"غزة والحركة الوطنية الفلسطينية" الكتاب الأول لحسّان بلعاوي

صدر حديثا عن دار الشروق للنشر والتوزيع في الأردن، كتاب بعنوان "غزة والحركة الوطنية الفلسطينية"، للدبلوماسي والإعلامي حسان فتحي البلعاوي .

ويهدي حسان كتابه الأول باللغة العربية، إلى ذكرى والده فتحي البلعاوي الذي عاش في غزة مطلع الخمسينات وشغل منصب نقيب نقابة المعلمين الفلسطينيين، الذي تميز بكونه إطارا جماهيرياً ضم القوى السياسية الرئيسية في ذلك الحين، وقادت النقابة التحركات الجماهرية الكبرى ضد مشاريع توطين اسكان اللاجئين الفلسطينيين في صحراء سيناء.

يتوزع الكتاب الواقع في 224 صفحة من القطع المتوسط، على تسعة فصول تبدأ من تاريخ غزة القديم منذ فترة الكنعانيين، وصولا إلى أعتاب العدوان الإسرائيلي على غزة في نهاية عام 2008 .

ويحاول البلعاوي تقديم وقائع تاريخية ليسقطها على الوضع السياسي الحالي وعرض تفسير للاستخدام السياسي لهذه الوقائع، اعتماداً على تجربته الشخصية والمهنية في المؤسسة الفلسطينية.

الكتاب مزيج من التاريخ المختصر والتحليل السياسي من منظور شخصي لمخاطبة الرأي العام الغربي بهدف إيصال فكرة بسيطة تتمحور حول أن لا سلام ولا استقرار في منطقة الشرق الأوسط دون تحقيق الأهداف الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.

يتناول الكتاب الموقع الاستراتيجي الهام لغزة كمنطقة تواصل بين قارتي آسيا وإفريقيا، لموقعها جنوب البحر الأبيض المتوسط، والتي قال عنها القائد الفرنسي نابليون بونابرت إنها بوابة آسيا وجسر لإفريقيا. كانت أول مركز إداري للكنعانيين في فلسطين، وقلعة متقدمة للفراعنة في مصر تصد الغزوات القادمة من آسيا، وغزة من أقدم مدن العالم كما أظهرت حملات تنقيب الآثار الأوروبية التي بدأت العام 1894 بفريق سويسري مرورا بالبعثات البريطانية خلال الانتداب البريطاني، وصولا للبعثات الفرنسية مع إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، والتي أشارت لوجود مدينة رومانية في مخيم الشاطئ.

يستعرض الكتاب سريعا الحقبات التاريخية التي مرت بها غزة من فترة حكم الامبراطور الاسكندر المقدوني وقيام مدارس فلسفية وجامعة، مرورا بالحقبة المسيحية والتي تركت عدة كنائس وآثار تاريخية هامة ما زالت قائمة حتى اليوم، وانتهاء بالفتح الإسلامي الذي شيد مساجد غنية بالمستوى المعماري، ومنها مسجد السيد هاشم، جد رسول الله محمد "صلى الله عليه وسلم"، والذي أعطى المدينة اسم غزة هاشم، وصولا لحقبة الحروب الصليبية أو حروب الفرنجة التي شهدت صلح الرملة بتوقيع القائد صلاح الدين الأيوبي مع ملك الفرنجة ريتشارد قلب الأسد.

كما يستعرض مرحلة النكبة وأثرها في التغير الجذري لغزة من زيادة سكانية تقدر بنحو 300% نتيجة لتدفق اللاجئين وما فرضه ذلك من وقائع جديدة، ووقائع عقد أول مجلس وطني فلسطيني برئاسة مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني مطلع أكتوبر 1948 في مدرسة الفلاح الذي اعتمد العلم الفلسطيني الحالي، كما دعم إنشاء حكومة عموم فلسطين كأول محاولة كيانية فلسطينية ونالت اعتراف الجامعة العربية آنذاك، وكانت تصدر جواز سفر خاص بها ولديها وزراء ومبعوثون تجولوا في العالم لشرح القضية الفلسطينية، بما في ذلك الجمعية العامة للأمم المتحدة .

تناول البلعاوي الأسباب التي جعلت من جماعة "الإخوان المسلمين" الأكثر تأثيرا في القطاع، والتي خرجت من رحمها الطلائع الأولى المؤسسة لحركة "فتح"، كما تناول تأسيس رابطة الطلاب الفلسطينيين في القاهرة مطلع الخمسينات لتشكل إحدى الحاضنات الرئيسية لولادة الفكرة الوطنية الفلسطينية بإسناد التحركات الجماهرية التي قادتها نقابة المعلمين، كأتلاف بين تياري الإخوان المسلمين والحزب الشيوعي وعدد من الشخصيات المستقلة في إفشال مخطط التوطين.

كما استعرض مرحلة الاحتلال الإسرائيلي الأول للقطاع إثر العدوان الثلاثي على مصر العام 1956، مركّزا على تجربة المقاومة الشعبية وعلى الرفض الشعبي لتدويل قطاع غزة طبقا لمشروع طرحة وزير الخارجية الكندي آنذاك، متناولا بروز الشخصية الوطنية الفلسطينية ببعدها القومي ودعوة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر لتأسيس الاتحاد القومي، ثم المجلس التشريعي العام 1962، وصولا لإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية.

قدم الكاتب قراءة لتطور المشروع الوطني الفلسطيني بقيادة حركة فتح عبر مراحل متعددة، بدءا من معركة الكرامة 1968، مرورا بخروج المقاومة الفلسطينية من لبنان في العام 1982 والذي دفع لعودة الثقل النضالي الفلسطيني للداخل المحتل واشتعال الانتفاضة الأولى من مخيم جباليا أواخر العام 1987، وما صاحب ذلك من "هجوم السلام" الفلسطيني الذي تجسد بدورة الاستقلال في المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر العام 1988، وصولا لحرب الخليج الثانية وما نتج عنها من مؤتمر مدريد للسلام الذي قاد الى اتفاق اوسلو العام 1993 .

يلقي الكتاب الضوء على إنشاء السلطة الوطنية كمرحلة جديدة في مسار الحركة الفلسطينية، تلخص في محاولة الانتقال من الشرعية الثورية الى الشرعية الدستورية، حسب وصف الرئيس محمود عباس لدى اجتماع المجلس المركزي لمنضمة التحرير في تونس في أكتوبر 1993.

ويقدم الكتاب قراءة للمعادلة الصعبة التي حكمت النظام الفلسطيني الوليد بمحاولة الانتقال من حركة تحرر وطني الى بناء مؤسسات دولة، في ظل تجربة فريدة من نوعها في تاريخ الشعوب الواقعة تحت الاحتلال تتمثل في انجاز مهمتين في آن واحد: البناء واستكمال مهام التحرير .

ويبرز الكاتب نهج "المدرسة العرفاتية " نسبة للرئيس الراحل ياسر عرفات في قيادة الشعب الفلسطيني الى بر الأمان بكل الطرق والوسائل، وضمن خيارات وآليات سياسية يصعب فهمها ضمن منطق معيار الإدارة الدولية.

تناول الكتاب اندلاع الانتفاضة الثانية في العام 2000 والتغير الجذري الذي فرضته، مرورا بحصار الرئيس ياسر عرفات واستشهاده وأثر ذلك على مجمل النظام الفلسطيني، ثم انتخاب أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير محمود عباس رئيساً، وانسحاب إسرائيل من قطاع غزة، وصولا الى فوز حركة حماس في انتخابات الدورة الثانية للمجلس التشريعي مطلع العام 2006.

شرح البلعاوي طبيعة وأسباب أول فوز للحركة الإسلامية في المشرق العربي وأبعاده مرورا بالتجربة القصيرة لحكومة الوحدة الوطنية، ثم الانقسام الواقع وسيطرة حركة حماس على غزة، والذي تبعه إعلان اسرائيل للقطاع ككيان معاد، وصولا للمرحلة التي سبقت العدوان الإسرائيلي في نهاية 2008.

الكتاب وإن تحدث بوضوح عن المسؤولية الفلسطينية لمأساة غزة، إلا أنه لا يغفل مسؤولية إسرائيل المباشرة الأصلية ومسؤولية المجتمع الدولي تاريخيا وعلى جميع الأصعدة في استمرار الاحتلال الإسرائيلي.

ويرى الكاتب أن منظمة التحرير الفلسطينية واحدة، قوية وموحدة، تضم جميع القوى الفلسطينية بما في ذلك حماس والجهاد الإسلامي هي وحدها القادرة على صنع السلام القائم على الحد الأدنى من العدل المرتبط بقرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية. ويطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته القانونية والتاريخية والأخلاقية ليعم السلام والعدالة في منطقة الشرق، لتعود غزة مركز التقاء الحضارات كما كانت على مدى العصور.

يذكر أن المؤلف هو دبلوماسي وإعلامي، يعمل منذ 26 عاما في المؤسسات الإعلامية والسياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية. ولد في نابلس في يوليو/ تموز 1965 وأنهى دراسته الجامعية في فرنسا بحصوله على ماجستير من جامعة السوربون في الدراسات الأوروبية وكانت أطروحته الجامعية حول المتاحف في فلسطين، وهو خريج المدرسة الوطنية للإدارة في فرنسا .

ha

التعليقات

لغة المصالحة مرة اخرى

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
يبدو ان الناطق الرسمي باسم حركة حماس، لا يريد للمصالحة الوطنية ان تمضي في دروبها الصحيحة، وهو ما زال يتشبث بلغة الانقسام القبيحة، هذا الى جانب ما يمكن تسميته سلوكيات اعلامية اخرى لقيادات حمساوية لا تريد الاعتراف بأن المصالحة وانهاء الانقسام، تبدأ من الاقرار بسلطة واحدة، وادارة واحدة، وسلاح واحد، وبلغة وسلوك يعكس الالتزام بذلك على نحو بالغ الوضوح.

ما زال هذا الناطق يستخدم ذات الكلمات والتعابير التي سادت فيما مضى (..!!) وما زال لا يرى، او انه لا يريد ان يرى ان المصالحة بحاجة الى لغة تتفتح فيها النوايا الطيبة، لتسوية كافة المعضلات التي اوجدها الانقسام، والاخطر انه ما زال لا يرى ان هذه المعضلات التي تراكمت طوال العشر سنوات الماضية، هي معضلات لم تتحمل حماس مسؤولية معالجتها، ولا بأي شكل من الاشكال، بل تركتها تتراكم بنكران في خطاب قال ذات مرة ان غزة مع حكم حماس تعيش افضل ايامها ...!! هل نذكر بتصريحات الزهار في هذا السياق .؟؟

عشر سنوات من الانقسام غذتها الحروب العدوانية الاسرائيلية الثلاث على القطاع، بمزيد من العذابات والجراح العميقة، جعلت من الحياة هناك، حياة خارج السياق الآدمي الى حد كبير...!! لكن الناطق الرسمي الحمساوي لا يرى من عذابات القطاع المكلوم، سوى اجراءات الرئاسة التي استهدفت في الواقع الضغط العملي لدحر الانقسام البغيض، ولم تكن بالقطع اجراءات "تعسفية ضد اهلنا في غزة" كما يصفها هذا الناطق بلغة الانقسام القبيحة، التي لا ينبغي لها ان تكون بعد الآن، لكي نقول ان المصالحة تتقدم في دروبها الصحيحة. 

وبالقطع ايضا ان هذه الاجراءات، ليست هي السبب في عذابات القطاع المكلوم،        وليست هي التي فاقمت ازمات ومعاناة اهلنا في المحافضات الجنوبية، فليست هي التي ضاعفت الضرائب خارج القانون ودون وجه حق، وليست هي من احكم قبضة الامن التعسفية، والاستيلاء على الاراضي الحكومية وجعلها اعطيات اقطاعية، ولا علاقة لهذه الاجراءات بمعضلة الكهرباء ولا بتلوث البحر أو غيرها من المعضلات والمشاكل، وبالقطع تماما ان هذه الاجراءات ليست هي العنوان الرئيس في المصالحة، ومع ضرورة واهمية تسويتها فإن إلغاءها لن يحل معضلات القطاع دفعة واحدة، ولن يجعل من سنوات الانقسام العشر نسيا منسيا، وكأنها لم تكن بالمرة، وهي على كل حال اجراءات  كانت وما زالت مؤقتة، ستنتهي لحظة تمكن حكومة الوفاق من ممارسة مهامها على اكمل وجه في المحافضات الجنوبية.

عشر سنوات من العتمة، ولا نريد وصفا آخر احتراما للمصالحة، خلفت الكثير من الالم ولا يمكن اختصارها وحصرها في هذا الاطار المفتعل، الذي نرى انه يحاول القفز عن متطلبات المصالحة الوطنية الاساسية، والهروب من مواجهة الواقع وضرورة المراجعات النقدية للسنوات العشر الماضية وتحمل مسؤولياتها على نحو وطني شجاع.

ومرة اخرى سنقول ونؤكد ان للمصالحة لغة ليست هي لغة تلك السنوات العجاف، لغة تسمح بالنقد والمراجعة والاعتراف، ولغة تجعل من دروب المصالحة سالكة تماما بالتروي والحكمة والعبارة الصالحة الخالية من الاتهامات الباطلة والشعارات المنافية للواقع والحقيقة.

وبقدر ما هي المصالحة "ضرورة وطنية لانهاء الاحتلال واقامة الدولة وتحقيق آمال شعبنا" كما اكد ويؤكد الرئيس ابو مازن، فإن لغة المصالحة ضرورة ايضا لكي تستقيم عملية انهاء الانقسام وتؤدي المصالحة، كما يراها ويريدها شعبنا ورئيسنا أبو مازن، دورها في تعزيز مسيرة الحرية والاستقلال.

لغة المصالحة هي لغة الوحدة الوطنية، ولغة الوحدة هي لغة الوطن، لغة فلسطين التي هي دوما لغة الحق والعدل والحرية والجمال.

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017