مذبحة كفر قاسم في ستة عشر عملا فنيا لسامية حلبي

يامن نوباني

في 29 تشرين الأول 1956، حرس الحدود الاسرائيلي يطلق النار على الفلسطينيين العائدين إلى منازلهم في قرية كفر قاسم، فيقتل 49 معظمهم من الرعاة، والمزارعين، ويصيب 31 في 11 موجة قتل، توزعت في أنحاء القرية.

43 شهيدا ارتقوا على الطرف الغربي للقرية، بينما ارتقى ثلاثة شهداء على الطرف الشمالي، وفي داخل القرية ارتقى شهيدان، هكذا توزع شهداء المجزرة الـ49  (نصفهم من النساء والأطفال) على أطراف، وفي داخل كفر قاسم، والتي ستصبح لاحقا "مدينة الشهداء"، وستنمو ليتجاوز سكانها الـ25 ألفا.

في نهاية الخمسينات، تمّ تقديم بعض المسؤولين عن المذبحة، وتمّت تبرئتهم جميعا إلا واحد يدعى "شدمي"، فقد غُرّم بقرش واحد فقط، لمشاركته في المجزرة.

 ولأن المذبحة لم تنتهِ بعد، ولكي لا تُنسى تفاصيلها، التي وقعت قبل 60 عاما، ولأنها أيضا ابنة هذا اللجوء الطويل، وابنة النكبة المستمرة، عملت الفنانة الفلسطينية العالمية سامية حلبي، المولودة في القدس سنة 1936، وتشردت عام 1948 مع عائلتها إلى لبنان قبل أن تستقر في الولايات المتحدة الأميركية في العام 1951، على توثيق المذبحة بستة عشر عملا فنيا.

18 عاما (منذ 1999 وحتى 2017) استغرقتها الحلبي في اتمام مشروعها التوثيقي، واعتمدت في المجموعة نمط السرد، والذي استخدم سابقا من قبل إميل حبيبي، في كتابه: "في الذكرى العشرين لمجزرة كفر قاسم، كفر قاسم، المجزرة السياسية"، والذي أصبح نادر الوجود حاليا، ويصعب الحصول عليه. قام حبيبي في كتابه سرد الأحداث المتتالية للمجزرة، التي استمرت قرابة الثلاث ساعات.

كما استخدمت الحلبي أسلوب "الرسم التوضيحي" في توثيق المذبحة، خلال بحثها التوثيقي، معتمدة على شهادات عدد من الناجين، والذين التقت بهم، واستمعت إلى رواياتهم لأحداثها، وما حل بعائلاتهم وأقاربهم، إضافة إلى ما عثرت عليه من مواد صحفية وخاصة شهادات الناجين في مجلة الشروق.

توضح اللوحات والمشاهد أسماء الشهداء، وأعمارهم، وأحجامهم، كيف استشهدوا، مَن أصيب، ومَن نجا، لولا هذا التوثيق لما عرفنا ونحن نستمع الى قصص شفوية، ونتابع أفلام وثائقية، أتت على سيرة أن بعض الناجين قذفوا أنفسهم وسط الشهداء، والدماء، ليتظاهروا الموت، وكان سامي محمود مصطفى واحدا منهم، بعدما اندس بين ثلاثة شهداء، وهم: عبد الله، وعبد، وابراهيم عيسى.

ومثلها قصة نجاة عبد الله بدير الذي زحف خلف عنزات سود بعد أن رآه الجنود يسقط وسطهن بفعل رصاصهم، ومثلهم نجا صالح خليل عيسى الذي تم جره الى كومة جثث، وهو مصاب، كما نجا بعدها عثمان سليم بدير بعد أن ضغط جسده فوق العجل الاحتياطي لشاحنة عطا صرصور التي استشهد فيها 10 من الفتية والشبان، وجرح اثنان، ونجا خمسة.

وقالت الحلبي خلال افتتاح معرضها "رسومات توثيقية لمذبحة كفر قاسم" في متحف جامعة بيرزيت، يوم أمس، ويستمر عرضه حتى 30 أيار 2017: جاء هذا العمل من أجل شبابنا، وصغارنا، الذين فاتتهم أحداث تاريخية كثيرة كمذبحة كفر قاسم، واعتمدت فيها على طريقة الرسم القديم، فكانت الأشياء والكائنات في اللوحات تشبه تماما ما كانت عليه في ذلك الوقت، كالسياج، وشجر الصبار، والسلاسل الحجرية، وغيرها..

وجاء في كتيب وزعه متحف جامعة بيرزيت، خلال الافتتاحية: تقدم سامية حلبي في هذا المعرض شكلا مختلفا من أعمالها، كتحررية ملتزمة، ومدافعة عن عدالة قضية شعبها، وليس بإعتبار هذه الأعمال جزءا من إنتاجها الفني، فإضافة لإنتاجاتها الفنية ذات البصمة المتفردة في الرسم التجريدي المعاصر، وبحثها حول الفن الفلسطيني التحرري، أنتجت حلبي العديد من التصاميم، واليافطات، والملصقات السياسية، التي شكلت جزء من مشاهد المظاهرات في الولايات المتحدة، والتي تعتبرها جزءا من عملها النضالي -وليس الفني-، وهو ما يدفعنا إلى الإنتباه لمفهوم خاص تتبناه الفنانة، والذي تفصل فيه بين ما هو فن وما تعتبره توثيقاً، وإذا نظرنا الى تجربتها التي كرست فيها جل وقتها لإنتاجها الفني ونشاطها السياسي، بشكل متوازي، نجد أنها استطاعت أن تطور تجربة فنية وفكرية خاصة بها، تفتح أسئلة حول دور الفن، ومسؤوليته.

وجاء في مقال "باربرا ستيهل" في الكتيب: لم تكتفِ برسم المجزرة بل قرأت، وأثرت البحث في هذا المجال، ومجموعة أعمال كفر قاسم هذه هي المشروع الأكبر لحلبي في مجال الرسم، باستخدام تقنيات الخدع البصرية، وتتألف من 4 رسوم جدارية كبيرة، و 27 رسما دقيق الصقل والتفصيل، و 106 رسوم أولية.

 وفي عام 1965- عام المجزرة- كانت الفنانة في العشرين من عمرها، ولم تشهد المجازر، وأثناء إجراء المقابلات لهذا العمل، أضافت حلبي إلى قائمة الأسئلة المتوقعة في هذا النوع من المواضيع أسئلة لا يمكن لأحد أن يسألها، إلا أن يكون رساماً، إذ كانت تحتاج الى تفاصيل عن المشاهد، والصور المتعلقة بكل الأشياء- المواقع، والناس، والملابس، والحيوانات، والعربات... الرسوم، واللوحات الدقيقة التفاصيل، فلها علاقة متأخرة بالأحداث، إذ لا يمكن انجازها بسرعة، وغالبا ما يكون ذلك بعيدا عن مناطق الحروب.

وتمثل مثل هذه الأعمال ايحاء بالواقع، أكثر من صور للواقع بعينه، كما أنها تتميز ببنية تركيبية، وفكرية أبطئ من الصورة الصحفية، لذا تكمن قوتها في إمكانبتها على أغادة بناء ما كان عصيا على التوثيق البصري الفوري.

يقدم المعرض أيضا كتاب "رسم مذبحة كفر قاسم"، الذي صدر حديثا عن دار "شيلت" في أمستردام 2017، وهو خلاصة البحث الذي قامت به سامية حلبي، لإنتاج الرسومات، وفيه تجميع لشهادات الناجين، ومحاولة لإعادة إنتاج سجل أرشيفي بالرسم، معتمدة على عدد من المصادر، والمراجع الموثقة، كما يعرض ثلاثة أعمال رسم "بالآكريليك" من أعمالها الحديثة، من مجموعة "فضاءات مضيئة"، تحمل عناوين: "جبال بين بيرزيت ورام الله"- "لتعود"- " تَسلّل"- "رقصة موندريان بوجي ووغي"، حيث تقدم لنا الناقدة ميمنة فرحات هذه الأعمال، وتضعها في سياق أشمل لتجربة الفنانة في الرسم، وبتاريخ الفن.

ha

التعليقات

حماس كشركة قابضة

كتب: رئيس تحرير صحيفة الحياة الجديدة

هل تعلمون أن قرابة العشرين ملياردولار هي مجموع تحويلات السلطة الوطنية لقطاع غزة، خلال العشر سنوات الماضية، وهي سنوات الانقسام القبيح، سنوات سلطة حماس الانقلابية، التي لاتزال تجهض تباعا كل محاولة لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية لكامل عافيتها، وبمسلسل طويل ومكرر من خطاب الكذب والافتراء والتضليل، ومسلسل اطول وابشع من سياسات القمع  والاعتقال وملاحقة مختلف الحريات العامة ..!!

وهل تعلمون أن قرارا من الرئيس ابو مازن جعل من التأمين الصحي لكل اهالي قطاع غزة مجانيا،  ومع ذلك ما زالت سلطة حماس الانقلابية تفرض رسوما على مراجعة المشافي هناك، بل وانها تأخذ ثمن الأدوية التي تصرفها هذه المشافي للمرضى، علما انها ادوية ليست للبيع، واكثر من ذلك فإن مجموع الأدوية التي ترسلها وزارة الصحة من هنا، يجري تهريب بعضها الى خارج المشافي لتباع في الصيدليات برغم  انها موسومة بأنها ليست للبيع ...!!

وهل تعلمون ان السولار الذي يحول الى قطاع الكهرباء في غزة، تسرق اجهزة حماس جله لإنارة انفاق التهريب، وليباع ما يفيض منه في السوق السوداء لأصحاب  مولدات الكهرباء الصغيرة ..!!

وهل تعلمون ان رواتب الأسرى والشهداء والشؤون الاجتماعية لم تنقطع يوما عن غزة، اضافة الى رواتب العاملين في الصحة والتربية، وهل تعلمون ان وزارة التربية في حكومة الوفاق الوطني، توزع الكتب المدرسية مجانا على طلاب قطاع غزة، ولا تفرض اية رسوم على الدراسة هناك، لكن سلطة حماس الانقلابية تبيع الكتب وتفرض الرسوم، ولاشيء بالمطلق من جباياتها وضرائبها التي تفرضها على اهلنا في القطاع المكلوم يحول الى خزينة السلطة الوطنية ..!!

وهل تعلمون ان مياه الشرب في غزة ملوثة باكثر من تسعين بالمئة، ما دفع بالرئيس ابو مازن للبحث عن محطة تحلية للمياه لإقامتها على شواطئ غزة، بتمويل اوروبي وقد تحصل على ذلك خلال زيارته لبرشلونة عام 2011 لإقامة هذه المحطة بقيمة 500 مليون دولار، غير ان سلطة حماس الانقلابية رفضت تخصيص ارض لهذه المحطة، بزعم ان اراضي الساحل الغزية جميعها معسكرات للمقاومة (..!!) وعلى ما يبدو انه من  اخلاق المقاومة الحمساوية، ان يظل اهلنا في غزة يشربون المياه الملوثة، لأن العافية وسلامة الصحة ليست من سمات المقاومين ..!!!

وهل تعلمون ان عملية  إعادة الاعمار في غزة تحولت الى سوق سوداء يباع فيها الاسمنت المخصص لهذه العملية، ولهذا ما زالت تتعثر تباعا، ولا يبدو انها ستمضي في دروبها الصحيحة، طالما بقيت سلطة حماس الانقلابية ترعى هذه السوق بأمرائها الذين باتوا من اصحاب الملايين ..!!

وهل تعلمون وينبغي ان تعلموا، ان هذه السلطة الانقلابية تفرض الضرائب وكيفما اتفق، على الاحياء والاموات معا هناك، اذ هي تبيع القبور وتفرض رسوما على الدفن وأسألوا  اهل غزة عن ذلك ..!! وبالضرائب والاستحواذ والهيمنة على كل الموارد واسواق البيع السوداء والبيضاء معا، باتت  حركة حماس كأنها شركة قابضة، لكن حتى دون قوانين عمل هذه الشركة وغاياتها الانتاجية، سوى غاية الربح ومراكمة رأس المال ..!!

 اذا قرابة العشرين مليار دولار خلال عشر سنوات هي تحويلات السلطة الوطنية لقطاع غزة، واكثر من 120 مليون دولار سنويا من جبايات حماس لا يجري تحويل اي قرش منها لخزينة السلطة الوطنية، والبعض هنا قال ان تحويلات السلطة الوطنية، تمويل للانقلاب الحمساوي ولابد من وقف هذا التمويل، لكن الرئيس ابو مازن قرر الا يدفع اهلنا في غزة ثمن هذا الانقلاب، فأبقى على هذه التحويلات، لكن بلغ السيل الزبى كما يقال، وآن الاوان ان تتحمل حماس نتائج رفضها للوحدة الوطنية، واصرارها على تأبيد الانقسام البغيض، غير ان هذا لا يعني ولن يعني ان السلطة الوطنية ستتخلى عن مسؤولياتها تجاه اهلنا في القطاع المكلوم، لكن على حماس ان تعرف وان تدرك ان مهمة انهاء الانقسام البغيض وتحصين الوحدة الوطنية، هي من صلب مهمات الحركة الوطنية بقيادتها الشرعية، ولن تتخلى عن هذه المهمة، أيا كانت الصعوبات والعراقيل التي تواجهها، وستعمل على تحقيق اهدافها النبيلة حتى بجراحات عميقة، ولن ينفع سلطة الانقلاب الحمساوية ان تواصل خطاب الأكاذيب والافتراءات لإحباط هذه المهة، وحتى تفيء الى رشدها، الرشد الذي ما زال غائبا حتى اللحظة، لاخيارات عديدة امامها، فإما ان تتحمل كافة  مسؤوليات الحكم في غزة، مسؤوليات العقد الاجتماعي الذي يؤمن الخبز والكرامة والامن والامان سوية، وإلا فعليها مغادرة الحكم، لحكومة وحدة وطنية وانتخابات شاملة، وهذا هو الخيار الوحيد الامثل اذا ما ارادت لها مستقبلا في الحركة الوطنية الفلسطينية، وبكلمات اخرى واخيرة فإما التعقل الوطني بقيمه النضالية والاخلاقية الرفيعة،  وإما على حماس ان تحصد عواصف الريح التي تزرع .    

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017