خالد أبو خالد: الباصات رايحة على فلسطين

(ضيف وفا 15)

رام الله -  يامن نوباني

منذ خمسين عاما وهو يكتب لفلسطين، ناثرا فوق ربوعها خمسة عشر مؤلفا شعريا، ليلتقطها المنسيون والمنفيون والمصابون بالحنين القاسي للبلاد المحتلة. وحين يغيب عنه الهام القصيدة، يرسم.

ولد الشاعر والفنان التشكيلي خالد أبو خالد، في بلدة سيلة الظهر في جنين، سنة 1937، ودرس في مدارس القرية وكلية النجاح الوطنية في نابلس، وهناك تعرف على الشهيد عبد الرحيم محمود صاحب "سأحمل روحي على راحتي  وألقي بها في مهاوي الردى، فإمّا حياة تسرّ الصديق  وإمّا مماتٌ يغيظ العدى"، والذي استشهد في معركة الشجرة عام 1948.

من الذين أتيح لهم شرف الالتقاء بالشهيد الأديب غسان كنفاني والشهيد الفنان ناجي العلي، عرفت قصائده بأنها طويلة، ربما لتلائم رحلة النفي والتشرد الفلسطيني في كل العالم.

أستشهد والده محمد صالح الحمد، وكان من مجموعة الشهيد عز الدين القسام، مع خمسة من رفاقه قرب دير غسانة في رام الله في 18 أيار 1938، ودفن قرب مقام النبي لاوين في سيلة الظهر، ثم رحل جده الذي كان يعيلهم، مما اضطره للعمل في كل شيء ليواصل الحياة. في صغره كان يذهب للمقام المذكور وينشد قصائده على قبر والده الشهيد.

صغّرت أمه جاكيت والده الشهيد بما يناسب حجمه، فصار خالد في البيت هو محمد، عاش بين عمان والأردن والكويت، واستقر في سوريا، عمل في المقاومة التي أغنت قاموسه الشعري، وعمل في الصحافة وخاصة في الشؤون الثقافية في الكويت وسوريا، وحاور أدباء ومفكرين ومغنين كبار في الوطن العربي.

يقول في إحدى مقابلاته: حين أحن إلى نابلس أو الخليل أو القدس أو أي مدينة فلسطينية أخرج للمشي في دمشق، فنابلس هي دمشق الصغرى.

لبست أمه الأسود عشرين عاما، يقول: كان يليق بها الأسود. عمل في معصرة بلدته، وفي فك التبغ فوق السطوح، وقطف الزيتون، والفلاحة، والبيع المتجول، والمطاعم، وتعبيد الطرق، ومساعد سائق تراكتور، وفي عمان حلم بشراء فستانا ملونا لوالدته.

التصق جيلنا ومن سبقونا والآتون بأشعار خالد التي أصبحت أغاني على جدران المخيمات وفي ليل السجون، وفي غضب أطفال الحجارة وهم يعدون المتاريس، وخاصة: هلي علينا يا بشايرنا هلي، ظليت أغني وأشعل الدنيا بارود، وأكتب تاريخ العزة بعد المذلة، احنا تخطينا وتعدينا هالحدود، وطنا غالي واللي يخون يولي.

اضافة إلى: زغردي يا ام الجدايل زغردي، وزيني فخر الأصايل بالودع، وازرعي الحنة على الصدر الندي، واربطي عصبة على كل الوجع، زغردي يا ’ام الجدايل', زغردي، وانطري هالموسم لو انه يطول، واشعلي سراجك عالعالي ورددي، ظلم الليالي, والظالم لازم يزول.

"وفا"، وضمن سلسلة حوار مع مبدعين (ضيف وفا) حاورت خالد ابو خالد في شعره وحياته وفلسطين..

انت صاحب اغاني كثيرة ما زالت تجوب الشارع الفلسطيني كهلي علينا يا بشايرنا هلي؟ بماذا تشعر حين تسمع اغانيك تتناقل بين الأجيال؟

يتعزز في هذه الحالة إيماني بأنني مرتبط ارتباطا عضويا بشعبنا بتاريخه بمعاناته بعذاباته وكفاحه الطويل، أحس في هذه الحالة أنني حي بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى فلا أغاني تأتي من خارج وجداننا الشعبي، فالأغاني كلها تنبع من الوجدان وتذهب إليه مصفاة ونقية وحاملة ومحتفظة بمجده وانتصاراته ومعزولة بسبب انكساراته، لكن هذا الشق الثاني من الجملة يحرض أكثر على الحياة وضرورة انتصاراتها وحتميتها.

كنت تمسك مفتاح بيتك بشكل يومي وتقول انا عائد الى بيتنا؟ من أين يأتيك الايمان بالعودة؟

إذا كنت متصلا بشعبك وقد أصبح في نسيج الروح، كفاحه المتواصل طوال ما يزيد من قرن. هذا يدعوك للإيمان بالغد، الغد الذي يعني تحرير فلسطين وعودة أهلها إليها، وأهمية هذا تأتي من الراهن الذي نعايشه، حيث حركة الشعب دائما فوارة بكل ما هو إيماني ومضيء، من هنا أكاد أرى أو أسمع أن هناك دق على بابي في المنفى والشتات أو المخيم، وهناك صوت يقول لي "يلى أبو خالد، الباصات وصلت ورايحة على فلسطين ".

حدثنا عن أبرز مراحل حياتك الشعرية والفنية؟

أبرز مراحل حياتي هي انفتاحي على الثقافة، بداية من الموروث الشعبي وصولا إلى الموروث الشعري الذي سجله فرسان الشعر في حياتنا العربية، وهذا نشأ معي في القرية ويتواصل في مشهدنا الكفاحي الراهن المحمول على الأغاني التي يفجرها من القرية إلى المدينة، فحسب الشاعر أن يكون حاديا للعيس.

هل ما زلت تكتب الشعر لفلسطين؟ هل هناك عمل جديد؟

سؤالك الرابع يا صديقي ليس واردا وغريب هل ثمة لدى الشاعر ما يكتبه سوى فلسطين، أما عملي الجديد فهو عمل شعري تحت عنوان "من كتاب الشأم"، وهو في ثلاثة أجزاء أولها الشام وخاتمها الشام وفي القلب فلسطين.

اليوم هل الأغنية الوطنية بخير؟

اليوم أستطيع القول أن الأغنية الوطنية كانت دوما بخير من نوح ابراهيم وصولا إلى أبو عرب مرورا بكل شعراء الأغاني، بمن فيهم خالد أبو خالد، والأغنية الوطنية ليست حمالة أوجه ولكن وجهتها فلسطين.

حين استشهد والدك صغرت والدتك جاكيته ولبسته انت.. حدثنا عن والدك؟

عن أبي أقول .. تربيت على ضريحه فهو واحد من القساميين الخمسة الذين فجروا الثورة وقادوها، واستشهد، كنت في العام الأول من عمري وبالتالي عرفته حلما، وفي الحلم فقط، وظل يسكنني كحلم وأتمثله مثلا وقدوة، قاتل بشجاعة واستشهد في سبيل فلسطين، الكلام هنا كثير وقد أحالني الناس دائما للحديث عنه إلى الذين رافقوه وكاتبوه وقاتلوا معه، حتى الآن لم التقي رجلا يعرفه او تحدث عنه إلا وبكى حزنا عليه، رثاه أبو سلمى شاعر فلسطين الأكبر ورثاه جد الشاعر أبو عرب.

قلت في حديث سابق: كل شيء يجرح فهو سلاح.. هل ما زالت الاغنية الوطنية وسيلة مقاومة قادرة على المجابهة والتغيير؟

الأغنية الوطنية كما الشعر كما الأدب كما الثقافة، في الجوهر وفي الحقيقة سلاح يجرح وهذا كل يشد من معنوياتنا، وهي وسائل مقاومة قادرة على المجابهة ومراكمة خمائر التغيير.

حدثنا قصة اغنية زغردي يا ام الجدايل..

"زغردي يام الجدايل زغردي" قصة فجرتها في ذات يوم من أيام 1948، امرأة محلولة الجدائل تلبس فستانا أخضر مزينة ومكحلة تواكب جنازة زوجها الشهيد وهي تزغرد وتلوح بذراعيها وأردانها، فهتفت في أعماق وجداني "زغردي يام الجدايل زغردي"، وانفجرت هذه الأغنية في وجداني منذ ذلك التاريخ وكتبتها قبل الانتفاضة بعام وكانت مبشرة بالانتفاضة.

في قصيدته المعلقة على جدار مخيم جنين، يقول خالد:

سنقرأ نقشهم في الارض

 لا للموت، لا للماء من كأس العدوّ

فهل ستسقط في السبات او الموات؟

لم يكذب الأطفال اذ كبروا، ولا اعتذروا من الشهداء

أو قبلوا من الأحياء اعذاراً

ولا أكلوا رغيفاً من أكاذيب السلام".

يكتب: منذ ان كنا على طرفي بلاد كلما اتسعت تضيق وكلما ضاقت تسللنا اليها

ويقول: فلنقاوم اذن، كي نَرى، ونُرى.

وفي قصيدة وطن التي حملت المشهد الأخير من مسلسل الدرب الطويل: قد صرت الآن وطناً تسكنه كل عصافير الزمن القادم.

_

ha

التعليقات

جولة العيد والمحبة

 كتب رئيس تحرير الحياة الجديدة:
ليس صحيحا أن الرئيس أبو مازن أراد من جولته الحرة فيشوارع رام الله، مساء امس الاول، وحضوره بين أهلها على هذا النحو الحميم، أن يرد على شائعات الخارجين عن الصف الوطني التي روجوها على صفحات مواقعهم الالكترونية بصياغات اوهامهم وتمنياتهم البغيضة، والتي تقولت بتدهور صحته، وأنه نقل إلى المدينة الطبية في العاصمة الأردنية لتلقي العلاج ...!!! ليس صحيحا البتة أن الرئيس أبومازن أراد ردا على هذه الشائعات بجولته هذه، وهو الذي ما التفت يوما لسقط الكلام، وهذيانات أصحاب القلوب المريضة، وأدوات الاحتلال الرخيصة، غير ذلك هذا ليس أول رمضان يتجول فيه الرئيس في شوارع رام الله، متفقدا أحوال أسواقها وروادها، فلطالما كانت له هذه الجولات في رمضانات ماضية، ما يعني حرصه على تكريس هذه العلاقة المباشرة مع أبناء شعبه كلما أمكن ذلك، وبعيدا عن خطب السياسة ودروبها التقليدية.

غير ذلك أيضا، حال الرئيس أبو مازن حال الصائمين في كل مكان، ما أن يتفتح ليل رمضان بعد الإفطار على امسياته حتى يتوق الصائم إلى تواصل حميم مع أهله واحبته وأصحابه، وللمسؤول القائد توق أشد، للتفقد والإطلاع عن كثب على أحوال الناس والمدينة، ولايرجو من وراء ذلك غير لقاء الثقة والمحبة،  والمعرفة الصافية بعيدا عن اي تقولات وتقارير، ثم هناك عيد الفطر وقد بات على الأبواب وأسواق المدينة تعج بالباحثين عن بهجة العيد في الملابس الجديدة لفلذات أكبادهم، وما من بهجة للعيد دون بهجة الطفولة، التي تعد واحدة من دلالات تفتح الحياة على المستقبل، وهي في بلادنا دلالات أمل وأمثولة صمود بقوة البطولة الناعمة، بطولة الطفولة في بهجتها، التي تؤكد حتمية مستقبل الحرية والاستقلال ، وما من شك أن الرئيس أبو مازن في جولته قبيل العيد يسعى لتلمس هذه البهجة، تلمس القلب واليد والعين، وهو المؤمن المتيقن بحتمية ذلك المستقبل الزاهر، مستقبل  الدولة السيدة، التي يحمل مشروعها الوطني مع إخوانه في القيادة، طالما ظلت بهجة العيد تشع في أعين أطفالنا، وتسكن روحهم كأجمل سبل التحدي لوجود الاحتلال البغيض، من أجل دحر هذا الوجود مرة وإلى الأبد .

جولة الرئيس أبو مازن في شوارع رام الله وأسواقها هي جولة هذا التحدي، وهذا اليقين، وهذه البهجة، وهي بعد كل قول وتقدير، جولة العيد في أوان معانيه البهيجة الطيبة، وجولة المحبة في طبيعتها الصريحة والحميمة، والصحة صحة القلب دائما  كلما ظل عامرا بالإيمان والتقوى، وهذا هوقلب الرئيس أبو مازن شاهرا طبيعته وصحته في جولته الحرة.

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017