صبحية ورضوان.. لا يرحلان

جيفارا سمارة ويامن نوباني

"ان شاء الله بشوف على وجهكم الخير"، هذه جملة للدعوة او الدعاء، ودع بها الحاج محمود رضوان "أبو عصام" الصحفيين الذين حاوروه في محمية "عين وادي الزرقا"، لحظة مغادرتهم المكان بقرية بيتللو غرب رام الله.

فقط للصحفيين وجه الكلام، يقول ابو عصام في منتصف الحوار: "لم يعد لي نِفِس في الخروج مع من يأتون لإطلاق الشعارات، والمشاريع التي تظل على ورقهم وفي أدراجهم."

أسئلة كثيرة في السؤال الكبير: هل تغير شيء على أرض الواقع؟ هل من أحد خدم المحمية وأبو عصام؟

المكان يجيب، مياه تخرج من ينابيع في قاع الأرض، لتسري دون تدخل بين الصخور والنباتات والأشجار، تحمل معها الملوثات من أتربة وأوراق وبقايا قمامة تركها المتنزهون أو جاءت بها الريح، دون أن تجد المياه النقية يدًا ترفع عنها ما يُعكر صفوها.

على مدخل المحمية حيث يمر شارع رئيسي يربط بين عدة قرى غرب رام الله وعدد من المستوطنات القريبة "حلميش، ونحلئيل، ودولف"، تمر مركبات المستوطنين مسرعة وحين يشاهدون عربيا يبطئون، فإما يطردوه أو يشتموه أو يحدقون بوقاحة في تفاصيله، وكأنهم يقولون: أخرج من هنا يا سارق أرضنا!!.

زهر حّنون ينتشر بكثرة على أطراف الشارع وقطع الأراضي المجاورة لمدخل المحمية، لا يُهنِئ المستوطنون وجيبات الجيش المارة بكثرة، أي سائح فلسطيني في التقاط صورة للطبيعة، فخلال دقائق معدودة يستوقفونه ويسألونه عن سبب تواجده هنا! مطالبين اياه بالرحيل، أو أقلها: ينغصون عليه بحثه عن راحة البال في طبيعته، تاركين له صورا سريعة لم يضبط جودتها بالشكل المطلوب.

ويروي محمود رضوان (85 عاما) قصته مع المحمية، فقد سكنها شاب بعمر 21 عاما، عندما كان الوادي تسكنه 20 عائلة يعملون كلهم في الزراعة، ويصوب ابهامه صوب غرفة حجرية قديمة شيدها في عام 1953 والتي لا تزال قائمة عند مدخل المحمية، قائلا: تلك الغرفة الصغيرة سكنتها الى ان انتقلت الى هذا المنزل في العام 1975، واقيم فيه الآن، فأنا لا استطيع مغادرة هذا الوادي الا عندما يحين الاجل، فقد سكنني الوادي كما سكنته".

الحاج رضوان الذي لم يرضخ لمغريات الحياة العصرية، يقول: ارتباطي بهذا الوادي ليس لانتفاع مادي، فالحياة هنا تفتقر لأبسط الخدمات التي يتنعم بها الناس خارجه، فلم يعد يسكن الوادي معي انا وزوجتي العجوز، سوى ابن اخي الذي لا اعلم ان كان سيصمد معي وانا على قيد الحياة او وحيدا بعد وفاتي، وحدي في هذا الوادي بعد ان هجره كل من سكنه، لغياب ابسط الخدمات، ولكني اعلم علم اليقين ان خلو الوادي من اصحابه سيعني اقامة بؤرة استيطانية فيه فور خلوه من اهله".

ويضيف رضوان: المستوطنون هنا لا يألون جهدا لوضع بؤرة لهم هنا تمكنه من سرقة الوادي واستيطانه، والسيطرة على ينابيع الماء فيه".

ويتابع: "نتعرض دوما لتحرشاتهم واستفزازاتهم، وحتى الاعتداءات، ففي آخر مرة هاجمني 6 مستوطنين بالحجارة، ثم طرحوني ارضا وبدأووا ينهالون علي بالضرب بالعصي والاقدام، نقلت على اثرها الى المستشفى مدرجا بدمائي".

150  الف دولار كل ما يلزم لمنع تهويد المحمية

ويقف نجل ابو عصام امام وفد من الاعلاميين ومؤسسات بيئية ورسمية وممثلة عن الاتحاد الاوروبي، زار الوادي صباح اول امس الاثنين، شارحا حاجة الوادي على الاقل للكهرباء، قائلا: انا واخوتي لا نريد ترك والدينا هنا وحدهما، ولكننا نناشدكم كما ناشدناكم قبل سنوات، ان تزودوا الوادي بالطاقة الكهربائية التي قدرت شركة الكهرباء كلفة توصيلها الى الوادي بحوالي 150 الف دولار".

وهو ما اكده رئيس بلدية الاتحاد التي يتبع لها الوادي هشام بزار لـ"وفا"، قائلا: ان من سبقني من رؤساء بلديات لم يوفروا جهدا في ايصال ابسط الخدمات الى هذه المحمية، وعلى الاقل ومنذ استلمت انا رئاسة البلدية في العام 2012 توجهت برسالة مناشدة الى مجلس الوزراء وعلى رأسه رئيس الوزراء رامي الحمد الله، والى وزراء الصحة، والبيئة، والزراعة، والحكم المحلي، ومحافظ رام الله والبيرة.. والى المؤسسات الاهلية والمدنية، لإنقاذ المحمية من براثن الاستيطان ومخالب المستوطنين، بايصال الكهرباء على الاقل الى الوادي، ما من شأنه اعادة العائلات التي رحلت عنه إليه، فهذه المنطقة مصنفة "ب" ونستطيع استصدار رخص بناء فيه لحمايته".

ويضيف بزار: نحن نقدر ما قدم سابقا من مشاريع، ولكني اؤكد لكم لم تكن كافية حتى ان مشروع ايصال المياه الى الخزانات الزراعية عبر الطاقة الشمسية فشل، فهل يعقل ان نفرط بمحمية طبيعية تمتد على مساحة 3500 دونم، 500 دونم منها مستغلة زراعيا و3 الاف اخرى بنباتات طبيعية واحراش، ونتركها تحت مسوغات الاحتلال لاستيطانها، الامر بحاجة الى وقفة جدية".

ويتابع بزار "لقد شاهدتم اليوم ما طرح وما قدم لم يتجاوز سوى وعودات بمشاريع دعم للمحمية يفترض ان تدرس، وهذا لا يقي الوادي من اطماع المستوطنين بالسيطرة على هذه الدونمات التي تحوي قرابة الـ70 نبعا".

اقرار بالتقصير

ويؤكد مدير التنوع الحيوي في سلطة جودة البيئة محمد محاسنة ان حجم ما يقدم للمحمية لا يرقى الى المستوى المطلوب ليس فقط على المستوى الدعم المادي في المشاريع البيئية لحماية الطبيعية في المحمية، ولا حتى في المشاريع الزراعية لدعم المزارعين، او حتى في مجال مد الخدمات الاساسية من الكهرباء كما يطالب الاهالي، وانما ايضا في المجالات المعنوية من قبل وزارة السياحة وحتى وزارة التربية والتعليم، بضرورة تسيير الرحلات الى مثل هذه المحميات.

بدورها، تشير ممثلة الاتحاد الاوروبي ليزا تنتاري الى ان المقدم لا يتوافق مع حجم المطلوب على الارض، الا ان سوء التنسيق بين المؤسسات والجمعيات الفلسطينية المعنية بالشؤون البيئية والتي يفترض بها ان تساعد في هذا المجال، هو بحد ذاته تقصير.

وتشير ارقام جهاز الاحصاء الى أن الاحتلال حول 40% من مساحة الضفة إلى ما يسمها "أراضي دولة" لامتلاك حق التصرف فيها بشكل كامل، وأن عدد المواقع الاستيطانية والقواعد العسكرية في نهاية العام 2015 بلغت في الضفة الغربية 413 موقعا، حوالي 48% من مساحة المستوطنات مقامة على أراضٍ ذات ملكية خاصة، وأن الاحتلال صادق في عام 2016 على 115 مخططا استيطانيا جديدا يشمل بناء أكثر من خمسة آلاف وحدة في مستوطنات الضفة الغربية.

في البيت الذي يعيش فيه الحاج رضوان وزوجته الحاجة صبحية، معلقات "براويز" كثيرة تنتشر في زوايا الغرف لأبنائهم وأحفادهم، وكأنهم يفتقدون ملامح الناس وأصواتهم.

تقول صبحية لـ"وفا": حتى لو كنت وحدي في البيت لسبب ما عندما يغيب ابو عصام، ارفض أن أبيت عند أحد حتى لو كانوا اولادي، فهم من يأتون ليبيتون معي، فالكل يعرف أنني لا أخرج من هنا بسهولة.

صبحية تجهز كل أسبوع عجينها وتعد ناراً في الوادي لخبزها، لا تستريح في الكون بأكمله إلا لهذا البيت وهذا المكان الذي أمضت فيه أكثر من 50 سنة، قائلة: "المربى عزيز".

ha

التعليقات

المجلس الوطني .. الضرورة الآن

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

برلمان الشعب الفلسطيني بعد انتصار القدس، يدعو الآن لتعزيز هذا الانتصار الى  انعقاد دورته الرابعة والعشرين، لأنه وفي حسابات اللحظة التاريخية الراهنة، سيمثل لحظة انعقاده خطوة استراتيجية كبرى في طريق النضال الوطني الصاعدة نحو الحرية والاستقلال، بل ان دورته الجديدة باتت ضرورة وطنية خالصة، لا تقبل التأجيل ولا التسويف، لا لتجديد أطر الشرعية الفلسطينية، وتفعيل مؤسساتها بحيوية التجديد والتمثيل فحسب، وإنما كذلك لإعادة صياغة الوحدة الوطنية، على أسس بالغة الوضوح في ولاءات حساباتها الوطنية، بعيدا عن المصالح الحزبية والفصائلية، ومصالح الحسابات الاقليمية السياسوية ان صح التعبير، التي لا فلسطين فيها حتى لو كانت خطاباتها مليئة بالشعارات الثورية ..!! وكل ذلك من اجل حماية المشروع الوطني, والمضي به قدما نحو تحقيق كامل اهدافه العادله وتطلعاته المشروعة

وبهذا المعنى، ولأجل هذه الغاية النبيلة، فإن انعقاد المجلس الوطني سيشكل فرصة تاريخية لأولئك الذين ما زالوا خارج أطر الشرعية الفلسطينية، وما زالوا يطرقون أبواب العواصم البعيدة ويرتمون في احضانها، العواصم التي ما زالت لا تريد من فلسطين غير ان تكون ورقة مساومة بيديها لصالح حساباتها الاقليمية ..!! فرصة لهؤلاء ان يعودوا الى بيت الشرعية، وان يكونوا جزءا منها، لا ان يكونوا اداة لمحاربتها على هذا النحو او ذاك، واذ يسعى المجلس الوطني في دورته الجديدة
لإعادة صياغة الوحدة الوطنية، فإنه يسعى ان يكون الكل الوطني تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وبالتمثيل النزيه والموضوعي، وبالتجديد الحيوي لأطرها القيادية.

لا يمكن لمسيرة الحرية الفلسطينية ان تتوقف، التوقف ليس خيارا وطنيا، ولم يكن يوما كذلك، ومن اجل ان تواصل هذه المسيرة تقدمها، لا بد دائما من التجديد والتطوير، طبقا لخيارات الشعب وارادته ومن اجل تحقيق مصالحه الوطنية العليا، ومن خلال مؤسساته الشرعية التي يمثل المجلس الوطني هيئتها الاولى، وصاحب الولاية في التشريع واقرار برامج النضال الوطني في دروبه العديدة.

لا يمكن لأحد ان يتجاهل الآن، اننا في وضع بالغ الصعوبة، وصراعنا مع الاحتلال يشتد على نحو غير مسبوق، لجهة تغول الاحتلال في سياساته الاستيطانية والعنصرية العنيفة، والتي نواجه بالمقاومة الشعبية السلمية، والتي اثبتت جدواها في معركة القدس والاقصى المجيدة، وهذا يعني وامام هذا الوضع، أن الوحدة الوطنية  بسلامة قيمها ومفاهيمها وأطرها، تظل هي الضمانة الاكيدة للخروج من الوضع الراهن، نحو تعزيز قوة مسيرة التحرر الوطني الفلسطينية، وستظل الوحدة الوطنية بالعافية التي نريد ممكنة، حتى لو واصل البعض معاقرة اوهامه الخرفة، وهذا ما سيقرره المجلس الوطني في دورته المقبلة، وفي توضيح هذه الحقيقة، تأكيد على الفرصة التاريخية التي يوفرها المجلس الوطني، خاصة لحركة حماس، ان تنزل من على شجرة الانقسام البغيضة، التي لا يمكن لها ان تثمر شيئا يوما ما، وان تودع اوهام الامارة مرة والى الابد، لصالح ان تكون هذا الفصيل الوطني، الذي يساهم بحق في تعزيز مسيرة الحرية والتحرر الوطني الفلسطينية.

وبكلمات أخرى وأخيرة المجلس الوطني قادم فلا تفوتوا هذه الفرصة، وبقدر ما هو الضرورة الآن، بقدر ما هو هذه الفرصة الآن التي لا مثيل لها، وللمجلس شعاره الذي هو شعار مسيرة فلسطين الحرة، وقد قاله نصا وروحا بوضوح الكلمة والمعنى شاعر فلسطين الاكبر محمود درويش، فإما "الصعود وإما الصعود" ولا شيء سوى الصعود، ودائما نحو القمة المثلى، قمة الحرية والاستقلال.

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017