"أكرموهم" في مقابر الخليل

 جويد التميمي

تقع مقابر الخليل على خطوط التماس مع الاستيطان الذي يمتد ويتغلغل في قلب المدينة، ولتنظيمها ومساهمة في ترتيبها ارتأت مجموعة من رجال الأعمال في المدينة، اطلاق حملة "أكرموهم" لإعادة تأهيلها، بالتعاون مع وزارة الاوقاف وبلدية الخليل، كونهما الجهتين الرسميتين اللتين تقع المقابر ضمن مسؤولياتهما في الخليل وفلسطين عامة.

اثناء تواجده قرب مقبرة السهلة الواقعة وسط المدينة وبمحاذاة البؤر الاستيطانية، قال الحاج عبد الفتاح النتشة (57 عاما) لـ"وفا" إن فكرة تنظيم المقابر وترتيبها تساهم في حمايتها وتعزز وجود الفلسطينيين في المكان، "وهي تغلق الباب امام كل من تسول له نفسه نقل المقبرة من مكانها او تشييد أخرى في مكان آخر من المدينة"، وطالب المحافظ والجهات المسؤولة كافة بإصدار قرارات تمنع تشييد مقابر جديدة خارج الاماكن المعروفة بالمدينة والمخصصة لذلك، ودعم الحملة لأهميتها في الناحيتين الاجتماعية والوطنية".

واثناء مرافقته الحاج النتشة المذكور اوضح محمد الخطيب (43 عاما) كيفية تفشي "سرطان الاستيطان" وسط المدينة، مؤكدا اهمية حملة "أكرموهم" في حماية وسط الخليل خاصة قائلا لـ"وفا"، في آب 1984م، صادق وزير الجيش الإسرائيلي حينها على اقامة البؤرة الاستيطانية "أبراهام أفينو" وهي تقع في محيط سوق الخضار المركزي القديم وعلى انقاضه، مستذكرا أنه في ربيع عام 1978م، احتلت مجموعة من النساء الإسرائيليات مبنى الدبويا، وطردن بحماية من سلطات الاحتلال الطلاب الفلسطينيين الذين كانوا يستخدمونه مدرسة ابتدائية، وأطلقوا عليه فيما بعد "بيت هداسا".

وتابع الخطيب: في ربيع عام 1980م استولى المستوطنون بمساعدة الحكومة الإسرائيلية على مدرسة أسامة بن المنقذ، وأطلقوا عليها اسم "بيت رومانو"، وهي بؤرة استيطانية يجرى توسيعها، وإضافة طوابق عليها باستمرار وجميع هذه البؤر الاستيطانية تقع بمحاذاة مقابر الفلسطينيين، كما تقع مقبرة الرأس شرق الخليل، والتي يعمل القائمون على الحملة على ترميمها قرب ما تسمى مستوطنة "كريات أربع"، ويحاذيها تجمع سكاني فلسطيني يضم عشرات الآلاف من ابناء المدينة كما هو الحال بمحاذاة المقبرة الواقعة وسط المدينة.

من جانبه، قال خبير الخرائط والاستيطان عبد الهادي حنتش لـ"وفا"، إن توسع الاستيطان وسط مدينة الخليل "يوجب العناية الفائقة بالمقابر الواقعة قرب البؤر الاستيطانية والمستوطنات، الاحتلال يخطط لإفراغ المنطقة من الفلسطينيين الاحياء والاموات لتوسيع البؤرة الاستيطانية التي شيدت اصلا على ممتلكات الفلسطينيين في سوق الخضار المركزي القديم وغيره وسط المدينة، هم يحاولون اجتثاثنا بغية السيطرة على وسط الخليل بشتى الوسائل والطرق".

واكد مفتي الخليل ماهر مسودة لـ"وفا" ضرورة حماية المقابر من الحيوانات الضالة، "لأن للقبر حرمته ولا يجوز التعدي عليه أو إهانته، كتركه للنبش، فحرمة المسلم ميتا كحرمته حيا لا يجوز الاعتداء عليه وهو ميت في قبره، فقد جاء في الحديث النبوي "كسر عظم المسلم ميتا ككسره حيا".

من جانبه، قال رئيس لجنة صيانة وتأهيل المقابر في الخليل عبده إدريس لــ"وفا": "إن حالة الفوضى وعدم تنظيم واحترام المقابر بحيث اصبحت مأوى للحيوانات الضالة، كما بناؤها بشكل عشوائي غير منظم اثر على مظهرها وخصوصيتها الدينية، وعلى الحياه العامة في المدينة، لذلك شكلنا هيئة نعمل من خلالها بشكل مؤسساتي وبتنسيق دائم مع وزارة الاوقاف والشؤون الدينية وبلدية الخليل لتأهيل وصيانة المقابر".

وأضاف ادريس، "نحن نعمل على تنظيم المقابر وحمايتها من العبث ودخول الحيوانات، وتنظيفها وتبليط ما بينها، وعمل طرق لتسهيل الوصول للمقابر ودفن الموتى، وتركيب اضاءة، وتركيب بوابات وبناء اسوار ووضع سياج حولها، اضافة لزيادة القدرة الاستيعابية للمقابر، وترتيبها بمظهر يليق بالقبور، وعمل مواقف للسيارات وتركيب أعمدة وانارات، وبناء شواهد حجرية، وزراعة اشجار وورود، ووضع مقاعد ومظلات، وذلك بتكلفة قد تصل إلى 20 مليون شيقل حسب التقدير والمخططات التي صممت لذلك، انجزنا جزءا من هذه المخططات في وقت قياسي، ونحن مستمرون في العمل بدعم من الجهات الرسمية والمجتمع المحلي".

واهاب ادريس بالمجتمع المحلي، تقديم المزيد من التبرعات لإنجاز المخططات المتعلقة بهذا "المشروع الانساني والاخلاقي لإظهار المقابر بشكل لائق يحفظ كرامة موتانا".

وأكد محافظ الخليل كامل حميد، لـ"وفا"، أن مقابر الخليل "ستبقى في مكانها ولن يستطيع الاحتلال التدخل في شؤون دفن موتانا وأماكن مقابرنا، خطة إسرائيل الاستيطانية في قلب المدينة متواصلة ومستمرة بمخططات وطرق مختلفة، فقد أغلقوا المحلات التجارية، وطوروا الحواجز العسكرية، وأضافوا وحدات سكنية وكرفانات، ووضعوا كاميرات مراقبة، ونصبوا جدران، وأغلقوا مداخل منازل المواطنين ونوافذها، يحاولون تهويد الحرم الإبراهيمي، كل هذه الممارسات اليومية تفرضها إسرائيل على الأرض بقوة السلاح، لإفراغ قلب الخليل من سكانها وتوسيع الاستيطان وسط المدينة".

ونوه حميد إلى أن اعتداءات الاحتلال التي طالت مقبرة "مأمن الله" في القدس المحتلة والتي تبلغ مساحتها 200 دونم، وفيها قبور لصحابة وتابعين وعلماء وشهداء، فقد جرفت اسرائيل قبورهم ودنست رفات أصحابها وانتهكت حرمة موتاها، لسرقة مساحات شاسعة من أراضيها وتحويلها لـما يسمى "سوق ماميلا"، وتمهد لبناء متحف التسامح فيها، وتنوي تحويل جزء آخر منها إلى حديقة كلاب، ومقهى ومواقف سيارات، "لذلك نحن نبارك ما تقوم به لجنة صيانة وتأهيل المقابر في الخليل، ونثمن عاليا ما شيدوه وانجزوه، ونشدد على ان المقابر ستبقى في مكانها ولن نسمح لاحد دفن او تشييد غيرها في اماكن اخرى لتكون بديلا لها في يوم من الايام".

ha

التعليقات

لغة المصالحة مرة اخرى

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
يبدو ان الناطق الرسمي باسم حركة حماس، لا يريد للمصالحة الوطنية ان تمضي في دروبها الصحيحة، وهو ما زال يتشبث بلغة الانقسام القبيحة، هذا الى جانب ما يمكن تسميته سلوكيات اعلامية اخرى لقيادات حمساوية لا تريد الاعتراف بأن المصالحة وانهاء الانقسام، تبدأ من الاقرار بسلطة واحدة، وادارة واحدة، وسلاح واحد، وبلغة وسلوك يعكس الالتزام بذلك على نحو بالغ الوضوح.

ما زال هذا الناطق يستخدم ذات الكلمات والتعابير التي سادت فيما مضى (..!!) وما زال لا يرى، او انه لا يريد ان يرى ان المصالحة بحاجة الى لغة تتفتح فيها النوايا الطيبة، لتسوية كافة المعضلات التي اوجدها الانقسام، والاخطر انه ما زال لا يرى ان هذه المعضلات التي تراكمت طوال العشر سنوات الماضية، هي معضلات لم تتحمل حماس مسؤولية معالجتها، ولا بأي شكل من الاشكال، بل تركتها تتراكم بنكران في خطاب قال ذات مرة ان غزة مع حكم حماس تعيش افضل ايامها ...!! هل نذكر بتصريحات الزهار في هذا السياق .؟؟

عشر سنوات من الانقسام غذتها الحروب العدوانية الاسرائيلية الثلاث على القطاع، بمزيد من العذابات والجراح العميقة، جعلت من الحياة هناك، حياة خارج السياق الآدمي الى حد كبير...!! لكن الناطق الرسمي الحمساوي لا يرى من عذابات القطاع المكلوم، سوى اجراءات الرئاسة التي استهدفت في الواقع الضغط العملي لدحر الانقسام البغيض، ولم تكن بالقطع اجراءات "تعسفية ضد اهلنا في غزة" كما يصفها هذا الناطق بلغة الانقسام القبيحة، التي لا ينبغي لها ان تكون بعد الآن، لكي نقول ان المصالحة تتقدم في دروبها الصحيحة. 

وبالقطع ايضا ان هذه الاجراءات، ليست هي السبب في عذابات القطاع المكلوم،        وليست هي التي فاقمت ازمات ومعاناة اهلنا في المحافضات الجنوبية، فليست هي التي ضاعفت الضرائب خارج القانون ودون وجه حق، وليست هي من احكم قبضة الامن التعسفية، والاستيلاء على الاراضي الحكومية وجعلها اعطيات اقطاعية، ولا علاقة لهذه الاجراءات بمعضلة الكهرباء ولا بتلوث البحر أو غيرها من المعضلات والمشاكل، وبالقطع تماما ان هذه الاجراءات ليست هي العنوان الرئيس في المصالحة، ومع ضرورة واهمية تسويتها فإن إلغاءها لن يحل معضلات القطاع دفعة واحدة، ولن يجعل من سنوات الانقسام العشر نسيا منسيا، وكأنها لم تكن بالمرة، وهي على كل حال اجراءات  كانت وما زالت مؤقتة، ستنتهي لحظة تمكن حكومة الوفاق من ممارسة مهامها على اكمل وجه في المحافضات الجنوبية.

عشر سنوات من العتمة، ولا نريد وصفا آخر احتراما للمصالحة، خلفت الكثير من الالم ولا يمكن اختصارها وحصرها في هذا الاطار المفتعل، الذي نرى انه يحاول القفز عن متطلبات المصالحة الوطنية الاساسية، والهروب من مواجهة الواقع وضرورة المراجعات النقدية للسنوات العشر الماضية وتحمل مسؤولياتها على نحو وطني شجاع.

ومرة اخرى سنقول ونؤكد ان للمصالحة لغة ليست هي لغة تلك السنوات العجاف، لغة تسمح بالنقد والمراجعة والاعتراف، ولغة تجعل من دروب المصالحة سالكة تماما بالتروي والحكمة والعبارة الصالحة الخالية من الاتهامات الباطلة والشعارات المنافية للواقع والحقيقة.

وبقدر ما هي المصالحة "ضرورة وطنية لانهاء الاحتلال واقامة الدولة وتحقيق آمال شعبنا" كما اكد ويؤكد الرئيس ابو مازن، فإن لغة المصالحة ضرورة ايضا لكي تستقيم عملية انهاء الانقسام وتؤدي المصالحة، كما يراها ويريدها شعبنا ورئيسنا أبو مازن، دورها في تعزيز مسيرة الحرية والاستقلال.

لغة المصالحة هي لغة الوحدة الوطنية، ولغة الوحدة هي لغة الوطن، لغة فلسطين التي هي دوما لغة الحق والعدل والحرية والجمال.

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017