بوابة السماء المغلقة

 بسام أبو الرب

لم تعرف البشرية بوابات للمدينة المقدسة غير أنها بوابة الأرض إلى السماء، وبوابات حجرية تاريخية يعبر عبرها المؤمنون إلى أماكنهم المقدسة.

لكن تاريخ يوم أمس، عندما وضعت حكومة الاحتلال بوابات الكترونية على أبواب المسجد الأقصى المبارك؛ بهدف فحص المصلين قبل دخولهم لباحاته، سيسجل علامة تاريخية كبيرة في تغيير معالم هذه المدينة.

لليوم الرابع على التوالي تعيش المدينة المقدسة بشكل عام، والمسجد الأقصى بشكل خاص، حصارا مشددا، فيما أغلقته قوات الاحتلال بوجه المصلين، ومنعت إقامة الصلاة فيه، أو حتى رفع الأذان، قبل السماح بذلك ظهر أمس الأحد.

"اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشؤون التشريع" وافقت على مشروع قانون يمنع تقسيم مدينة القدس، استباقاً لأية تسوية سياسية، وينص القانون على أنه يمنع تقسيم القدس، إلا بموافقة 80 عضوا في الكنيست، حتى ولو كان ذلك في إطار تسوية سياسية مع الفلسطينيين.

القدس تعتبر بوابة السماء عند المسلمين نسبة لحادثة "الاسراء والمعراج" ، حيث  شهدت زيارة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حين أسري به ليلا من المسجد الحرام إلى الأقصى، ثم صعد إلى السماوات العلى.

مدينة القدس كانت محل أطماع المستعمرين لهذه البلاد، لأهمية موقعها الجغرافي آنذاك، بحيث كانت مقامة على أربعة تلال، ومطلة على عدة طرق.

ديفيد بن غوريون رئيس وزراء دولة الاحتلال عام 1948 أعلن "أن القدس الغربية عاصمة للدولة الإسرائيلية، إلى أن جرى احتلالها بالشكل الكامل في العام 1967، وضم الجزء الشرقي منها في العام 1980، وشددت من إجراءاتها من أجل دخولها، إلى أن جرى بناء جدار الفصل العنصري حول المدينة، عقب اندلاع انتفاضة الأقصى. 

حكومة الاحتلال تستغل الأهداف الأمنية؛ من أجل تحقيق أهداف سياسية، أو دينية يهودية، ذات استراتيجية بعيدة المدى؛ فهناك مخططات لإقامة كنيس داخل ساحات المسجد الأقصى، الأمر الذي يعزز التقسيم المكاني، كما جرى في الحرم الابراهيمي، عقب جريمة بداخله في العام 1994، حسب ما أفاد خليل التفكجي المتخصص بشؤون القدس.

وبين أنه في العام 1967 كان هناك اجراءات منع دخول أي اسرائيلي للأقصى، بالاتفاق مع وزارة الأوقاف في تلك الفترة، إلا أنه عندما أحرق المسجد القبلي في العام 1969، دفعت الحكومة بقوات من الشرطة إلى داخل ساحاته، وتطور الأمر الى أن أصبح هناك مراكز للشرطة داخله في العام 1980.

وقال التفكجي: في العام 1990 عندما حدثت مذبحة الأقصى الأولى، عقب محاولة متطرفين يهود ممن يسمون جماعة "أمناء جبل الهيكل" بوضع حجر الأساس بما يسمى "للهيكل الثالث" في ساحة المسجد الأقصى، فقام أهل القدس بمنعهم، ومنذ ذاك التاريخ استطاع الاحتلال زيادة المراكز الشرطية داخل الأقصى، ووضع الحراسات على أبوابه.

وأوضح أنه عقب اندلاع انتفاضة الاقصى، كان هنالك زيادة في عدد عناصر الشرطة، اضافة الى ما يشهده من اقتحامات من قبل المستوطنين، مشيرا إلى أن ما جرى في ساحاته من حدث أمني، سيرتبط بقضايا اخرى سياسية، وقضايا دينية يهودية، كونه لأول مرة منذ العام 1967 تغلق أبواب الأقصى، وتمنع الصلاة فيه. 

"بوابة السماء" تعرضت لأكثر من احتلال منذ بنائها على يد اليبوسويين بناة القدس الأولين. وهم بطن العرب الأوائل نشأوا في الجزيرة العربية، ثم نزحوا عنها مع من نزح من القبائل الكنعانية، وهم أول من وضع لبنة في بناء القدس". حسب ما أورده عارف العارف في كتابه "المفصل في تاريخ القدس"، الذي شغل منصب رئيس بلدية القدس بين العامين 1950 و1955.

 "في العام 1550 ق.م، أرسل أحد رجال السلطة المحلية في " يبوس"  القدس، رسالة الى فرعون مصر "تحوتمس الاول" يبدي فيها خضوعه، ويطلب منه ان يحميه ضد غارات المعتدين العبرانيين، فجاء لنجدته، ومن ذلك التاريخ أصبح الكنعانيون خاضعين لحكم مصر".

العارف تحدث في كاتبه عن تاريخ المدينة المقدسة منذ إقامتها في العهد اليبوسي، ثم مجيء الكنعانيين، وعن القدس في زمن الفراعنة، ثم احتلال المدينة من قبل بني اسرائيل، وما مرت به خلال العهد الآشوري، والبابلي، واحتلالها من قبل الفرس، متنقلا الى العهد اليوناني، ثم الروماني قبل المسيح، وفي عهد السيد المسيح، وبعد المسيح، والعصر الاسلامي الاول، ثم العصر الصليبي، واستردادها من قبل المسلمين، والغزو المغولي، وصده من قبل المماليك، الى أن جاء  الحكم العثماني، واحتلالها من قبل البريطانيين، ووقوعها تحت سيطرة الاحتلال الاسرائيلي منذ العام 1967 حتى يومنا هذا .

في العام 15 هجريا، حسب تقديرات المؤرخين، دخل الخليفة عمر بن الخطاب مدينة القدس فاتحا والتي كانت تعرف باسم "ايلياء"، عقب معركة انتصر فيها المسلمون، واشترط البطريرك صفرونيوس أن يتسلم عمر المدينة بنفسه، فكتب معهم "العهدة العمرية"، وهي وثيقة منحتهم الحرية الدينية مقابل الجزية. وغيّر اسم المدينة من "إيلياء" إلى القدس، ونصت الوثيقة "ألا يساكنهم أحد من يهود".

ومنذ ذلك الحين، اتخذت المدينة طابعها الإسلامي وشهدت نهضة علمية في مختلف الميادين، ويعتبر مسجد قبة الصخرة الذي بناه عبد الملك بن مروان  في الفترة من 682 - 691م من أهم الاثار فيها، وأعيد بناء المسجد الأقصى عام 709م، وشهدت المدينة بعد ذلك عدم استقرار بسبب الصراعات العسكرية التي نشبت بين العباسيين، والفاطميين، والقرامطة، وخضعت القدس لحكم السلاجقة، وهم أخلاط من الترك عام 1071م، حسب ما أورده العارف.

في العام  1099 م، وقعت القدس في أيدي الصليبيين وقتل الصليبيون فور دخولهم القدس قرابة 70 ألفاً من المسلمين وانتهكوا المقدسات الإسلامية، الى ان استطاع صلاح الدين الأيوبي استرداد القدس من الصليبيين عام 1187م بعد معركة حطين.

ولكن الصليبيين نجحوا في السيطرة على المدينة بعد وفاة صلاح الدين، في عهد الملك فريدريك ملك صقلية، وظلت بأيدي الصليبيين 11 عاماً إلى أن استردها نهائياً الملك الصالح نجم الدين أيوب عام 1244م.

وتعرضت المدينة للغزو المغولي عام 1243/1244م، لكن المماليك هزموهم بقيادة سيف الدين قطز والظاهر بيبرس في معركة عين جالوت عام 1259م، وضمت فلسطين بما فيها القدس إلى المماليك الذين حكموا مصر والشام بعد الدولة الأيوبية حتى عام 1517م.

في 1616 م دخلت جيوش العثمانيين فلسطين، وقد أعاد السلطان سليمان القانوني بناء أسوار المدينة وقبة الصخرة. وفي الفترة من عام 1831 - 1840م أصبحت فلسطين جزءًا من الدولة المصرية التي أقامها محمد علي ثم عادت إلى الحكم العثماني مرة أخرى.

 وأنشأت الدولة العثمانية عام 1880 متصرفية القدس، وأزيل الحائط القديم للمدينة عام 1898 لتسهيل دخول القيصر الألماني وليام الثاني أثناء زيارته للقدس، وظلت المدينة تحت الحكم العثماني حتى الحرب العالمية الأولى، وفي اليوم التاسع من كانون الاول للعام 1917 وقعت القدس تحت الاحتلال البريطاني، ودخلت المدينة في عهد جديد، كان من أبرز سماته: زيادة أعداد المهاجرين اليهود إليها، خاصة بعد وعد بلفور، حتى خروج بريطانيا في العام  1948، واحتلال القدس من قبل القوات الإسرائيلية، وتهجير عدد كبير من أهلها.

ــــــــ

ha

التعليقات

الحكمة ضالة المؤمن

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
على نحو بالغ الوضوح أعاد الرئيس أبو مازن للحكمة، دورها في السياسة، لكي تنجو هذه الأخيرة من تشنجاتها، وانفعالاتها، وتعجلها المراهق، ورغباتها التجريبية التي غالبا ما تكون مدمرة، وبوسع أية قراءة موضوعية لحراك الرئيس أبو مازن في ساحات العمل السياسي والدبلوماسي العربية والدولية، ان تكتشف انحيازه التام للحكمة وتمسكه بها في التعامل مع مختلف القضايا الوطنية والاقليمة والدولية، ومن ذلك مثلا رفضه للخطابات الاستهلاكية، ورفضه التعاطي مع الشعارات البلاغية وأوهامها، واصراره على مخاطبة الشعب وفصائله وقواه السياسية بصراحة ووضوح تجاه مختلف شؤون القضية الوطنية، وسبل مواجهة الاحتلال.

وبسياسة الرئيس أبو مازن بات مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، لأي دولة في العالم وخاصة الدول العربية الشقيقة بالغ الوضوح والمصداقية، وقد سجل موقفا تجاه الصراع في سوريا، بترجمة واقعية وعملية لمبدأ عدم التدخل، وما زال هذا الموقف يحظى باحترام فرقاء الصراع على المستويات كافة، والواقع ان هذا الموقف لم يستهدف سلامة المخيمات الفلسطينية في سوريا فحسب، ولا من أجل تكريس وتأكيد الموقف الوطني الفلسطيني بعدم التدخل في الشؤون الداخلية فقط، وانما أيضا من أجل عدم توسيع مساحة الصراع، وتأكيد احترام السياسة الفلسطينية، لمبدأ الحوار في حل صراعات البلد الواحد، ولا شك وحيثما كانت هناك المخيمات الفلسطينية (خاصة في لبنان اليوم) وحيثما كانت هناك احتمالات الصراع المحلية، فان هذا الموقف المبدئي لن يعرف تبدلا ولا تراجعا ولا مساومة، ولا بأي شكل من الأشكال. 

ولعلنا أيضا نشير هنا الى الخبر الرسمي الذي اعلنه الاعلام السعودي أمس الاول، ان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، اطلع مجلس الوزراء السعودي على نتائج مباحثاته مع الرئيس أبو مازن، التي تناولت مستجدات الأوضاع على الساحة الفلسطينية، ونشير الى هذا الخبر لنؤكد ان  معظم ما قيل عن زيارة الرئيس أبو مازن، ومباحثاته في السعودية، في بعض وسائل الاعلام العربية والأجنبية، لا أساس له من الصحة، ولا يعدو كونه محض فبركات وشائعات لا تريد غير توريط الموقف الفلسطيني في صراعات بالمحصلة، لا ناقة له فيها ولا جمل، وأكثر من ذلك لا تريد لفلسطين ان تكون عاصمة عربية محورية، لبحث شؤون الأمة والسعي لخلاصها من أزماتها الراهنة واطماع التدخلات الأجنبية، وخاصة الايرانية التي تبدو اليوم بالغة الوضوح والوقاحة، وكذلك فان الشائعات والفبركات استهدفت التشكيك بموقف المملكة العربية السعودية، تجاه فلسطين وقضيتها، وهو الموقف الذي لا يقبل  التبدل أو التراجع، ولا بأي حال من الأحوال.   

بسياسة الحكمة، وبحكمة السياسة، يمضي الرئيس أبو مازن في معالجة مختلف قضايا الشأن الوطني والعربي، ولهذا فلسطين تؤكد حضورها في كل مكان عاصمة مركزية، والعاصمة المركزية، مكانها بروح المكانة الفلسطينية، وبروح تجربتها وخبرتها النضالية والسياسية، وبروح تضحياتها العظيمة، مكانة ومكان في الجغرافيا والتاريخ، وفي الواقع والتطلع، من أجل المزيد من التشاور والتنسيق والعمل العربي المشترك، لما فيه صلاح الأمة، وخير مستقبلها. انها الحكمة التي هي ضالة المؤمن وقد تلقفها الرئيس أبو مازن بمنتهى الوضوح والقوة. 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017