صوف.. النضال بعد الإصابة المميتة

 عُلا موقدي

على الجهة اليسرى من مدخل البيت، مصعد كهربائي بدائي صممه بنفسه، لينقله من الطابق الأول الى الثاني، وعلى الجهة المقابلة درج ثابت يصعد عليه الضيوف، وأهالي المنزل.

"اطلعوا ع الدرج وأنا بطلع بطيارتي" يقصد المصعد الكهربائي، يصل رأس الدرج قبل الجميع، ويستقبل ضيوفه في غرفة تتسع لـ20 شخصا على الأقل، صممت لتتسع الوفود التي يستقبلها من مختلف دول العالم.

عام 2001، خلال إحياء ذكرى النكبة، أصيب عيسى نايف عبد الرحيم صوف (40 عاما) من قرية حارس بمحافظة سلفيت برصاصة من نوع "دمدم" انفجرت داخل النخاع الشوكي مخترقة رئتيه، تسببت له بشلل كامل، ودائم في أطرافه السفلية، حيث خضع لعملية جراحية في مستشفيات الأردن لاستئصال بعض الشظايا، وما زال في جسده 9 شظايا منتشرة حول النخاع الشوكي، بعد أن كان يعمل مدرباً للياقة البدنية في الشرطة الفلسطينية، وأمين سر لحركة فتح في قريته.

يبين صوف: أصبت في بدايات الانتفاضة الثانية، والوضع الميداني ملتهب، لم يتوان الاحتلال من استخدام كل انواع الأسلحة المتاحة ضدنا نحن المدنيين، بالإضافة الى العقاب الجماعي الذي كانت تمارسه ضد الفلسطينيين بطريقه ساديه، ناهيك عن عمليات التنكيل بهم أثناء تنقلهم بين مدنهم وقراهم المتصلة، فأغلقت المداخل ونشرت الحواجز على الشوارع، ومنعت الفلسطينيين من استخدام الطرق الخارجية حتى سيرا على الأقدام.

ويتابع: بينما كنت أُحذر الأمهات في الحي الذي أسكنه من إمكانية بدء الجنود باستخدام الغاز المدمع, لكي يحكموا إغلاق النوافذ ويدخلوا الأطفال، وإذا بي أسقط على الأرض بعد أن سمعت صوت صلية رصاص حي انطلقت من بندقية آلية، بدأ يضيق نفسي وبطني ينتفخ, صوتي بدأ بالتلاشي حد الهمس, حتى شاهدت  جنديين يقفان على رأسي وأنا ملقى على الارض، ركلني أحدهم بقدمه، وهو يصرخ باللغة العبرية (قوم قوم)، حاولت القيام بالفعل أكثر من مرة ولم أستطع، حينها أدركت حجم الضرر الذي أحدثته تلك الرصاصة، والجنود لم يسمحوا لأحد بالاقتراب مني لإسعافي حتى من عائلتي، فكانوا يلقون على كل من يحاول الاقتراب مني قنبلة صوت.

 وأردف:عندما بدأت حالتي بالتدهور نتيجة النزيف الداخلي، همست للجنود قائلاً: كونوا انسانيين قليلا وغادروا المكان عل أحدا يستطيع إسعافي، فأنا بالفعل اقترب من الموت، بعد دقائق معدودة، صرخت صاحبة المنزل الذي وقعت أمامه تقول لي: قوم يا ابن عمي راح الجيش، لأنها هي الأخرى كانت تعتقد أنني أحاول تضليل الجنود، بسبب عدم خروج الدم خارج الجسد.

ويضيف، دخلت وقتها بحالة إغماء، وأول كلمة سمعتها كانت في مستشفى رفيديا حين قال الدكتور إحنا حاليا نصارع من أجل حياته، وإذا عاد للحياة رح يقضي حياته على الكرسي المتحرك، فأصبت بشلل، وفقدان إحساس كامل في الأجزاء المشلولة، وفقدان الحركة، وانعدام نشاط الدورة الدموية، والإصابة بتقرحات وتعفن في الجلد، والحاجة الى فترة طويلة لعلاجها.

طفله "ورد" كان عمره وقت إصابته شهر ونصف، يبين صوف: ذهبت بعد الإصابة بمدة قصيرة الى مركز تدريب في بريطانيا لمدة شهرين، حصلت فيها على تدريبات فيزيائية، أعادت بعض النشاط للعضلات التي أصابها الشلل, وبعدها قررت أن أتحدى إعاقتي، ومن تسبب بها، لأعود لاستكمال دوري النضالي  بأشكال أخرى، والآن مستقل بشكل تام أركب سيارتي، وأمارس كل أنشطتي الحياتية اليومية باستقلاليه تامة.

 يقود صوف سيارته الخاصة، ويجول المدن والقرى الفلسطينية، مترصدا الانتهاكات الاسرائيلية لتوثيقها، يستقبل الوفود الأجنبية، ويتجول معهم ليعرفهم على مناطق الاحتكاك، والحواجز، والأراضي المصادرة، فهو يدرك أن القضية الفلسطينية لا تحل سوى بالدعم العالمي، خاصة بعد أن رفضت إسرائيل استقدام مراقبين دوليين للأراضي الفلسطينية، فكان البديل في استقدام رقابه دوليه شعبية للمساهمة في تغيير الرأي العام الدولي تجاه القضية الفلسطينية، وتغيير النظرة النمطية لصورة الفلسطيني التي نجحت إسرائيل في تسويقها للعالم ، فالحرب مع الاسرائيلين هي حرب رواية، ومن يثبت روايته للعالم أكثر، ففي الوقت الذي كانت الرواية الفلسطينية صامته كانت الرواية الاسرائيلي، تعمل على اثبات الحق التاريخي والديني في فلسطين.

يقول صوف لـ"وفا": الذين عايشوا جو الانتفاضة يدركون تمامًا أن المقاومة الجماهيرية أكثر جدوى من المقاومة المسلحة العنيفة؛ نظراً لإختلاف موازين القوى، واسرائيل تملك قوة هائلة لا نستطيع أن نفعل معها سوى المقاومة الشعبية اللاعنفية، وصمودنا يتمثل في اثبات وجودنا الفعلي أمام العالم الخارجي وإظهار الحقيقة، وأن نخاطبهم بدورنا ضحايا، ولسنا إرهابيين، بهذه الطريقة نأخذ الدعم الدولي، وهناك العديد من الوفود تقف الى جانبنا من كل العالم بجهد جماعي متكامل.

ويكمل" بداية العمل كانت بيني وأخي نواف الذي قضى في السجن 13 عاما من أصل 17، وبعض الأصدقاء، ورسالتنا كانت مقاومة جماهيرية وشعبية، حتى أصبحنا مؤمنين أكثر في هذه القضية، وقمنا باستدعاء الصحافة العالمية المؤثرة مثل( CNN، BBC)، وبدأنا بإصدار التقارير المكتوبة والمصورة، وكنا نلمس جدوى كبيرة لهذه التقارير، تطورت الفكرة وبدأ المتضامنون الأجانب يأتون الينا من كل انحاء العالم، ثم  بدأنا نمحور أفكارنا باتجاه عمل مؤسساتي دائم، مدركين أن الصراع لا يمكن أن ينتهي في فترة محدد، وانما يحتاج الى مدة طويلة.

ويذكر: أسسنا حركتين: الأولى حركة التضامن الدولية (ISM)، تعمل على مستوى الوطن: الخليل، ونابلس، ورام الله، وغزة، تغطي بشكل عام كافة الأحداث التي تحصل على مستوى الوطن، مثل: اعتقالات، واعتداءات المستوطنين، وفي موسم الزيتون نستدعي متطوعين أجانب لتغطية مناطق الاحتكاك قدر المستطاع, والحركة الثانية: حركة نساء دوليات من أجل السلام (IWPS)، يقتصر نشاطها على النساء، ويكون عملها مركز بشكل أكبر في موسم الزيتون، فقد يصل ما بين 20 الى 30 متطوعة عالمية، لمساعدة النساء في مناطق الاحتكاك.

تطور عمل المؤسسة حتى أصبح هناك نشاطات مع يساريين إسرائيليين، وعلاقات لإيجاد جبهة مناصرة في الداخل الاسرائيلي، ولكن على نحو بطيء جداً، مع العمل على تنظيم المخيمات الصيفية للأسيرات الفلسطينيات المحررات في مدن الضفة الغربية ومساعدة الاطفال الأسرى المعتقلين والذين يمثلون الشريحة الأوسع للاستهداف الاسرائيلي.

أبو الورد ورغم وضعه الصحي وعدم قدرته على الحركة، الا انه تجاوز كل التحديات وتأقلم مع الواقع، ليكون مدرسة في العطاء والانتماء والعمل المستمر لصالح القضية الفلسطينية والقضايا المجتمعية، يتمتع بثقافة عامة، وقدرة على الحديث باللغة العربية، والعبرية، والإنجليزية قراءة، وكتابة، مكّنتْه من أن يكون صاحب وجهة نظر، وإرادة صلبة، وإيمان بأهمية دور الفرد في خدمة المجتمع.

ha

التعليقات

اليقين الفلسطيني لا بد أن ينتصر

 كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

العنوان أعلاه هو ملخص خطاب اليقين الذي هيمن على اجواء مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس الذي يختتم أعماله اليوم في القاهرة، والسبب ليس هو الثقة المعرفية والإيمان العميق، عند احرار الأمة العربية والإسلامية والعالم اجمع، بحتمية انتصار الحق  الفلسطيني على الباطل الاسرائيلي فقط، كما اشارت كلمات الافتتاح لهذا المؤتمر جميعها، وليس لأن هذا المؤتمر يبحث عن خطوات عملية وجادة لدعم القدس وصمود اَهلها فحسب، وإنما أيضا لتجلي حقيقة الصلابة الوطنية الفلسطينية، وتمسكها بثوابتها المبدأية بصورة لا لَبْس فيها، والتي عكستها على نحو بليغ وحاسم (اللا) الكبيرة الي اطلقها الرئيس الزعيم أبو مازن بوجه الادارة الاميركية، لمواجهة وإسقاط قرارها الباطل بإعلان القدس الفلسطينية العربية عاصمة لدولة الاحتلال، والتي أعاد التأكيد عليها وتشديدها مرة اخرى بكلمته امام مؤتمر الأزهر العالمي في جلسته الافتتاحية صباح أمس.

وفِي هذا المؤتمر الذي يعد اكبر تظاهرة تضامن عملياتية مع القدس، ضد قرار الرئيس الاميركي ترامب حيث تشارك في أعماله اكثر من ست وثمانين دولة وهيئة ومنظمة وشخصية، عربية واسلامية ودولية، في هذا المؤتمر ومع هذا الحشد اللافت، تكشفت وتتكشف اكثر وأكثر حقيقة ورطة القرار الاميركي الباطل وحماقته، وليس لأن مؤتمر الأزهر الشريف برعايته الرئاسية المصرية، سينهي هذا القرار بما سيعلن في خاتمة أعماله، وإنما لانه الذي يؤكد بكلمات اليقين الإيمانية التي لا تدع للشك مكانا، ان القدس حقا وفعلا وواقعا خط احمر ومن يتجاوزه لن يلقى غير المهانة والخسران طال الزمن أم قصر.

انها القدس ليست درة التاج الفلسطيني فحسب، ولا هي زهرة المدائن الفلسطينية فقط، وإنما هي كذلك روح الانسانية في تطلعاتها النبيلة؛ لأنها مدينة ايمان وقداسة ومحبة وسلام للعالم اجمع.

انها فصل الخطاب، وخطاب الفصل بين الحق والباطل، ولان هويتها الفلسطينية والعربية قضية كل المنصفين والعقلاء في العالم، كما جاء في كلمة فضيلة الامام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين احمد الطيب، الذي له- حقا- من اسمه نصيب وقد جاء بالعالم كله تقريبا، ليقول كلمة حق بشأن القدس وأهلها المرابطين.

الفلسطيني يقينا لا بد ان ينتصر وهذه بالنص كلمات رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، صاحب موقعة طرد ممثل اسرائيل من اجتماعات البرلمان الدولي، وعلى نحوها بعبارات اخرى تكرس هذا اليقين في كلمات البابا تواضرس الثاني، بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والأمين العام للجامعة العربية احمد ابو الغيط، ووزير الشؤون الاسلامية في المملكة العربية السعودية صالح بن عبد العزيز آلِ الشيخ، والامين العام لمجلس الكنائس العالمي اولاف فيكس تافيت، ورئيس البرلمان العربي مشعل بن فهم السلمي. وبالطبع كانت كلمة مصر كلها تجاور هذه الكلمات وتتماهى معها، وتقول عباراتها ذاتها بهذا المعنى وذاك، وهي تحتضن بمنتهى الدفء والمحبة وحسن الضيافة وكرمها، الحاضرين مؤتمر الأزهر الشريف وقد جاءوا من مختلف أنحاء العالم لتتأكد حقيقة القدس الجامعة، ونصرتها هو المحك  للعمل الصالح في الدنيا لثواب الدنيا والآخرة.

 الأزهر الشريف... هذا هو الدور وهذه هي المكانة الأيقونة، للمثال والعمل بوسطية الاسلام السمحة وحيث لا تقوى بغير الانتصار لقضايا الحق والعدل، وهي مازالت منذ اكثر من مائة سنة قضايا فلسطين بقدسها وشعبها وامتها العربية، بمسلميها ومسيحييها، وبمحبيها من احرار العالم وعقلائه.. الأزهر الشريف لك من القدس تحية محبة واحترام وتقدير، ودعوة زيارة لصلاة وزمن يتعاظم عربيا وإنسانيا حتى يوم خلاصها الاكيد من ظلم الاحتلال وظلامه، وإنه ليوم قريب بإذن الله تعالى.

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018