أبو دوّاس.. حارس انتفاضة الحجارة

- يفتح يوم الأسير ذاكرة فواز أبو دوّاس على مصراعيها، فقد كان أول حالة اعتقال تنفذها وحدات المستعربين خلال انتفاضة الحجارة في الضفة الغربية وغزة، ويومها، تدرب عناصر "الدوفدفان" و"شمشون" على التنكر للإيقاع بالشبان بطرق كثيرة.

يروي خلال الحلقة (64) من سلسلة "أصوات من طوباس" لوزارة الإعلام في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، بشعر اصطبغ بالأبيض: "لا أنسى طريقة اعتقالي، ويومها تم اختطافي أنا ومحمد عودة من بيت فوريك، وعبد الغني أبو الهيجاء من اليامون، وشاب رابع من بلدة قباطية، وحينها كانوا يفحصون مدى نجاح القوات الخاصة في مهماتها الجديدة".

مستعربون

أتذكر يوم 21 أيلول 1989، كنت أبيع الدواجن، وشاهدت سيارة (فولكس) تتوقف أمام المحل، فنزل منها ثلاثة يلبسون الزي المدني، وسألوني عن أسعاري، وحين تأكدوا مني، اعتقلوني، ونقلوني إلى معسكر فحمة، ثم جنين، والفارعة، وصولا إلى النقب. وعلمت لاحقا أن دوريات الجيش كانت تطوّق الشارع.

ويتباهى أبو دوّاس، الذي أبصر النور مطلع عام 1960، بتوثيقه لأحداث الانتفاضة الشعبية، وجمع بيانات القيادة الوطنية الموحدة لها، وحفظه لقصاصات جرائد غطت فعالياتها، مثلما يصون ذكرى شهداء طوباس، بملصقات أُعدت بخط اليد.

يسرد: بدأت بجمع أرشيف الانتفاضة، كونها محطة كفاحية مهمة في تاريخ شعبنا، وأيقنت يوم اشتعالها من جباليا أنها ستكون منعطفا لقضيتنا، ولذا فهي بحاجة لأن ننقل تفاصيلها لحظة وقوعها إلى الأجيال القادمة، وألا نغفل عن توثيق يومياتها وفعالياتها وواقعها. ويقدم الأرشيف إضاءة للهبة الشعبية الطويلة، وبدأت به لأنني أعتبر الماضي بالغ الأهمية، وحجر الأساس للمستقبل، وعلينا جمع ما نعاصره من أحداث.

ووفق الشغوف بالوثائق، والذي تعرض لاعتقال إداري لعامين، فإن أول محطة وثقها كانت لأحداث يوم الأرض عام 1976، حين كتب بخط يده مجرياتها، وجمع قصاصات من الصحف تحدثت عنها، ويومها كان في التاسعة عشرة.

 

خسارة

يتابع أبو دوّاس: المضحك والمبكي أنني فقدت كثيرا من وثائقي وما ساعدني زملاء وأصدقاء على جمعة، فقد أخفيتها في مدخل الطابون خشية أن تقع في يد الاحتلال، الذي كان يقتحم بيتنا بحثًا عن أخي الراحل صلاح، ولم أخبر أمي بأمرها، إلى أن اعتقلت لأول مرة عام 1989. وحين خرجت، رحت أبحث عن أوراقي، فلم أجدها، فذهبت إلى والدتي، التي قالت مبتسمة إنها استخدمتها كوقود للطابون، وخافت من أن يهدم الاحتلال بيتنا بسبب البيانات وصور الشهداء والجرائد، فتحسرت على فقدانها.

خسر الراوي الكثير من البيانات الأصلية للقيادة الوطنية الموحدة، وقصاصات من صحف "القدس" و"الشعب" و"الفجر" و"الاتحاد"، ومجلة "البيادر السياسي"، وكتب كان يلاحقها الاحتلال كـ"الضحية تعترف"، و"فلسطيني بلا هوية"، و"خط المواجهة"، وغيرها.

يقول أبو دوّاس: تغير المفهوم الوطني بين واقع الانتفاضة، وما هو عليه الحال اليوم، فالالتزام الشعبي بالقرار الوطني كان متينًا، وكان للنداءات التي تلقى في الشوارع وقع خاص، وقوة قرارات تستطيع توجيه البلد بأكملها، وتسيّر أمورها، وسبب ذلك الحالة النضالية السائدة، والوحدة والتلاحم، والعمل الجماعي.

ويعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي لو كانت متوفرة حلال الانتفاضة، لما استطاعت فعل شيء، لأن (الفيس بوك) "كذبة كبيرة"، وبوسع من يحتسي القهوة، أو يجلس تحت جهاز تكييف أن يكتب ما يريد من بيانات، بينما كان التشاور لإعداد وتوزيع البيانات وطباعاتها عمل خطير، يعرض صاحبه للاعتقال والقتل، ولم يكن التداول بالبيانات أمرًا وهميًا، أو متاحًا لأي أحد لصياغته، بعكس البيانات الافتراضية اليوم، التي لا تخرج إلى الميدان أو تتحول إلى فعل أو تملك قوة.

بيانات

يستعيد أبو دوّاس: كان الناس يتسابقون للحصول على نداءات الانتفاضة، التي توزع في جوف الليل، وكانت مجهولة المصدر وطريقة النقل، وأذكر أن شوارع طوباس كانت تخلو من البيانات مع أول بزوغ للفجر، وكانت الفصائل الوطنية كلها تساهم في توزيعها، ويُعاد إلقاء أبرز الفعاليات، وبخاصة الدعوة إلى الإضراب التجاري في مكبرات الصوت والمساجد، إضافة إلى الحرص على رقم البيان.

يتابع: كان للبيان رقم (6) قصة مختلفة، وانتظرناه بفارغ الصبر لأضيفه إلى أرشيفي؛ لأنه حمل التحدي لما يسمى قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال (عمرام متسناع)، الذي راهن على أن القيادة الموحدة لن تستطيع إصدار بيان تالي، بعد الوصول إلى مطبعة في أبو ديس، اتهمت بطباعتها.

يضيف: لم تكن هوية القيادة الموحدة، التي شاع اختصارها (ق.و.م) معلومة لنا، وكان الفضول كبيراً لمعرفة آلية توزيعها، ولجنة صياغتها، وطرق نقلها وإيصالها للمناطق كافة في وقت متزامن.

وبحسب الراوي، فإنه عرف لاحقًا طريقة التمويه في توزيع البيانات، التي كانت تتم بمساعدة فتية، وباستخدام مركبات، وإشارات بسيطة كرمي سيجارة على الأرض في مكان ما، للدلالة على أمان المنطقة.

ومما يقرأه من البيان رقم (1):" على جميع قطاعات شعبنا البطل في كل مكان، الالتزام بالدعوة إلى الإضراب العام والشامل من تاريخ 11/ 1/ 1988، ولغاية مساء الأربعاء 13/ 1/1988، يشمل الإضراب كافة المرافق التجارية العامة والخاصة، وقطاع العمال، والمواصلات... وسيكون شعار الإضراب فليسقط الاحتلال عاشت فلسطين حرة عربية.

 

وجع

ومما لا يسقط من ذاكرة أبو دوّاس ووثائقه وتدويناته: اجتماع نساء طوباس على تخليص الشاب جهاد مساعيد من قبضة الجنود، وإفشال النساء لخطط اقتحام المنازل ومساعدتهن في توفير طرق آمنة بين البيوت، وحكاية الشهيدة رشيقة دراغمة التي حمت بجسدها الشبان من رصاص الاحتلال، وقصة الشاب عمار عبد الرازق، الذي أخبر أهالي الحي أنه سيرتقي شهيدًا بعد صلاة الجمعة، وأعد نفسه واغتسل قبل الصلاة. وحكاية الشهيد حكمت دراغمة، الشاب العائد من إجازته الدراسية في رومانيا، الذي قتله جنود الاحتلال، وألقوه بين حقول الزيتون وسمعهم المتوجهون إلى العمل يتحدثون بالعبرية عن شهيد في بلدهم، ولم يصل المواطنون له إلا بعد ساعات من البحث. وتسكنني قصة الشهيدين باسم ونازك صوافطة، حين قتلهما القناص ذاته في حارتنا يوم 21 كانون الأول 1987، بفارق وقت قصير.

درس أبو دوّاس في طوباس للصف الخامس، ثم انتقل إلى جمعية المشروع الإنشائي العربي في أريحا، بعدها تعلم فني طباعة في دار الأيتام الصناعية بالقدس، وعمل في السعودية والأردن خمس سنوات، وحصل قبل ذلك على المترك الإعدادي، وعاد إلى دراسة الثانوية العامة بعد انقطاع 13 عاماً، وانضم للدراسة الجامعية عقب عشرين سنة، لكنه لم يكمل، وانتقل إلى الأمن الوطني، والتحق بالعمل الإداري في جامعة القدس المفتوحة منذ عام 2004، وهو اليوم أمين سر جمعية الهلال الأحمر، وأمين الصندوق لجنة الزكاة، ورئيس جمعية طوباس التعاونية للثروة الحيوانية، وناشط مجتمعي.

توثيق

بدوره، أشار منسق وزارة الإعلام في طوباس والأغوار الشمالية عبد الباسط خلف إلى أن الوزارة تعكف على إنتاج سلسلة ومضات مرئية لمناسبة السنوية الخمسين للنكسة، من خلال سرد حكايات لأول الشهداء والأسرى والجرحى، ولوصف أول قصف لشاحنة كانت تقل نازحين إلى الأردن، ولرصد تدمير تجمعات الحمة والدير والساكوت في حزيران 1967.

وأضاف: أنتجنا قبل أيام فيلمًا قصيراً تتبع عطش الأغوار ونهب الاحتلال لمياهها، قدمته 14 من صحافيات طوباس الصغيرات، المشروع الذي ترعاه الوزارة وجمعية طوباس منذ خمس سنوات، بالشراكة مع مركز التعليم البيئي، وجاء الفيلم بالتعاون مع مجموعة الهيدرولوجيين.

ـــــ

ha

التعليقات

حماس كشركة قابضة

كتب: رئيس تحرير صحيفة الحياة الجديدة

هل تعلمون أن قرابة العشرين ملياردولار هي مجموع تحويلات السلطة الوطنية لقطاع غزة، خلال العشر سنوات الماضية، وهي سنوات الانقسام القبيح، سنوات سلطة حماس الانقلابية، التي لاتزال تجهض تباعا كل محاولة لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية لكامل عافيتها، وبمسلسل طويل ومكرر من خطاب الكذب والافتراء والتضليل، ومسلسل اطول وابشع من سياسات القمع  والاعتقال وملاحقة مختلف الحريات العامة ..!!

وهل تعلمون أن قرارا من الرئيس ابو مازن جعل من التأمين الصحي لكل اهالي قطاع غزة مجانيا،  ومع ذلك ما زالت سلطة حماس الانقلابية تفرض رسوما على مراجعة المشافي هناك، بل وانها تأخذ ثمن الأدوية التي تصرفها هذه المشافي للمرضى، علما انها ادوية ليست للبيع، واكثر من ذلك فإن مجموع الأدوية التي ترسلها وزارة الصحة من هنا، يجري تهريب بعضها الى خارج المشافي لتباع في الصيدليات برغم  انها موسومة بأنها ليست للبيع ...!!

وهل تعلمون ان السولار الذي يحول الى قطاع الكهرباء في غزة، تسرق اجهزة حماس جله لإنارة انفاق التهريب، وليباع ما يفيض منه في السوق السوداء لأصحاب  مولدات الكهرباء الصغيرة ..!!

وهل تعلمون ان رواتب الأسرى والشهداء والشؤون الاجتماعية لم تنقطع يوما عن غزة، اضافة الى رواتب العاملين في الصحة والتربية، وهل تعلمون ان وزارة التربية في حكومة الوفاق الوطني، توزع الكتب المدرسية مجانا على طلاب قطاع غزة، ولا تفرض اية رسوم على الدراسة هناك، لكن سلطة حماس الانقلابية تبيع الكتب وتفرض الرسوم، ولاشيء بالمطلق من جباياتها وضرائبها التي تفرضها على اهلنا في القطاع المكلوم يحول الى خزينة السلطة الوطنية ..!!

وهل تعلمون ان مياه الشرب في غزة ملوثة باكثر من تسعين بالمئة، ما دفع بالرئيس ابو مازن للبحث عن محطة تحلية للمياه لإقامتها على شواطئ غزة، بتمويل اوروبي وقد تحصل على ذلك خلال زيارته لبرشلونة عام 2011 لإقامة هذه المحطة بقيمة 500 مليون دولار، غير ان سلطة حماس الانقلابية رفضت تخصيص ارض لهذه المحطة، بزعم ان اراضي الساحل الغزية جميعها معسكرات للمقاومة (..!!) وعلى ما يبدو انه من  اخلاق المقاومة الحمساوية، ان يظل اهلنا في غزة يشربون المياه الملوثة، لأن العافية وسلامة الصحة ليست من سمات المقاومين ..!!!

وهل تعلمون ان عملية  إعادة الاعمار في غزة تحولت الى سوق سوداء يباع فيها الاسمنت المخصص لهذه العملية، ولهذا ما زالت تتعثر تباعا، ولا يبدو انها ستمضي في دروبها الصحيحة، طالما بقيت سلطة حماس الانقلابية ترعى هذه السوق بأمرائها الذين باتوا من اصحاب الملايين ..!!

وهل تعلمون وينبغي ان تعلموا، ان هذه السلطة الانقلابية تفرض الضرائب وكيفما اتفق، على الاحياء والاموات معا هناك، اذ هي تبيع القبور وتفرض رسوما على الدفن وأسألوا  اهل غزة عن ذلك ..!! وبالضرائب والاستحواذ والهيمنة على كل الموارد واسواق البيع السوداء والبيضاء معا، باتت  حركة حماس كأنها شركة قابضة، لكن حتى دون قوانين عمل هذه الشركة وغاياتها الانتاجية، سوى غاية الربح ومراكمة رأس المال ..!!

 اذا قرابة العشرين مليار دولار خلال عشر سنوات هي تحويلات السلطة الوطنية لقطاع غزة، واكثر من 120 مليون دولار سنويا من جبايات حماس لا يجري تحويل اي قرش منها لخزينة السلطة الوطنية، والبعض هنا قال ان تحويلات السلطة الوطنية، تمويل للانقلاب الحمساوي ولابد من وقف هذا التمويل، لكن الرئيس ابو مازن قرر الا يدفع اهلنا في غزة ثمن هذا الانقلاب، فأبقى على هذه التحويلات، لكن بلغ السيل الزبى كما يقال، وآن الاوان ان تتحمل حماس نتائج رفضها للوحدة الوطنية، واصرارها على تأبيد الانقسام البغيض، غير ان هذا لا يعني ولن يعني ان السلطة الوطنية ستتخلى عن مسؤولياتها تجاه اهلنا في القطاع المكلوم، لكن على حماس ان تعرف وان تدرك ان مهمة انهاء الانقسام البغيض وتحصين الوحدة الوطنية، هي من صلب مهمات الحركة الوطنية بقيادتها الشرعية، ولن تتخلى عن هذه المهمة، أيا كانت الصعوبات والعراقيل التي تواجهها، وستعمل على تحقيق اهدافها النبيلة حتى بجراحات عميقة، ولن ينفع سلطة الانقلاب الحمساوية ان تواصل خطاب الأكاذيب والافتراءات لإحباط هذه المهة، وحتى تفيء الى رشدها، الرشد الذي ما زال غائبا حتى اللحظة، لاخيارات عديدة امامها، فإما ان تتحمل كافة  مسؤوليات الحكم في غزة، مسؤوليات العقد الاجتماعي الذي يؤمن الخبز والكرامة والامن والامان سوية، وإلا فعليها مغادرة الحكم، لحكومة وحدة وطنية وانتخابات شاملة، وهذا هو الخيار الوحيد الامثل اذا ما ارادت لها مستقبلا في الحركة الوطنية الفلسطينية، وبكلمات اخرى واخيرة فإما التعقل الوطني بقيمه النضالية والاخلاقية الرفيعة،  وإما على حماس ان تحصد عواصف الريح التي تزرع .    

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017