الثقافة بعد عشر سنوات من الانقلاب

قد يظن الكثيرون أن تحقيق المصالحة الوطنية يمكن أن يعيد كل شيء إلى سابق عهده فورا، ولكن ما يحدث على أرض الواقع يقول إن غزة بحاجة إلى ثلاثين سنة من العمل الثقافي الجاد لتعود كما كانت قبل عام 2007، فما الذي حدث ليصبح الوضع الثقافي على هذه الشاكلة؟

في البداية علينا أن نقر أن حركة "حماس" تعمل في غزة بطريقة منظمة، وخطى حثيثة، لكي تثبّت طريقتها في الحكم والحياة، ولكي تفرض واقعاً تريده، لا يكفيك أن تستعمل القوة العسكرية، بل يجب أن تدعم ذلك بالجانب الثقافي، الذي يعزز رؤيتك، ويمكنك من تدجين الواقع ليبقى تحت سيطرتك.

قامت الحركة على سبيل المثال بإنشاء ما سمّي "برابطة الكتاب"، وهي جسم موازٍ لاتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، الذي هو من مكونات منظمة التحرير الفلسطينية، وأصبحت هذه الرابطة تعطي شهادات للكتاب، وعضويات بالطبع، وأصبحت تشرف على طباعة الكتب، وإقامة الندوات... إلخ، وهذا تجسيد واضح للانقسام.

 ودليل أوضح على أن الانقسام لم يعد على المستوى الجغرافي والعسكري فقط، بل تعداه إلى ما هو أخطر، إذ تقوم هذه الرابطة بطرح مسابقات أدبية تتناول في كثير من مواضيعها ما يدعم أسلوب ونهج الحركة في الحكم والحياة.

خلال عشر سنوات، قامت حركة حماس بعمل الكثير من المخيمات الصيفية التي كانت تبث أفكار الحركة من خلالها للأطفال المشاركين، وبلغ الأمر أن تجعل هؤلاء الأطفال يتلقون تدريبات عسكرية على طريقة اقتحام مستوطنة وهمية مثلاً، عدا عن الدروس الدينية المتطرفة التي كانت تعطى لهؤلاء الأولاد من خلال هذه المعسكرات.

قامت الحركة كذلك بمراقبة دقيقة لجميع الأنشطة الفنية والثقافية بلا استثناء، وأصبح لزاماً على من يريد أن يقيم أي فعالية ثقافية أو فنية أن يأخذ إذناً مكتوباً من وزارة الثقافة ووزارة الداخلية، أو الأمن الداخلي، وهذا بالطبع أثر على مستوى ونوعية وكمية النشاطات، وحتى مع وجود الإذن، كانت عناصر الأمن تتدخل أحياناً في الفعالية إما لتفصل الرجال عن النساء، أو لأن قصيدة يلقيها شاعر لا تعجب رجل الأمن، أو أن فتاة بالصدفة كانت تغني، وهذه السيطرة جرّت وراءها السيطرة على المسرح والسينما، فقد أنتجت "حماس" فيلما عن عماد عقل، كتب السيناريو له الدكتور محمود الزهار، ومن يشاهد الفيلم يستنتج : إذا لم يعرف بالطبع أن النضال الفلسطيني بدأ فقط حين تواجدت حركة حماس على الساحة.

وفي نفس السياق اشترطت على مخرج مسرحي ذات يوم، لكي تقبل أن يقوم بعرض مسرحيته التي تمثل فيها مجموعة من البنات، أن تظهر البنات جميعهن بالمناديل على المسرح، وإلا فلن تتم الموافقة على العرض.

وفي السينما، منعت حركة حماس مجموعة من الأفلام المنتجة فلسطينيا، وحتى تلك القادمة من الخارج، واشترطت على مسؤولي مهرجان السجادة الحمراء أن ترى رقابتها جميع الأفلام التي ستعرض في المهرجان، وتحذف اللقطات التي تراها غير مناسبة حسب منظورها كحركة، بل وبلغ بها الأمر أن اشترطت في دورة المهرجان عام 2016 أن يتم عرض الأفلام فيما الأضواء مشتعلة داخل الصالة، وهو غير ممكن من الناحية التقنية، لكنها فرضت ذلك على المهرجان.

قامت حركة "حماس" أيضا بمصادرة العديد من الكتب، ومنعها من التداول في المكتبات في غزة، ولم يتعلق الأمر فقط بالكتب التي تدعي "حماس" أنها علمانية، بل تعدى الأمر إلى كتب التاريخ الإسلامي، فلا يوجد في غزة كتاب أبو جعفر الطبري مثلاً: تاريخ الأمم والرسل والملوك، حيث تدعي حركة حماس بأن تاريخ الطبري غير مدقق، وأنه يحتوي على الكثير من المغالطات، وهو بحاجة إلى تنقيح، ناهيك بالطبع عن الكتب الحديثة، فإذا كان هذا الحال مع الكتب التي تعتبر مصدراً للتاريخ الإسلامي منذ 1100 سنة، فكيف سيكون الواقع مع الكتب الحديثة؟

منعت حركة "حماس" الكثير من الكتاب والصحفيين من مغادرة غزة للمشاركة في ندوات أو مهرجانات في الضفة الغربية أو في الخارج، تحت عدة مسميات، فقد منعت على سبيل المثال لا الحصر الكاتب عاطف أبو سيف أكثر من مرة، وغيره كثيرون.

كما قامت بمنع كثير من الصحفيين من أداء عملهم، لأن وجهة نظرهم لا تتفق مع وجهة نظر الحركة، وأغلقت مكاتب الكثير من الوكالات، بل ومنعت الصحف الثلاث الصادرة في الضفة الغربية لمدة طويلة من دخول غزة، قبل أن تسمح لها من جديد.

على المستوى الثقافي التاريخي والسياسي أيضاً، حاولت حركة حماس تشويه التاريخ الفلسطيني من خلال تشويه رموز الشعب الفلسطيني، مثل القائد ياسر عرفات والقائد أبو جهاد وأبو أياد وغيرهم، ووضعت مكانهم رموز لحركة حماس، وغيرت أسماء المدارس مثلما حدث في رفح، حين غيروا اسم مدرسة غسان كنفاني إلى مدرسة مرمرة، على اسم السفينة التركية التي جاءت لكسر الحصار على غزة عام 2010، وغيرت اسم ملعب فلسطين إلى ملعب "أردوغان"، وغيرت اسم حي تل الهوى غرب مدينة غزة إلى حي "تل الإسلام" العظيم... إلخ، بل ودخل أفراد من الحركة ذات يوم إلى منزل الشهيد ياسر عرفات وعاثوا فيه فساداً وداسوا على صوره، وبيعت جائزة نوبل للسلام في سوق فراس الشعبي، إضافة إلى عدة متعلقات بالشهيد ياسر عرفات.

إن محاولة السيطرة الثقافية على الوضع في غزة، هي من أولويات حركة حماس، كانت ولا زالت تسخر لها الإمكانيات، وتدعم أي خطوة في هذا الاتجاه، حتى أصبح الوضع الثقافي في غزة يرثى له، فقد أراد مجموعة من الشباب في غزة إصدار مجلة ثقافية، وعلى مدار عام ونصف، قامت الحركة باستدعائهم واحدا واحدا وسؤالهم عن تمويل المجلة وعن أهدافها... إلخ، وتم بعد عام ونصف منح المجلة ترخيصاً مشروطاً بأن لا تتدخل في الشأن السياسي.

اعتقلت حركة حماس أيضاً مجموعة من الناشطين الثقافيين، سواء كتاب الصحف أو نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي، أبرزهم كان الدكتور إبراهيم أبراش، وزير الثقافة السابق، والدكتور خضر محجز، وغيرهم كثيرون.

كما حاولت دائما السيطرة على مجالس الجامعات غير التابعة لها، وتضييق الخناق على هيئاتها التدريسية مثلما حدث في جامعة الأقصى في مدينة غزة.

تتدخل "حماس" في جميع أنشطة المراكز الثقافية، وترفع الكتب التي لا تعجبها من المكتبات العامة، وكل ذلك لسبب واضح، وسبب معلن في معظم الأوقات، وهو السيطرة الثقافية على المجتمع في غزة، وهذا المشروع الذي تمتلكه "حماس" ما زال قائماً إلى هذه اللحظة.

 

ha

التعليقات

"الأميركي القبيح"

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

في خمسينيات القرن الماضي كتب الروائي الأميركي وليم ليدرر، رواية كان موضوعها الأساسي أو ثيمتها الرئيسة- كما يقال بلغة الأدب- قبح السياسة الأميركية، التي تقبح أكثر الرجال والنساء جمالا ووسامة، وأطلق على  روايته اسم "الأميركي القبيح" ومن الواضح الْيَوْمَ ان هذا الروائي لم يكن يكتب عملاً ادبيًّا، بقدر ما كان يسجل طبيعة وحقيقة الإرسال الواقعي للسياسة الأميركية والسياسيين الأميركيين، الإرسال الذي ما زال على حاله حتى اللحظة، بل وقد بات أكثر قبحا واكثر صلفا، ومن يسمع ما قالته  "أليسا فرح" المتحدثة باسم نائب الرئيس الأميركي مايك بنس" لن يرى سوى القبح، وقد تجسد بكامل هيئته التي تدفع الى التقيؤ...!!!

هذه المتحدثة تريد منا وبتصريح غاية في الصفاقة والصلف، ان نصدق ما لا يمكن تصديقه بعد الآن، ان الولايات المتحدة تريد حقا صنع السلام في الشرق الأوسط ..!!! لا والأدهى والأكثر قبحا وفقا لتلفيقات هذه المتحدثة، اننا نحن من يدير الظهر الآن لعملية السلام...!! بسبب اننا لن نستقبل نائب الرئيس الأميركي "مايك بنس" وكأن عملية السلام ما زالت بخير وعافية، وهي التي أشبعها الرئيس ترامب قتلا بقراره الأرعن اعتبار القدس الفلسطينية العربية عاصمة للدولة التي تحتلها...!!! لا بل ان هذه العملية لطالما كانت متعثرة بسبب الانحياز الأميركي الدائم لدولة الاحتلال، فعن أي عملية تتحدث الناطقة باسم "بنس"..؟؟ وعن أي دور للولايات المتحدة يمكن ان يكون في هذه العملية والرئيس الأميركي قد أجهز عليه تماما..!!

وعلى ما يبدو ان "الأميركي القبيح" مشبع بالوهم حتى يتصور ان الضحية يمكن ان تصفق لجلادها، التصفيق الذي أراده منا باستقبال صناع سياسة الطعن  والانحياز والخديعة، باستقبال "بنس" ..!! أليست هذه بعضًا من عقلية "الكوكلوكس كلان" بعضا من تمنياتها المريضة، ان تصفق الضحية لجلادها، وان تقبل به سيدا لا ترد له كلمة، ولا يعصى له أمر حتى وهو يغرز حرابه في خاصرتها...!! على "الأميركي القبيح" ان يصحو من أوهامه هذه، لن نصفق أبدا لجلادينا، الفلسطينيون أهل التحدي، ولا يقبلون الضيم أبدا، وهم أسياد حالهم وقرارهم وحماة أرضهم ومقدساتهم الاسلامية والمسيحية، وقد تزنروا الْيَوْمَ بروح جماهير الأمة العربية ومعها احرار العالم أجمع، وقد هبت هبة رجل واحد تندد بقرار ترامب، التنديد الذي لا يحمل غير رسالة القدس النبوية، ولا يقبل بغير مستقبلها عاصمة لدولة فلسطين, وحاضنة للسلام والمحبة بروحها العربية والإنسانية.

لا كلمات يمكن لها ان تصنع  مساحيق التجميل التي يريدها "الأميركي القبيح" ولا ثمة ادعاءات بعد قرار ترامب قادرة ان تؤلف هذه المساحيق، الاعتراف بالخطأ والخطيئة وحده من يستطيع التجميل، بل من يزيل القبح من أجل وجه النزاهة المشرق، وللشعب الأميركي نقول ونؤكد ان الأميركي القبيح ليس انتم، إنما هو رجل السياسة هذا الذي ينحاز للظلم والاحتلال والعنصرية البغيضة، ما من شعوب قبيحة ابدا، بل جماعاتها بقواها وأحزابها اليمينية المتطرفة، التي لا تسعى لغير العنف والارهاب والعدوان، ولطالما سقطت هذه الجماعات وستبقى تسقط حتما.

 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017