سوسية.. الخربة الخراب

 عُلا موقدي

إلى الشمال من بلدة كفر الديك غرب سلفيت، تقع خربة سوسية، حيث تحتوي على آثار أنقاض قرية كانت عامرة، ولعل سوسية تحريف (سوسي) السريانية بمعنى أحصنة، ويتداول أهل البلدة قصة خرابها "أن فاردة عروس من عقربا في نابلس، مرت من جانبها فخطفها سكان الخربة، واجتمع أهل العروس، وهاجموا الخربة ليلا، وذبحوا كل ساكنيها".

 سوسية التي تتربع على قمة التلة التي تقابل أرض المقابر، وقبل واد أم حنون، حيث يقابلها من الغرب خربه كيساريا، ومن الشمال بركس لمستوطن يعتلي منطقة ظهر صبح، كبداية لبؤرة استيطانية جديدة في المنطقة، ومن الشرق تزحف مستوطنة بروخين، ومن الجنوب الغربي تبتلع الأرض مصانع "عالي زهاف"، تصل إليها عن طريق دخلة ترابية، بالكاد يتم ملاحظتها على الطريق الواصل بين قريتي بروقين وكفر الديك، تمشي فيها بطرق التوائية متعرجة لتصل إلى الجسر، الذي يمر فوقه شارع مستوطنة "عالي زهاف" الالتفافي، الذي يصل بك الى تلال ووديان تعلوها أشجار الزيتون، وتتوزع فيها غرف زراعية.

تصعد التلة فتواجهك بئر تاريخية يزيد عمقها عن 10 أمتار حفرت بالصخر على شكل اجاصه، تمتلئ بالماء، تمشي عبر ممر جوانبه من حجارة مهذبة لتصل أعلى التلة، حيث يتربع مسجد سوسية، الذي لا يزال يحرس المكان بجدرانه التي يزيد عرضها عن المتر، وشبابيكه الضيقة، تدخل من بابه المقوس من جهة الشمال، لتجد أربعة عقود متقاطعة يتوسطها عمود دائري مزخرف، وفي جداره الجنوبي محراب بني بعناية فائقة يعلوه قوس، وقد تهدم زاوية المبنى الشرقية الشمالية، وظهرت آثار حفريات في أرضيته بحثا عن الذهب من قِبل لصوص الآثار، بينما غطت سقفه الأعشاب الخضراء، والأشجار تحيط به من كل مكان حيث شجر الزيتون الرومي، والصبر، والرمان.

وفي الجهة الشرقية من الخارج، تظهر حجارة كبيرة تنزل حوالي المترين عن مستوى أرضية المسجد، ويظهر فيها اختلاف واضح لتعزز رواية المزارعين "بأن هناك بناء رومانيا أسفل الخربة"، ومن الغرب تظهر أسقف المباني، والآبار، والأحواش، والأقواس، التي تزين سقوفها أزهار العشب الطبيعي، لتخفي تحتها تاريخ، وحضارة منسية، تنتظر من يكشفها، ويرممها، ويحافظ عليها، ويعيد لها الحياة.

رئيس بلدية كفر الديك جمال الديك يقول لـ"وفا": تتميز بلدة كفر الديك بطابع جبلي، أكسبها قوة، ومنعة، وجعلها محط اهتمام الحضارات السابقة في البناء على قمم الجبال، فالآثار الرومانية والبيزنطية والإسلامية شاهدة على الحضارات التي مرت عليها من خلال النواميس المحفورة في الصخر، والخرب المترامية على جبالها، والتي يصل عددها إلى 9 خرب، وهي: قيسارية، وإشراف، وديريا، ودير قلعة، وخربتي الحمقة، وبنات بر، ودير سمعان، وخربة عرارة، وسوسية، بالإضافة إلى المقامات الدينية، والتي يشتهر منها أربعة مقامات، وهي: أبو عطاف، والحج عرفان، وأحمد الفقيه، والشيخ صبح، بالإضافة إلى عيون الماء، التي زودت السكان عبر المراحل التاريخية بالماء، وأشهرها ثلاث عيون: الفوارة، وعين صريدة، وعين المزراب، كما اهتم أهالي البلدة ببناء آبار الجمع، التي لا يكاد يخلو منها بيت، أو خربة، أو جبل.

وتعتبر الغرف الزراعية التي بنيت بجانب الخربة الأثرية هي الحامي الوحيد لها، حيث تعددت أشكالها، ونظام البناء فيها، فمنها ما هو بالطوب، وعقد بالخرسانة، ومنها بجدران طوب، والعقد بالزينكو –الصفيح المعدني-، وبعضها جدران، وسقف زينكو، وبعضها الآخر غرف معلقة فوق الشجر، ومبنية واجهات، وسقف بالخشب، ومغطى بالبلاستيك المقوى، حيث يقيم فيها المزارعون أيام العطل، وهي مفروشة، ومزودة بطرق مبتكرة بالكهرباء، عن طريق البطاريات، والإضاءة المخزنة.

المزارع ناجح حرب، الذي يقيم في إحدى الغرف الزراعية الواقعة الى جانب خربة سوسية، يقول: في أوائل الثمانينات أسس المرحوم فيصل عبد المجيد حيث كان يعاني من مرض الربو، فأسس غرفتين، ومعرشا، وكان يربي الأغنام، وتلاه محمود ياسين، وزوجته، اللذان عاشا في غرفتهما الزراعية، ثم توالى بناء الغرف، ليصل عددها الآن (27) غرفة زراعية.

وقد تعرضت (7) غرف للهدم من قبل قوات الاحتلال، بالرغم من أن اصحابها مستكملين لإجراءات الترخيص الزراعي، وبعضها هدم مرتين، وبدعم من مؤسسات، مثل: الإغاثة الزراعية، ومديرية الزراعة، وعلى نفقة المواطنين في معظم الحالات تم انشاء حوالي 15 بئر ماء، وقد تعرضت 6 آبار منها للهدم من قبل قوات الاحتلال.

منسق لجنة الدفاع عن الأراضي في محافظة سلفيت جمال الأحمد يوضح: تم الاستيلاء على معظم أراضي كفر الديك لصالح مستوطنات "عالي زهاف"، و"بدوئيل وبروخين"، كما اعتبر جزء كبير من أراضيها محمية طبيعية، بالإضافة إلى شارع "عالي زهاف" الالتفافي، الذي دمر مساحات واسعة من الأرض، ومنع البناء فيها، تحت حجة ما يسمى "بالارتداد الأمني" للشارع، كما عزل ما يقارب 7 آلاف دونم من الجهة الشمالية، والتي تعرف بالواد الشامي.

تقع بلدة كفر الديك غرب مدينة سلفيت، وتبعد عنها ما يقارب 18 كم، يبلغ عدد سكانها حسب دائرة الاحصاء الفلسطيني المركزي لعام 2016 (5524) نسمة، وتبلغ مساحة مخططها الهيكلي (1251) دونما، وتقدر مساحة أراضيها بـ(17) ألف دونم.

_

ha

التعليقات

هيلي المتهايلة..!!

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

صفق اجتماع مجلس الامن الدولي لخطة السلام الفلسطينية التي عرضها الرئيس ابو مازن في خطابه للمجلس، بالعناوين الواضحة، والطريق الصحيحة المستندة لقرارات الشرعية الدولية الملتزمة بها، وبما يعني ان الاجتماع صفق لصواب الرؤية الفلسطينية، ومصداقية مسعاها لتحقيق السلام العادل الممكن الذي يحقق الامن والاستقرار في الشرق الاوسط، ووحدها مندوبة الولايات المتحدة المتأسرلة على نحو مبالغ فيه، ومعها والى جانبها مندوب دولة الاحتلال الاسرائيلي، بطاقميها من ظلوا مكتوفي الايدي، ولا اسف على ذلك، بل "شكرا" لهما اذ اكدا مجددا انهما وحدهما من يقف ضد السلام وطريقه الصحيحة، بل ومن يعمل ضده لاجهاضه تماما.    

 والواقع انه لم يعد بوسع الادارة الاميركية مع مندوبتها في الامم المتحدة، ان تتوازن حتى في خطابها الذي يغالط ابسط حقائق الواقع ومعطياته، ويناهض ابسط قيم الحق والعدل والسلام، هذه "المندوبة" التي لا تناسبها تاء التأنيث لاسباب شتى يصعب حصرها هنا، تتوهم انها بالمغالطات المفضوحة يمكن لها ان تنال من صواب الرؤية الفلسطينية وخطابها السليم، وتتوهم اكثر انها بذلك تهدد الرئيس الزعيم ابو مازن حين تقول إنه "لم يعد جزءا من الحل بل اصبح مشكلة في وجه السلام". وعلى ما يبدو انها لم تنصت جيدا، كي تفهم وتتعقل، لما قاله الرئيس في خطابه "اننا نملك الشجاعة الكاملة لنقول نعم، والشجاعة الكاملة لنقول لا" وما من (لا) بالغة الشجاعة يعرفها العالم اليوم، غير التي اطلقها الرئيس الزعيم ابو مازن في وجه "صفقة القرن" التي لم تعد بعد قرار الرئيس الاميركي اعتبار القدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال، غير صفقة تدمير لمشروع السلام العادل بحد ذاته.

 سنقول لهيلي "المتهايلة" دوما باتجاه هاوية اليمين العنصري الاسرائيلي، إنه لا سلام في صفقة ترامب، ولا حتى ما يوحي بهذا الهدف النبيل، والرئيس الزعيم ابو مازن بقرار شعبه وارادته، هو من  يتصدى لهذه الصفقة، وسنقرأ جيدا في تهديدات هيلي ومغالطاتها، اعترافا بهذه الحقيقة، لم ترده مندوبة الولايات المتحدة، التي لا تريد ان تفهم بجهل العنصرية وحماقتها، ما قاله الرئيس الزعيم في خطابه "اننا لن نقبل ان تفرض علينا حلول من اي جهة كانت تتنافى مع الشرعية الدولية"، وما من حلول تتنافى مع هذه الشرعية اليوم غير هذه التي تريدها الولايات المتحدة.

من الواضح تماما ان مندوبة الولايات المتحدة، لم تكن في وارد  الانصات  لخطاب الحق والعدل والسلام الذي قدمه الرئيس الزعيم ابو مازن، بدلالة انها لم تتطرق لخطة السلام التي عرضها، الخطة التي لا يمكن لاحد ان يختلف معها اذا ما كان معنيا حقا بالسلام العادل، ثم ان الرئيس ابو مازن عرضها على مجلس الامن الدولي لبحثها واقرارها ولم يطرحها ليقود مفاوضات مباشرة داخل المجلس بشأنها، المفاوضات بعد اقرارها والالتزام بها  وخوضها فورا ومباشرة ودون اي تردد.

ستكلف كثيرا مغالطات الادراة الاميركية التي تهذي بها مندوبتها في الامم المتحدة، وفلسطين لا تريد ابدا غير مساعدة المجتمع الدولي وطبقا لقرارات شرعيته الدولية، حتى لا نذهب الى خيارات لا ترضي احدا، اذ لا يتبع الدم غير الدم.

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018