مراسيل الأسرى

 رشا حرزالله

بعد عامين، جاءه صوت أبيه، ليبعث فيه الطمأنينة، وينثر الفرح، حمله له أثير إحدى الإذاعات المحلية: "مرحبا يابا، كيف حالك يا ثائر، شو أخبارك كيف هالشباب يابا، أهم إشي تكون مليح، إحنا بخير الحمدلله، يابا إمك مليحة وبنتك ومرتك بخير، أهم اشي تكونوا مع بعض مناح الله يرضى عليك".

قبلها كان أحد الأسرى قد أبلغ ثائر انجاص، الذي نال حريته مؤخرا، بضرورة متابعة هذه الاذاعة التي تبث من الخليل، مع تحديد موعد البث، حسبما أبلغته أمه خلال اتصال لها على أحد البرامج الإذاعية المخصصة للأسرى.

وقتها، كان سجن بئر السبع يحوي 7 أجهزة راديو صغيرة، وضع مؤشر أحدها على الإذاعة المقصودة، فانصت ثائر وزملاؤه، وفجأة، قفز من "برشه" على صوت أبيه.

أصغى ثائر بتمعن لحديث الأب، لتدفعه البهجة بعدها إلى دعوة أصدقائه في المعتقل إلى حفلة صغيرة على "قد الحال"، وزع عليهم الحلوى والسكاكر، وكان كلما سأله أحدهم عن السبب أجاب: "سمعت صوت أبوي على الإذاعة"، ليرد الأسرى: "مبروك ألف مبروك".

وحده ثائر المنحدر من قرية خربثا بني حارث غرب رام الله، ومثله كل الأسرى، من يعيشون وقع البرامج التي تخصصها بعض المحطات المحلية للأسرى، فثائر الذي اعتقل منذ العام 2005 وقضى في المعتقل 12 عاما، يرى أنها نقطة التواصل الأهم بين الأسرى وعائلاتهم، خاصة تلك المحرومة من الزيارة.

حزن رفاقه وفرحهم، دموعهم وطرافتهم، ومواقف أخرى كثيرة كان يبديها الأسرى، لدى استماعهم لرسائل وأصوات عائلاتهم دونتها ذاكرة ثائر، أقساها بالنسبة له إصابة أحدهم بحالة إغماء لدى سماعه صوت أمه.

قال ثائر إن الأسير مكث في التحقيق 6 أشهر، وبعد خروجه لأقسام المعتقل، طلب منهم مراقبة الإذاعات لإبلاغه في حال اتصل أحد من عائلته، وبعد 4 أشهر من المتابعة اتصلت والدته حيث كان كل ما لديه من معلومات عنها أنها مريضة جدا، وكان يخيل إليه أنها فارقت الحياة، وحين سمعها لم يحتمل قلبه فرحة سماع صوتها فوقع مغشيا عليه.

هناك من تخونه دموعه عقب سماع صوت عائلته، خاصة إذا كان لديه أطفال، قال ثائر إنهم كانوا يهربون إلى وسائدهم يوارون دموعهم عن الأنظار. يبكون ثم يعودون بعدها الى طبيعتهم.

حمل الأثير للأسرى أخبارا مفرحة، وأخرى مفجعة، وفي إحداها يذكر ثائر، اتصال والدة الأسير طارق العزة، من الخليل، التي ما ان نطقت كلمات قليلة حتى بدأت حشرجة صوتها ونحيبها، لتتبع رسالتها بالقول: "يما أبوك توفى، هاي حال الدنيا، شد حيلك يما"، حينها فقد طارق القدرة على النطق لأكثر من أسبوع، فوالده لم يزره لعامين قبل علمه بوفاته.

ويجد أهالي الأسرى في هذه البرامج، مساحة لاطلاع أبنائهم على ما يجري من أحداث، ونقل أخبار الأهل والجيران والأصدقاء، والحفاظ على اتصالهم بالمحيط الخارجي قدر المستطاع، وكما يقول ثائر انه مع بدء موعد البث، تتحول أقسام المعتقلات إلى أشبه بنظام منع التجول. وحده صوت الراديو يدوي في الأرجاء.

كان ثائر، ورفاق الأسر، يبذلون جهدا مضنيا لإبقاء القنوات الإذاعية خالية من التشويش، والتي غالبا ما كان ينقطع بثها خلال فصل الشتاء بسبب الرياح والعواصف، لأن أجهزة الراديو التي يقتنيها الأسرى بدائية، فهي كما يصفها صغيرة بحجم اليد، تحوي لاقطا هوائيا "أنتين"، يمد الأسرى من خلاله أسلاكا، ويتم ربطها بقطعة حديدية، أو لفها على قضبان النوافذ، واحيانا يتم رمي الأسلاك خارج الغرف وتحريكها حتى يتمكنون من تعديل المحطات.

يقول ثائر: "أحيانا كان يستغرق ذلك ساعتين أو ثلاث".

ووصل بهم الأمر لربط قطعة من الدجاج بالأسلاك الموصولة من ناحيتها الأخرى بأجهزة الراديو، وتقديمها للقطط التي كانت تسير بمحاذاة غرفهم، التي بدورها تقوم بسحب قطعة الدجاج ومعها الأسلاك لمسافة بعيدة، ما يسهم في التقليل من التشويش الحاصل على المحطات.

في أحايين كثيرة، كانت إدارة السجون تتعمد التفتيش على الأسلاك التي يقوم الأسرى بربطها بالنوافذ الحديدية، وقال ثائر إنهم "كانوا يقطعون كل الأسلاك التي يلفها الأسرى على نوافذ الغرف، وأحيانا أخرى كانوا يغرمون من يجدون بحوزتهم أسلاكا أو جهاز راديو مبالغ مالية".

منذ ما يزيد على 10 أعوام، فردت شبكة أجيال الإذاعية، وتبث من رام الله، مساحة لأهالي الأسرى وأصدقائهم ومحبيهم، للتحدث مع الأسرى من خلال برنامج "مراسيل الأسرى"، الذي تقدمه الإعلامية جنين أبو رقطي، ومثلها محطات اخرى، ومع نهاية كل حلقة، تخرج جنين مشحونة بكم من المشاعر المتناقضة، بين حزن وفرح وألم وأمل، تفقد فيها أحيانا سيطرتها على مشاعرها، خاصة أمام بكاء الأمهات أو حديث الأطفال إلى أبائهم.

ترى جنين أن رسائل الناس واتصالاتهم بمجملها تحمل كل معاني الألم والوجع، حتى تلك المفرحة، رغم ذلك، تجد منهم من يحاول أن يبعث الأمل في نفوس الأسرى، ويشد من عزيمتهم، ويضفون جوا من البهجة.

وفي ذلك تتحدث عن إحدى المشاركات التي كانت لمجموعة من الأصدقاء، ذهبوا في رحلة استجمام إلى إحدى المناطق الطبيعية، وصمموا على أن يشاركهم رفيقهم الرحلة من اسره، فقررت إعطاءهم المساحة الكافية، وراحوا يصفون له ما تشاهده أعينهم من المناظر الطبيعية، وما بحوزتهم من مأكولات ومشروبات، وغنوا له على الهاتف الكثير من الأغاني التي يحبها، حتى بات الأسير يشعر أنه يرافقهم فعلا كما أخبر عائلته خلال الزيارة.

وتذكر قصة إحدى الفتيات التي تحدثت عبر البرنامج إلى خطيبها، بينما كانت تتحضر لحفلة الخطوبة، وتقول: "اتصلت الفتاة من الصالون، وقالت لخطيبها انها مرتدية الآن فستان الخطوبة، وعبرت عن حبها الكبير واشتياقها له، بينما والدتها تزغرد".

يأتي اتصال الأهل مرة كل حين، هو حال البث الإذاعي، أم تنادي ابنها الأسير أو ابنتها الأسيرة، على أمل أن تسمع ردا منه أو منها، لكن هيهات.

ha

التعليقات

ما يدعم معركة الحرية والكرامة

كتب رئيس تحرير صحيفة الحياة الجديدة

يعرف القاصي والداني أن الرئيس أبو مازن، أوقف آخر جولة من المفاوضات مع اسرائيل عام 2014 لأنها لم تلتزم بشرط اطلاق سراح الدفعة الرابعة من الاسرى الذين اعتقلهم الاحتلال قبل توقيع اتفاق أوسلو، ونذكّر هنا بتصريح لعيسى قراقع الذي كان وزيرا لشؤون الأسرى والمحررين حينذاك، والذي أكد فيه "ان الرئيس يرفض ربط الإفراج عن الدفعة الرابعة، بتمديد المفاوضات لأن اتفاق الافراج، اتفاق منفصل تماما عن سياق المفاوضات، وانه ابرم قبل الشروع فيها".

الأوضح ان قراقع اكد الأهم في هذا التصريح الذي نشرته وكالات أنباء عديدة "ان الرئيس أبو مازن طلب من الرئيس الأميركي اوباما خلال لقائه به في واشنطن في ذلك الوقت، بالإفراج عن القادة مروان البرغوثي وأحمد سعدات والشوبكي، ودفعة كبيرة من الأسرى خاصة المرضى والنساء والنواب والاطفال، مشيرا الى "أولويات أساسية تمسك بها الرئيس والقيادة الفلسطينية، تتعلق بالإفراج عن الاسرى، كاستحقاق اساسي لأي مفاوضات، او تسوية عادلة في المنطقة، وأن الرئيس أبو مازن يعتبر قضية الأسرى محورا أساسيا من محاور العملية السياسية"، ويعرف القاصي والداني أن الرئيس أبو مازن مازال يقول ذلك، وما زال يدعو ويطالب ويعمل من اجل تحقيق ذلك في كل خطوة من خطوات حراكه السياسي، وأمس الاول استقبل الرئيس أبو مازن في مقر اقامته بالبحر الميت حيث المنتدى الاقتصادي العالمي، رئيس هيئة الصليب الاحمر الدولي "بيتر ماورر" ليؤكد أهمية دور الصليب الاحمر في متابعة الاوضاع الصحية للأسرى المضربين عن الطعام، ويطالب هذه الهيئة الدولية بالضغط من أجل تنفيذ مطالب الاسرى الانسانية والمشروعة، وكذلك العمل على وقف الاعتقالات الادارية اللاقانونية وتحقيق جميع مطالب الاسرى، وقبل ذلك ومنذ أن اعلن الاسرى البواسل اضرابهم عن الطعام، فإن تعليمات الرئيس لكل المسؤولين المعنيين بهذا الأمر في السلطة الوطنية، بالتحرك العاجل وعلى مختلف المستويات، والعمل على الوقوف الى جانب الاسرى لتحقيق مطالبهم الانسانية على اكمل وجه.

نشير الى كل هذه الحقائق ونذكّر بها، لنؤكد أن ما يخدم أسرانا المضربين عن الطعام في اللحظة الراهنة، هو وحدة القول والفعل الوطني المنظم، لا المزاودة في المواقف، ولا التشتت في تقولات متوترة، وتحركات انفعالية، مع ضرورة التركيز دائما على المطالب الإنسانية المشروعة لهم، وهذا بالقطع ما يريده هؤلاء الصامدون بالملح والماء في معركة الحرية والكرامة. هذا ما يريدونه وما يتطلعون إليه من اجل انتصارهم، وتحقيق مطالبهم الانسانية المشروعة كافة، على طريق الصمود والتحدي حتى انتزاع كامل حريتهم، التي ستكون راية من رايات السلام العادل في دولة فلسطين المستقلة التي لا بد أن تقوم، وهي اليوم على طريق التحقق أكثر من أي وقت مضى.

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017