الغريب

رشا حرزالله في إحدى مقابر العاصمة الأردنية عمان، قبر خطت على شاهده عبارة "هنا قبر سمير. عاش غريبا ومات غريبا". قصة "الغريب" بدأت حينما حضرت سيارة إسعاف، ومعها الضابط محمود التل، من جيش الإنقاذ الأردني، وراحت تبحث بين الجثث عن أناس أحياء، إثر هجمات عصابة "الهاجاناه" الصهيونية في يافا عام 1948، ومن بعيد ثمة صوت بكاء طفل صغير، تتبع التل مصدره، ولدى وصوله، رفع عنه الغطاء، فكان سمير. اشتد هجوم "الهاجاناة" على حي أبو كبير شرق حي النزهة في يافا، وبقيت حليمة الصوالحي، وكان عمرها آنذاك (22 عاما)، مع طفليها خائفة ووحيدة، بعد أن اعتقلت هذه العصابات زوجها سليمان أبو عمارة مع رجال آخرين، ونقلتهم إلى معسكرات الاعتقال. ولما وسعت "الهاجاناة" هجومها بالقذائف، والرشاشات، والمدفعية، حملت حليمة الطفلين سمير (عام واحد)، وداود (عامان)، وهربت بحثا عن النجاة، لكن القذيفة التي أتتها من الخلف، واستقرت في ظهرها، فتتت جسدها، لتستشهد في المكان، وتصيب شظاياها شقيق زوجها عبد القادر بإصابات بالغة في أنحاء جسده حين كان يهُم بالهروب هو الآخر معها، أما داود فما زالت ندبة جرح الشظية التي أصابته، محفورة في قدمه حتى اليوم. خارت قوى عبد القادر، عم الطفلين، ولم يستطع مواصلة السير، حاملا كليهما، فلم يكن أمامه سوى اصطحاب داود، وترك سمير حيّا إلى جانب جسد أمه الممدد، بعد أن ألقى فوقهما غطاء، علّه يحمي الطفل من البرد أو يبعده عن أعين العصابات، ومضى زحفا نحو القدس، ومنها إلى رام الله، واستقر أخيرا في نابلس. صدم مشهد الطفل الملقى إلى جانب أمه الشهيدة الضابط الأردني محمود التل، ولم تحمله مشاعره وإنسانيته على تركه وحيدا تفترس "الهاجاناة" جسده الغض، حمله معه إلى الأردن ليكون بمثابة الابن الرابع له، رباه وقدم له الرعاية، ولأنه لم يمتلك أية معلومة عن هوية الطفل، أعطاه اسمه ليصبح "سمير أبو عمارة" الفلسطيني، ليعرف لاحقا بـ"جهاد محمود التل" الأردني. أسرت عصابة "الهاجاناة" والد سمير وداود لستة أشهر، وبعد أن أطلقوا سراحه، هجّروه إلى الضفة الغربية، ووصل إلى مدينة نابلس، وهناك أبلغه شقيقه عبد القادر باستشهاد زوجته حليمة، وترك سمير حيّا إلى جانبها، حينها سلم الأب أن طفله ان لم يكن قد مات برصاص العصابات، فانه مات بالجوع والعطش. مر على هذه الحادثة 12 عاما، وعائلة أبو عمارة لا تعرف معلومة حول مصير طفلها، وشاء الله أن تُدعى عمته مريم، التي كانت تسكن نابلس أيضا، لحضور حفل زفاف أحد معارفها في مدينة السلط الأردنية، وفي إحدى زوايا الحفل جلست امرأة ومعها طفل متشبث بها، أذهل مريم الشبه الكبير الذي يجمعه بداود، ابن شقيقها. لم تتمالك العمة نفسها، وتوجهت نحوه تداعبه، محاولة معرفة اسمه منه، محاولاتها باءت بالفشل أمام خجل الطفل، ودون انتباه أحد تمكنت من فحص أذنه، لتجد العلامة الحمراء أو "الوحمة"، تلك التي كانت تميز سمير كثيرا، لكنها اليوم أكبر حجما. صارت مريم تستعلم من المدعوات عن الطفل، جميعهن أجمعن أن اسمه جهاد التل باستثناء واحدة، أخبرتها مع رجائها التكتم على الموضوع "هذا الطفل دون عائلة أحضره ضابط أردني من يافا، ولا أحد يعلم من هي عائلته". هذه السيرة لم تروها مريم لنا، لكن داود شقيقه هو الذي التقيناه داخل محله حيث يبيع البلاستيك في البلدة القديمة في نابلس، ويضيف أن عمته مريم أخفت الموضوع، وغادرت الأردن من فورها، نحو نابلس، بعد أن حصلت على العنوان الكامل لعائلة التل. في نابلس أخبرت شقيقها، الذي توجه صباح اليوم الثاني إلى منزل الضابط محمود التل في عمان، والتقاه هناك، وأمام الحالة اضطر الضابط، أن يخبره بالحقيقة، وهو ما أصاب زوجة التل بالانهيار أمام شعورها بأنها ستفقد ابنها الذي ربته طيلة أعوام، وأثنت دموعها وتوسلاتها سليمان عن فكرة أخذ سمير من حضنها، لكنه اشترط الحضور بين الحين والآخر للاطمئنان عليه، وهو ما قوبل بالموافقة من قبل "الأم"، لكنها اشترطت أيضا عدم إشعار الطفل بذلك، لكنه كان كلما زاره عاد إلى نابلس محملا باللوعة والأسى. بعد ثلاثة أشهر من رؤية الأب لابنه اصطحب ابنه الثاني داود لرؤية شقيقه. التقى الشقيقان لقاء الغرباء، لكن، ولأن "الدم يحنّ" كما يقال، أحس داود بمشاعر غريبة تجاه سمير عن بقية "إخوته" من عائلة التل، ويتذكر نزهتهما الوحيدة إلى السينما، والتي لم تكتمل حيث عادوا أدراجهم بعد شجار حدث بين أبناء التل. قال داود :"كنا في الطريق إلى السينما، حيث حدث شجار بين الأخوة، وشعرت بنفسي غريبا بينهم، وعندما أخبرتهم برغبتي في العودة إلى المنزل قال لي سمير انتظر أنا ذاهب معك، وبقي طيلة ذلك اليوم برفقتي يحاول إرضائي . هذا الموقف أثر بي بعد معرفتي أنه شقيقي". انقطع داود عن سمير طيلة سبعة أعوام، بينما استمرت زيارات والده له، وقبل أيام من احتلال الضفة الغربية في حزيران عام 1967، عقد داود العزم على السفر إلى العاصمة العراقية بغداد، وأبلغ والده بذلك. "وضع والدي احتمال أن لا أعود إلى نابلس، وخشي أن يفارق الحياة، ويدفن السر معه. في تلك الفترة كانت صحته في تراجع، أعياه المرض فقرر إبلاغي بأن لي أخا يدعى سمير. أصابتني صدمة، ورحت أبحث من جديد عن أخي بعد أن غيرت عائلة التل مكان سكنها" قال داود. سافر داود إلى عمان، وبحث عن أخيه لأيام دون جدوى، وقادته الصدفة إلى أحد صالونات الحلاقة المجاور لمنزل عائلة التل القديم، وبينما كان ينتظر دوره، راح يتأمل الصور المعلقة على حائطه كان من بينها صورة لأحد الشبان يشبهه كثيرا. "سألت الحلاق من هذا؟ أجاب: هذا شاب محترم ومهذب اسمه جهاد التل، يخدم حاليا في العسكرية في منطقة الشونة الجنوبية في منطقة الغور"، قال داود. واصل البحث عن أخيه رغما عن عائلة التل، التي لم تكن لتتقبل فكرة السؤال عنه من قبل عائلة أبو عمارة، ويرجع ذلك لتعلقهم وحبهم الشديد له، وقصد منطقة الشونة عبر السير مسافات طويلة في الجبال والوديان، حتى وصل إلى ضابط المدفعية المسؤول عن سمير، ورجاه أن يتحدث إليه، الأمر الذي قوبل بالرفض من قبل الضابط كونه في الخدمة العسكرية ويحظر عليه الخروج، وبذلك اضطر داود لإخباره بالقصة، "عندما أبلغت الضابط بالأمر بكى بحرقة شديدة، واستدعى جهاد وتركنا نتكلم وحدنا". وقال: وصل جهاد بناء على طلب ضابط المدفعية. تصافحنا كغريبين، وبدت عليه علامات الاستغراب، سألته هل تعرفني؟، أجاب جهاد بالنفي، فاندفعت مشاعري نحوه بقوة، قلت له أنا أخوك يا جهاد، ابتسم ابتسامة باهتة، وقال: حياك الله كلنا أخوة بمَ أساعدك؟، فعدت أكرر له بصوت مرتفع أنا أخوك يا جهاد". هنا كانت صدمة "جهاد/سمير"، حيث وقف مشدوها بين مصدق ومكذب، لكن "الدم حن مجددا"، فاحتضن شقيقه دون أن يسأل عن تفاصيل القصة. هكذا روى داود تفاصيل اللقاء بأخيه. في البدء لم يستوعب جهاد الأمر، ولم يصدق حرفا مما قيل، ولم يستطع الأخوين كسر الجمود الذي اعتراهما سوى بعد فترة، "أخبرته إن منزل ابنة عمتي قريب من الشونة، وهي فرصة ليتعرف بها، وعندما اقتربنا من المنزل، دهش كونه كان يتردد هناك بين الفينة والأخرى، حيث تقدم له صاحبة المنزل الطعام والماء، ويأخذ قسطا من الراحة في أوقات الفراغ، دون أن يعلما أن هناك صلة القرابة تجمعهم، لتصبح ابنتها زوجته فيما بعد"، قال داود. وليبقى قريبا من أخيه، اشترى داود مطعما في عمان، ومع الوقت أصبحت تجمعهما علاقة قوية لكن كأصدقاء وليس كأخوة، أصبحت أقوى مع مرور الوقت، وعمل داود جاهدا على أن يزور جهاد فلسطين، وتمكن فعلا من ذلك عام 1999. في العام 2000، التقى داود مع أحد أقاربه في الأردن، يحمل شهادة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية، والذي أبلغه بوجوب تغيير نسب جهاد التل، ونسبه إلى عائلة أبو عمارة، الأمر الذي لم يكن سهلا على العائلة التي ربته، لكنها رضخت للأمر الواقع أمام إلحاح داود. وقال: بدأنا إجراءات تغيير الاسم، ووكلنا محامي لذلك، وطلبت المحكمة شهادة اثنين فكنت أنا بالإنابة عن عائلتي، والضابط محمود التل بالإنابة عن عائلته، ولم يكن الأمر هينا خاصة وأن جميع شهاداته ووثائقه حتى الأوراق البنكية باسم عائلة التل، وعقب مرور 7 أشهر، تم تغيير الاسم ليولد سمير أبو عمارة من جديد. ألمّ المرض بسمير، وأصابه الوهن وضعف الذاكرة، وبدأت صحته بالتراجع، وعندما شعر بدنو أجله، طلب رؤية شقيقه داود المتواجد في نابلس، الذي لبى النداء على وجه السرعة، وبقي إلى جانبه. وفي الرابع عشر من شباط الماضي، مات سمير، قبلها قال لأخيه: "طيلة فترة حياتي بين عائلة التل، كنت أشعر بأني غريب بينهم، رغم حبي الشديد وتعلقي بهم، لكن شيء ما كان ينقصني، لم أكن أدري ما هو، وها أنا أموت الآن، بلا عائلة، وبلا وطن، أموت غريبا". دفن سمير في عمان، لكن داود صمم أن يكتب على قبر أخيه: "هنا قبر سمير أبو عمارة، الذي عاش غريبا ومات غريبا". ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ha

التعليقات

جولة العيد والمحبة

 كتب رئيس تحرير الحياة الجديدة:
ليس صحيحا أن الرئيس أبو مازن أراد من جولته الحرة فيشوارع رام الله، مساء امس الاول، وحضوره بين أهلها على هذا النحو الحميم، أن يرد على شائعات الخارجين عن الصف الوطني التي روجوها على صفحات مواقعهم الالكترونية بصياغات اوهامهم وتمنياتهم البغيضة، والتي تقولت بتدهور صحته، وأنه نقل إلى المدينة الطبية في العاصمة الأردنية لتلقي العلاج ...!!! ليس صحيحا البتة أن الرئيس أبومازن أراد ردا على هذه الشائعات بجولته هذه، وهو الذي ما التفت يوما لسقط الكلام، وهذيانات أصحاب القلوب المريضة، وأدوات الاحتلال الرخيصة، غير ذلك هذا ليس أول رمضان يتجول فيه الرئيس في شوارع رام الله، متفقدا أحوال أسواقها وروادها، فلطالما كانت له هذه الجولات في رمضانات ماضية، ما يعني حرصه على تكريس هذه العلاقة المباشرة مع أبناء شعبه كلما أمكن ذلك، وبعيدا عن خطب السياسة ودروبها التقليدية.

غير ذلك أيضا، حال الرئيس أبو مازن حال الصائمين في كل مكان، ما أن يتفتح ليل رمضان بعد الإفطار على امسياته حتى يتوق الصائم إلى تواصل حميم مع أهله واحبته وأصحابه، وللمسؤول القائد توق أشد، للتفقد والإطلاع عن كثب على أحوال الناس والمدينة، ولايرجو من وراء ذلك غير لقاء الثقة والمحبة،  والمعرفة الصافية بعيدا عن اي تقولات وتقارير، ثم هناك عيد الفطر وقد بات على الأبواب وأسواق المدينة تعج بالباحثين عن بهجة العيد في الملابس الجديدة لفلذات أكبادهم، وما من بهجة للعيد دون بهجة الطفولة، التي تعد واحدة من دلالات تفتح الحياة على المستقبل، وهي في بلادنا دلالات أمل وأمثولة صمود بقوة البطولة الناعمة، بطولة الطفولة في بهجتها، التي تؤكد حتمية مستقبل الحرية والاستقلال ، وما من شك أن الرئيس أبو مازن في جولته قبيل العيد يسعى لتلمس هذه البهجة، تلمس القلب واليد والعين، وهو المؤمن المتيقن بحتمية ذلك المستقبل الزاهر، مستقبل  الدولة السيدة، التي يحمل مشروعها الوطني مع إخوانه في القيادة، طالما ظلت بهجة العيد تشع في أعين أطفالنا، وتسكن روحهم كأجمل سبل التحدي لوجود الاحتلال البغيض، من أجل دحر هذا الوجود مرة وإلى الأبد .

جولة الرئيس أبو مازن في شوارع رام الله وأسواقها هي جولة هذا التحدي، وهذا اليقين، وهذه البهجة، وهي بعد كل قول وتقدير، جولة العيد في أوان معانيه البهيجة الطيبة، وجولة المحبة في طبيعتها الصريحة والحميمة، والصحة صحة القلب دائما  كلما ظل عامرا بالإيمان والتقوى، وهذا هوقلب الرئيس أبو مازن شاهرا طبيعته وصحته في جولته الحرة.

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017