حنين إلى بيع "البليلة" في الخمسينات

 يامن نوباني

لا تخلو مدينة فلسطينية من بائعي "البليلة" الذين ينتشرون بعد الافطار مباشرة، وحتى ساعات متأخرة من الليل، يصطف الباعة من الشبان الصغار، أو حتى العجائز، قرب المحال التجارية الكبيرة، والأماكن التي تشهد اكتظاظا في حركة المتجولين، وفي الشوارع التي تُعرف كأمكنة للمشي، والتنزه.

عربات تُجر باليد تحمل معها "بليلة"، وغيرها من المُسليات التي يزداد الاقبال عليها في شهر رمضان، أو التي لا تجد سوقا لها إلا بعد الإفطار، وتُزين العربات بمواد تجميلية بسيطة، وتحمل أسماءً في العادة مُلفتة، ويشتهر كل بائع بصوته، أو جمله التي ينادي بها على الزبائن.

لأن فلسطين لم تكن يوما إلا بلد الحنين، خاصة لأولئك الذين أبعدوا عنها بالإجبار، اليوم وبعد عشرات السنين لا ينسى الفلسطيني تفاصيله البسيطة، وأشياءه التي تركه خلفه، ورحلت مع روحه، وقلبه لتجوب منافي الأرض.

"نحمل ذكرياتنا معنا حتى القبر"، يقول الأسير المحرر، والمبعد عن مدينته الخليل ووطنه فلسطين، منذ 29 تشرين الثاني 1976، الكاتب عدنان جابر، المقيم حاليا مع أسرته في فرنسا، وهو يتذكر أيام صباه في حارات مدينته، الخليل.

ويضيف جابر المولود عام 1952: في الخليل، في شهر رمضان، كنت أنزل بعد الإفطار من بيتنا في حارة "المشارقة الفوقا" إلى وادي النصارى، حاملاً طنجرة صغيرة فيها "بليلة"، وهي عبارة عن حمص مسلوق، وعليه ملح، وكمُّون .

 مع نزولي أكثر في الوادي، ومع كل نداء لي "بليلة .. بليلة"، كان يُفتح لي أكثر من شباك، وأكثر من باب ، وأسمع " بليلة .. تعال " ...

لم يكن نزولي إلى وادي النصارى يستغرق وقتا طويلا. كانت طنجرتي تفرغ بسرعة، لأصعد، وفي جيبي بضعة قروش أفرح بها، وفي البيت تنتظرني ابتسامة أم راضية ، فرِحة بولدها "الشغيل".

في تلك الأيام، كانت سنوات عمري أقل من أصابع اليدين! الآن، صار عمري 64 سنة، وعكاز !

ويتابع جابر: الآن، في شهر رمضان، ما زالت رائحة البليلة في أنفي، و"بليلة .. تعال " في أذني،  والعتمة الممزوجة بأضواء المصابيح ، والدفء الوفير، خلف نوافذ البيوت في وادي النصارى، كلها تضج في ذاكرتي.

ويختم حكايته مع "البليلة": الآن، في غربتي، في منفاي الجديد ــــ فرنسا، حيث تنقصني " البليلة"، وأشياء أخرى، يوجعني قلبي .. يا وطني البعيد.

شهر رمضان استدعاء للذكريات الحلوة، وتذكر الوجوه التي كانت تتقاسم معنا طقوسه، قبل أن يختطفها الموت، أو المنفى، والأسر، يستذكر جابر أمه، فيقول: وأنا في الأسر، كانت تطارد ورائي من سجن إلى سجن. بعد السجن، والإبعاد، صارت تطارد ورائي من عاصمة إلى عاصمة، تراني أحيانا، وأحيانا لا تراني.

على جسر الأردن، أنشدت تقول "ما أقساك يا دهر، وما أصعبك يا جسر". وأنا في رومانيا للعلاج، كتبت لي تقول: "ليتني قطعة شاش أبيض، ألتف بها على قدمك، يا ولدي الحبيب."

بعد أن نامت في تراب الخليل، صرت أشتاق لرؤيتها، ولو في المنام.

بعيداً عن بصر وسمع زوجتي وأولادي، بكيتُ تحت اللحاف. اعتصرتُ خيالي كي أراها، وأتحدث إليها.

أعتقل عدنان جابر في 5 حزيران 1969 أمام الحرم الإبراهيمي في الخليل، بعد عملية ضد جنود الاحتلال، وأصيب خلال عملية الاعتقال في الرقبة والقدم، وتم إبعاده من سجن بئر السبع إلى الأردن في 29-11-1976، بعد قضاء سبع سنوات ونصف في سجون الاحتلال، حاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة، بلغاريا ــــ صوفيا، 1991.

تنقل في منافٍ عديدة، ويقيم الآن في فرنسا، صدر له: ملحمة القيد والحرية، وعالم أسرى المقاومة الفلسطينية في سجون العدو الإسرائيلي، دار الطليعة، بيروت 1979.

كما صدر له: الثوب والعنب، في سيسيولوجيا الثورة الفلسطينية، إصدار خاص، مطبعة نضر، دمشق 1994، اضافة إلى إصدار: العرب وعصر ما بعد النفط، دار علاء الدين، دمشق 2004.

ha

التعليقات

جولة العيد والمحبة

 كتب رئيس تحرير الحياة الجديدة:
ليس صحيحا أن الرئيس أبو مازن أراد من جولته الحرة فيشوارع رام الله، مساء امس الاول، وحضوره بين أهلها على هذا النحو الحميم، أن يرد على شائعات الخارجين عن الصف الوطني التي روجوها على صفحات مواقعهم الالكترونية بصياغات اوهامهم وتمنياتهم البغيضة، والتي تقولت بتدهور صحته، وأنه نقل إلى المدينة الطبية في العاصمة الأردنية لتلقي العلاج ...!!! ليس صحيحا البتة أن الرئيس أبومازن أراد ردا على هذه الشائعات بجولته هذه، وهو الذي ما التفت يوما لسقط الكلام، وهذيانات أصحاب القلوب المريضة، وأدوات الاحتلال الرخيصة، غير ذلك هذا ليس أول رمضان يتجول فيه الرئيس في شوارع رام الله، متفقدا أحوال أسواقها وروادها، فلطالما كانت له هذه الجولات في رمضانات ماضية، ما يعني حرصه على تكريس هذه العلاقة المباشرة مع أبناء شعبه كلما أمكن ذلك، وبعيدا عن خطب السياسة ودروبها التقليدية.

غير ذلك أيضا، حال الرئيس أبو مازن حال الصائمين في كل مكان، ما أن يتفتح ليل رمضان بعد الإفطار على امسياته حتى يتوق الصائم إلى تواصل حميم مع أهله واحبته وأصحابه، وللمسؤول القائد توق أشد، للتفقد والإطلاع عن كثب على أحوال الناس والمدينة، ولايرجو من وراء ذلك غير لقاء الثقة والمحبة،  والمعرفة الصافية بعيدا عن اي تقولات وتقارير، ثم هناك عيد الفطر وقد بات على الأبواب وأسواق المدينة تعج بالباحثين عن بهجة العيد في الملابس الجديدة لفلذات أكبادهم، وما من بهجة للعيد دون بهجة الطفولة، التي تعد واحدة من دلالات تفتح الحياة على المستقبل، وهي في بلادنا دلالات أمل وأمثولة صمود بقوة البطولة الناعمة، بطولة الطفولة في بهجتها، التي تؤكد حتمية مستقبل الحرية والاستقلال ، وما من شك أن الرئيس أبو مازن في جولته قبيل العيد يسعى لتلمس هذه البهجة، تلمس القلب واليد والعين، وهو المؤمن المتيقن بحتمية ذلك المستقبل الزاهر، مستقبل  الدولة السيدة، التي يحمل مشروعها الوطني مع إخوانه في القيادة، طالما ظلت بهجة العيد تشع في أعين أطفالنا، وتسكن روحهم كأجمل سبل التحدي لوجود الاحتلال البغيض، من أجل دحر هذا الوجود مرة وإلى الأبد .

جولة الرئيس أبو مازن في شوارع رام الله وأسواقها هي جولة هذا التحدي، وهذا اليقين، وهذه البهجة، وهي بعد كل قول وتقدير، جولة العيد في أوان معانيه البهيجة الطيبة، وجولة المحبة في طبيعتها الصريحة والحميمة، والصحة صحة القلب دائما  كلما ظل عامرا بالإيمان والتقوى، وهذا هوقلب الرئيس أبو مازن شاهرا طبيعته وصحته في جولته الحرة.

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017