتقل لاحقًا لتتبع شهداء انتفاضة 2000.

ha

التعليقات

سلاما أيها الزعيم

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

قدم الفلسطينيون كعادتهم لحظة المواجهة والتحدي، ومنذ الاعلان القبيح للرئيس الأميركي ترامب، قدموا وسيقدمون الدم الطاهر دوما (ستة شهداء ومئات الجرحى حتى الآن) دفاعا لا عن المقدسات الاسلامية والمسيحية، في عاصمتهم القدس المحتلة فحسب، وانما ايضا دفاعا عن كرامة الأمة العربية وعزتها، التي أراد الرئيس الأميركي بتوقيعه الاستعراضي المتغطرس على اعلانه القبيح، ان يطعنها في صميم مشاعرها وقيمها المقدسة.    

 وفي الوقت ذاته قدم رئيسهم رئيس دولة فلسطين، الزعيم أبو مازن في القمة الاسلامية الطارئة التي عقدت في اسطنبول الأربعاء الماضي، قدم كلمة الفصل للعالم أجمع، كلمة الدم الفلسطيني الطاهر ذاته، في خطاب تاريخي عز ويعز نظيره في خطب السياسة العربية والاسلامية والدولية، الخطاب الذي تجلت فيه وبصوت الحق والحقيقة، الطبيعة النضالية الفلسطينية، بسلامة رؤيتها، وصلابة موقفها، وعلى نحو لا يقبل أي تأويل مخاتل، وبقدر ما كان الخطاب خطاب الحسم والتحدي في مواقفه وقراراته، بقدر ما كان خطابا للمقاومة، بكل ما في هذه الكلمة من معنى: فاذا كان وعد بلفور المشؤوم قد مر، فإن وعد ترامب لن يمر أبدا".

لا بل ان حقيقة الخطاب التاريخي للرئيس أبو مازن أبعد من ذلك، انه خطاب المواجهة الأشمل، وقد أخرج الولايات المتحدة من دور الراعي والوسيط في العملية السياسية، بكلمة (لا) كبيرة وواضحة وحاسمة، لا لهذا الدور بعد الآن، وقد ثبت خواؤه من كل نزاهة وموضوعية، وهي الكلمة التي ما زال البعض لا يجرؤ التقرب منها حتى في أحلامه..!! وليس هذه الكلمة فحسب، وانما كذلك كلمة واقع الحال الذي على الأمة العربية والاسلامية، مجابهته قبل فوات الأوان، بواقعية الرؤية النضالية وبرامج عملها، لتحرر ما هو محتل من أراضيها، ولتحقق الهزيمة الشاملة للارهاب، وتعيد الأمن والاستقرار لبلدانها، وتؤمن مستقبل الحرية والكرامة لشعوبها، وتقيم السلام العادل في هذه المنطقة.

انه خطاب المسألة العربية في متطلباتها السيادية، وخطاب المسؤولية الدولية في رؤيتها الانسانية وتطلعاتها النبيلة، وبالطبع وقبل ذلك انه خطاب الذات الفلسطينية، التي لا تخشى تهديدا، ولا تنحني لغطرسة العنصرية وعدوانيتها، وسبق للزعيم الخالد ياسر عرفات ان صاح "شهيدا شهيدا شهيدا"، وما من صيحة في خطاب الرئيس أبو مازن غير هذه الصيحة الآن، لطالما القدس تظل أبدا اساس المشروع الوطني درة التاج لدولة فلسطين عاصمة وحاضرة للعدل والحق والجمال، بما يعني ان تضحياتنا في سبيل حرية العاصمة لا حدود لها ولا تراجع عنها ولا مساومة عليها.

نعم انها صيحة التحدي، بروح الواثق من حتمية النصر، ولا صيحة بعد هذه الصيحة، التي لا تقبل أية مزايدات، ولا ترضى بغير وحدة الكلمة الفلسطينية، كلمة الشرعية في اطار وحدتها الوطنية التي لا عافية لها دون اتمام المصالحة الوطنية على أكمل وجه حيث السلطة الواحدة، والقانون الواحد، وسلاح الحرب والسلم بقراره المركزي الواحد الموحد.

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017