الذكرى الـ34 لاغتيال عصام السرطاوي

 عُلا موقدي

في العاشر من نيسان 1983، أنهت رصاصات معدودة أطلقت من مسدس كاتم للصوت في قاعة فندق "البوفيرا" في البرتغال، حياة الدكتور عصام السرطاوي، ممثلا لوفد فلسطين "منظمة التحرير الفلسطينية" في المؤتمر السنوي السادس عشر للاشتراكية الدولية، حيث كانت الاشتراكية الدولية قد أعلنت موافقتها على حضور منظمة التحرير الفلسطينية مؤتمرها في البرتغال بصفة مراقب.

في العام 1933، ولد عصام علي محمد سرطاوي، في قرية سرطة بمحافظة سلفيت، وغادر مع أسرته في العام 1940 إلى العراق، نشأ السرطاوي في أسرة متعلمة ومثقفة، فهو حفيد العالم الشيخ، والشاعر الأزهري محمد السرطاوي الذي عرف عنه، أنه كان معلما في مدارس فلسطين إبان الانتداب البريطاني، ونجل علي محمد السرطاوي الذي شغل عام 1933 منصب مدير مدرسة جنين الثانوية، وعام 1945 عين مديرا للمدرسة الهاشمية بنابلس، وفي عام 1947 توجه الى قرية سرطة حيث عمل في تشجير الأراضي بالزيتون، واستملك مساحات واسعة، وعصام أكبر ابنائه، وهو أخ لأربعة اشقاء وخمس شقيقات، استشهد شقيقه عمر -الذي كان يعمل طيارا- في معركة جوية وقعت فوق السلط بتاريخ 4 ــ8ــ 1968، وتوفي والده ووالدته في بغداد ودفنا هناك.

سافر إلى الولايات المتحدة وتخصص في جراحة القلب في جامعة أوهايو، في ولاية (ميتشغان)، اتخذ من العاصمة الفرنسية باريس مقرا له منذ عام 1973م، تزوج من سيدة عراقية وله من الأبناء صبي وبنتان، عمر، وناديا، ورنا.

 وساهم في تأسيس الهلال الأحمر الفلسطيني عام 1968، عايش النكبات التي لحقت بالأراضي الفلسطيني، وسلك العملين السياسي، والعسكري، أثر ذلك كله على سير حياته، فتحول من طبيب الى عضو المجلس الوطني، والمستشار السياسي لرئيس منظمة التحرير الزعيم الراحل ياسر عرفات، وبقي عضوا في المجلسين الوطني والثوري لحركة فتح، وكانت احدى أهم عباراته، "قد ينقذ الطبيب فردا واحدا في غرفة العمليات، اما المناضل فإنه ينقذ شعبا بأسره".

عندما اندلعت حرب حزيران عام 1967 توجه إلى القاهرة مندوبا عن اللجنة العربية الأمريكية لأخبار المسؤولين المصريين عن استعداد ورغبة شباب عرب في أميركا للتطوع للقتال، وبعد الحرب أنشأ السرطاوي منظمة "الهيئة العاملة لدعم الثورة الفلسطينية"، ومن ثم طورها لتصبح فصيلا قائما بذاته، أطلق عليه "الهيئة العاملة لتحرير فلسطين"، وخلال انعقاد الدورة التاسعة للمجلس الوطني في شهر تموز من عام 1971م أعلن السرطاوي عن حل تنظيمه، وانضمامه لحركة فتح.

 كتب هشام ساق الله في ذكرى استشهاد السرطاوي الثانية والثلاثين: سألته عن سبب تأسيس تنظيم الهيئة ومن ثم اندماجه في حركة "فتح"، فكانت إجابته أنه بعد عام 1967 عندما قرر ذلك، لم يكن مقتنعا بأي من الفصائل القائمة، فأسس تنظيمه كي يكون رديفا، ويقدم إضافة نوعية إلى فصائل العمل الفدائي، ولكن مع التجربة والممارسة يقول الشهيد إنه اكتشف أن حركة "فتح" أثبتت أنها حركة الجماهير الواسعة والجامعة والمعبرة عن تطلعات الشعب الفلسطيني، وعن مرحلة التحرر الوطني التي يمر بها الشعب الفلسطيني، إضافة إلى وضوح أهدافها، ورؤيتها للصراع، وقدرتها على تمييز التناقضات الرئيسية عن الثانوية، وشمولية فكرها الجامع والمتعدد من البعد الوطني وهو الأساس إلى البعد القومي الذي لا يقل أهمية عن البعد الإنساني القادر على تقديم القضية الفلسطينية لكل المستويات الوطنية، والعربية، والدولية 1970.

كان السرطاوي أحد ستة أعضاء مجلس الحرب، إلى جانب ابو عمار وجورج حبش الذي شكلته اللجنة المركزية للمنظمة قبل حرب ايلول، وكان من الحمائم في منظمة التحرير، فقد أجرى لقاءات عدة مع أقطاب اليسار الإسرائيلي مثل آري ألياف، ضمن ما يسمى بمجلس السلام الإسرائيلي الفلسطيني في الفترة من 1976-1977 .

عرف عنه الجرأة، والشجاعة، اشترك في معارك مواجهة عديدة ضد اسرائيل، وكان أحد قادة معركة الكرامة، كما أنه احتفظ بصلات قوية مع الرئيس جمال عبد الناصر، والمستشار النمساوي السابق برونوكرايسكي، وهيلموت شميت، وملك المغرب الحسن الثاني، حيث ساعدته هذه العلاقات في أن يلعب دوراً بارزاً في العلاقات الفلسطينية- الإسرائيلية، وتولي مسؤولية الاتصال بشخصيات إسرائيلية تجمع بين (ولائها للفكرة الصهيونية واعترافها بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره)، وقد أجري اللقاء الأول في باريس عام 1976.

وكان السرطاوي قد قدم استقالته من عضوية المجلس الوطني الفلسطيني، الذي عقد اجتماعاته الأخيرة في الجزائر، وذلك بسبب موجة الاحتجاجات التي جوبه بها، بسبب استمرار اتصالاته مع لجنة السلام- الإسرائيلية، واليسار الاسرائيلي المعتدل، غير أن عرفات رفضها.

 في العاشر من نيسان يوم الأحد لعام 1983، استشهد السرطاوي، في ذكرى استشهاد القادة كمال عدوان، وابو يوسف النجار، وكمال ناصر، وقالت الأنباء في حينها أن مرتكب الجريمة فر عبر ممرات الفندق حاملاً مسدسه، حيث تصادف وجود شمعون بيريز في بهو الفندق أثناء تنفيذ عملية الاغتيال، وعلى الرغم من ذلك، فإن القاتل كان مكلفاً باغتيال السرطاوي، ولم يلتفت على الإطلاق إلى شمعون بيريز، ما اثار الحدث استنكار عربي وعالمي.

كان السرطاوي قد وجه قبلها بيوم واحد رسالة الى رئيس الاشتراكية الدولية فيلي براندت، جاء فيها" أن المفاوضات لحل النزاع في الشرق الأوسط، هي الخيار الوحيد القائم امامنا كأناس حضاريين، وأنه من خلال الاعتراف بهذا المبدأ، فقد اتخذت منظمة التحرير سلسلة قرارات تاريخية هامة، وفي مقدمتها القرارات السماح بإجراء حوار مع القوى التقدمية والديمقراطية في اسرائيل وقبول مبادرة السلام التي كان قد طرحها الزعيم السوفيتي الراحل بريجينيف والتي تحدثت عن جميع سكان المنطقة العيش ضمن حدود امنة بما في ذلك اسرائيل نقل السرطاوي والذي كان العلم الفلسطيني يلف جثمانه إلى عمان ودفن فيها، فتح وقد شارك في الجنازة كل من القائد ابو جهاد و ابو جعفر حيث شيع الشهيد في موكب مهيب، ودفن بالقرب من سعيد حمامي.

وبحسب مقال نشر عام 1983 في "البيادر السياسي"، فإن ابو عمار لدى سماعه بنبأ استشهاد السرطاوي قال -حيث كان يجري محادثات مع رئيس الجمهورية العربية اليمنية-، ان استشهاد عصام خسارة كبيرة للثورة الفلسطينية وليس من قبيل المصادفة أن يأتي استشهاده في الذكرى العاشرة لاستشهاد الأبطال الثلاثة النجار وناصر والعدوان.

وأشار ابو عمار في كلمة القاها امام المقاتلين الفلسطينيين المتواجدين في اليمن الشمالي بمواقف الشهيد السرطاوي دفاعا عن حق شعبه وعن قضيته. يشار إلى أن صبري البنا (أبو نضال) أعلن مسؤولية تنظيمه عن عملية الاغتيال وقد جرح أثناء أطلاق النار عليه أنور أبو عيشة.

 وفي حديث صحفي نشر على وسائل الاعلام، أدلى به السرطاوي أثناء انعقاد المؤتمر في لشبونة وحول تحركه واتصالاته مع القوى التقدمية والديمقراطية في اسرائيل قال: نحن في م.ت.ف نؤمن بضرورة طرح قضيتنا على الرأي العام العالمي في كافة أوساطه الرسمية والشعبية و م.ت.ف إيماناً منها بهذا الهدف أخذت مبادرات على الساحة الدولية وتحديداً في الساحة الأوربية، أننا نحاول توضيح موقفنا لتنسجم مع الهدف الذي تسعى جميعاً , وهو إقرار سلام عادل في الشرق الأوسط ويهمنا أن ننقل كيف نفكر, بماذا نفكر, وكيف نأمل أن نصل إلى تحقيق السلام العادل مركزين ان سلاماً عادلاً لا يمكن ان يتحقق إلا من خلال الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة للشعب الفلسطيني وهي تحديد الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة والاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة ممثلة بحقه في تقرير المصير وحق العودة وحق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

يقول السرطاوي أن صناعة السلام هي أصعب من صناعة الحرب، لأن الحرب يمكن الاعداد لها سرا اما السلام فطريقه هي الوضوح ومواجهة الجماهير من أبناء الطرفين، ان صنع السلام في حاجة دائما الى الحلفاء القادرين على الاسهام في صنعه وان السلام يحتاج الى الحوار وان على العرب تقوية وتشجيع معسكر السلام في اسرائيل لوضع حد لسياسة الاضطهاد وانهاء الاحتلال والاعتراف الكامل بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

ha

التعليقات

حماس كشركة قابضة

كتب: رئيس تحرير صحيفة الحياة الجديدة

هل تعلمون أن قرابة العشرين ملياردولار هي مجموع تحويلات السلطة الوطنية لقطاع غزة، خلال العشر سنوات الماضية، وهي سنوات الانقسام القبيح، سنوات سلطة حماس الانقلابية، التي لاتزال تجهض تباعا كل محاولة لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية لكامل عافيتها، وبمسلسل طويل ومكرر من خطاب الكذب والافتراء والتضليل، ومسلسل اطول وابشع من سياسات القمع  والاعتقال وملاحقة مختلف الحريات العامة ..!!

وهل تعلمون أن قرارا من الرئيس ابو مازن جعل من التأمين الصحي لكل اهالي قطاع غزة مجانيا،  ومع ذلك ما زالت سلطة حماس الانقلابية تفرض رسوما على مراجعة المشافي هناك، بل وانها تأخذ ثمن الأدوية التي تصرفها هذه المشافي للمرضى، علما انها ادوية ليست للبيع، واكثر من ذلك فإن مجموع الأدوية التي ترسلها وزارة الصحة من هنا، يجري تهريب بعضها الى خارج المشافي لتباع في الصيدليات برغم  انها موسومة بأنها ليست للبيع ...!!

وهل تعلمون ان السولار الذي يحول الى قطاع الكهرباء في غزة، تسرق اجهزة حماس جله لإنارة انفاق التهريب، وليباع ما يفيض منه في السوق السوداء لأصحاب  مولدات الكهرباء الصغيرة ..!!

وهل تعلمون ان رواتب الأسرى والشهداء والشؤون الاجتماعية لم تنقطع يوما عن غزة، اضافة الى رواتب العاملين في الصحة والتربية، وهل تعلمون ان وزارة التربية في حكومة الوفاق الوطني، توزع الكتب المدرسية مجانا على طلاب قطاع غزة، ولا تفرض اية رسوم على الدراسة هناك، لكن سلطة حماس الانقلابية تبيع الكتب وتفرض الرسوم، ولاشيء بالمطلق من جباياتها وضرائبها التي تفرضها على اهلنا في القطاع المكلوم يحول الى خزينة السلطة الوطنية ..!!

وهل تعلمون ان مياه الشرب في غزة ملوثة باكثر من تسعين بالمئة، ما دفع بالرئيس ابو مازن للبحث عن محطة تحلية للمياه لإقامتها على شواطئ غزة، بتمويل اوروبي وقد تحصل على ذلك خلال زيارته لبرشلونة عام 2011 لإقامة هذه المحطة بقيمة 500 مليون دولار، غير ان سلطة حماس الانقلابية رفضت تخصيص ارض لهذه المحطة، بزعم ان اراضي الساحل الغزية جميعها معسكرات للمقاومة (..!!) وعلى ما يبدو انه من  اخلاق المقاومة الحمساوية، ان يظل اهلنا في غزة يشربون المياه الملوثة، لأن العافية وسلامة الصحة ليست من سمات المقاومين ..!!!

وهل تعلمون ان عملية  إعادة الاعمار في غزة تحولت الى سوق سوداء يباع فيها الاسمنت المخصص لهذه العملية، ولهذا ما زالت تتعثر تباعا، ولا يبدو انها ستمضي في دروبها الصحيحة، طالما بقيت سلطة حماس الانقلابية ترعى هذه السوق بأمرائها الذين باتوا من اصحاب الملايين ..!!

وهل تعلمون وينبغي ان تعلموا، ان هذه السلطة الانقلابية تفرض الضرائب وكيفما اتفق، على الاحياء والاموات معا هناك، اذ هي تبيع القبور وتفرض رسوما على الدفن وأسألوا  اهل غزة عن ذلك ..!! وبالضرائب والاستحواذ والهيمنة على كل الموارد واسواق البيع السوداء والبيضاء معا، باتت  حركة حماس كأنها شركة قابضة، لكن حتى دون قوانين عمل هذه الشركة وغاياتها الانتاجية، سوى غاية الربح ومراكمة رأس المال ..!!

 اذا قرابة العشرين مليار دولار خلال عشر سنوات هي تحويلات السلطة الوطنية لقطاع غزة، واكثر من 120 مليون دولار سنويا من جبايات حماس لا يجري تحويل اي قرش منها لخزينة السلطة الوطنية، والبعض هنا قال ان تحويلات السلطة الوطنية، تمويل للانقلاب الحمساوي ولابد من وقف هذا التمويل، لكن الرئيس ابو مازن قرر الا يدفع اهلنا في غزة ثمن هذا الانقلاب، فأبقى على هذه التحويلات، لكن بلغ السيل الزبى كما يقال، وآن الاوان ان تتحمل حماس نتائج رفضها للوحدة الوطنية، واصرارها على تأبيد الانقسام البغيض، غير ان هذا لا يعني ولن يعني ان السلطة الوطنية ستتخلى عن مسؤولياتها تجاه اهلنا في القطاع المكلوم، لكن على حماس ان تعرف وان تدرك ان مهمة انهاء الانقسام البغيض وتحصين الوحدة الوطنية، هي من صلب مهمات الحركة الوطنية بقيادتها الشرعية، ولن تتخلى عن هذه المهمة، أيا كانت الصعوبات والعراقيل التي تواجهها، وستعمل على تحقيق اهدافها النبيلة حتى بجراحات عميقة، ولن ينفع سلطة الانقلاب الحمساوية ان تواصل خطاب الأكاذيب والافتراءات لإحباط هذه المهة، وحتى تفيء الى رشدها، الرشد الذي ما زال غائبا حتى اللحظة، لاخيارات عديدة امامها، فإما ان تتحمل كافة  مسؤوليات الحكم في غزة، مسؤوليات العقد الاجتماعي الذي يؤمن الخبز والكرامة والامن والامان سوية، وإلا فعليها مغادرة الحكم، لحكومة وحدة وطنية وانتخابات شاملة، وهذا هو الخيار الوحيد الامثل اذا ما ارادت لها مستقبلا في الحركة الوطنية الفلسطينية، وبكلمات اخرى واخيرة فإما التعقل الوطني بقيمه النضالية والاخلاقية الرفيعة،  وإما على حماس ان تحصد عواصف الريح التي تزرع .    

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017