قراءة في هجوم رفح الانتحاري.. ومسؤولية حماس والمطلوب منها

بقلم: أنور رجب
نعم، لم يكن هجوم رفح الانتحاري الذي استهدف مجموعة من ميليشيا "الضبط الميداني" التابعة لحماس مفاجئاً، وإن كان صادماً من ناحية الأسلوب الذي نُفذ فيه، وما يمكن أن يحمله ذلك من مؤشرات مستقبلية تجاه تصاعد الإرهاب الداعشي في قطاع غزة الذي سيدفع ثمنه جميع مكونات المجتمع وشرائحه، حتى لو كان عنوانه حركة حماس حسب ما جاء في بيان داعش. نعم، لم يكن مفاجئاً أن توجه داعش نيرانها نحو حماس، لسبب بسيط، كرسته تجربة الجماعات الإرهابية وتاريخها، وهو أن من يلعب مع الجماعات الإرهابية لابد وأن يكتوي بنارها، وهذا ما كان من حماس، التي دفعها غيها وغطرسة القوة إلى استثمار وتوظيف هذه الجماعات في إطار سعيها لمواجهة خصومها على الساحة المحلية قبل انقلابها الأسود، وبناء علاقات تعاون وتنسيق معها لاحقاً، تحديداً في إطار دعم المشروع الإخواني على الساحة العربية بعد "الربيع العربي" (سيناء نموذجاً)، التي سمحت ببناء تفاهمات بين الطرفين يتم بموجبها السماح لهذه الجماعات بالتواجد في قطاع غزة ضمن ضوابط محددة تحول دون تحولها لمصدر خطر يهدد حكم حماس، وفي نفس الوقت تحويل القطاع إلى ملاذ آمن ونقطة ارتكاز ودعم لوجستي لها لتوظيفها واستخدامها خارج القطاع.

بعد فشل مشروع الإسلام السياسي الإخواني، وبداية انحسار مشروع الخلافة الداعشي، وتصاعد وتيرة الإجراءات الدولية والإقليمية لمواجهة الإرهاب ومموليه وداعميه، والجهات التي تعمل على توظيفه، وما واكب ذلك من تطورات على الساحة العربية "أزمة قطر"، وفي سياق سعي حماس المحموم لاستمرار سيطرتها على قطاع غزة، قررت أن تعيد توظيف هذه الجماعات ولكن بطريقة معاكسة، من خلال التضحية بها لتحقيق اختراق في الموقف الإقليمي عبر التفاهمات الأمنية مع الدولة المصرية، التي لطالما شكلت جبهتها الشرقية مصدراً للإرهاب وضرب استقرارها، لا سيما وأن حماس فشلت في تحقيق تقدم كبير في إستراتيجية تفريغ الساحة الغزية من العناصر الإرهابية عبر تشجيعهم وحثهم لمغادرة القطاع للجهاد في أماكن أخرى، وربما هذا ما يفسر تزايد عدد عناصر داعش الذين قتلوا في سيناء من أبناء قطاع غزة في الأشهر الأخيرة.

مسؤولية حماس لا تتوقف عند توظيف الإرهاب وجماعاته في خدمة أجنداتها وحسب، وإنما فيما هو أبعد وأعمق من ذلك، من حيث توفير المناخات المناسبة والملائمة لولادة الفكر التكفيري المتطرف في قطاع غزة، سواء من جهة ما تحتويه منظومتها التربوية والفكرية التي تعتمد التفسير المتطرف للنص الديني والمنهج الانتقائي للسنة النبوية، والمستندة لمرجعيات فقهية وفكرية متشددة، بما تحتويه هذه المنظومة من تحريض على الآخر، وتكريس ثقافة الاستعلاء "العزلة الشعورية والفرقة الناجية" والاستقواء عليه "آية السيف"، ومن هنا لا نجد غرابة في أن الغالبية العظمى من عناصر الجماعات الإرهابية في غزة هم في الأساس عناصر في حماس وكتائب القسام، بعد أن حالت تعبئتهم الفكرية دون استيعاب التحولات التي طرأت على حماس نتيجة دخولها اللعبة السياسية. ومن جهة أخرى لم يبق هذا الفكر محصوراً داخل أسوار حماس، بعد أن استخدمت خطاباً دينياً ملئ بمصطلحات التكفير والتخوين ونشر الكراهية ضد مخالفيها، والأخطر من ذلك كله اقتران هذا الخطاب بسلوك وحشي "لا يختلف من حيث الجوهر عن ممارسات وسلوك داعش" مارسته ضد أبناء فتح والأجهزة الأمنية قبل وأثناء وبعد الانقلاب، مما فتح الباب وشجع الجماعات الإرهابية التي ترى في ثقافة القتل والدماء ركناً رئيساً في إستراتيجيتها لإيجاد موطئ قدم لها على ارض غزة، فضلاً عن إصرار حماس على استمرار اختطاف غزة الذي قاد إلى مجموعة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، حرمت المواطن الغزَي من ابسط حقوقه الآدمية، فأوجدت تربة خصبة لعمليات التحشيد والتجنيد لجماعات الإرهاب والتطرف الديني.

جيد أن تقرر حركة حماس إعلان الحرب على جماعة داعش في غزة، ولا شك أن نجاحها في السيطرة على فعل داعش ونشاطها العملياتي أمر وارد وممكن، خاصة وأن حماس لا خطوط حمراء لديها في استخدام القوة والعنف في مواجهة كل ما يهدد استقرار حكمها، ولها تجارب سابقة في ذلك (أحداث مسجد ابن تيمية في رفح)، وهو بالتأكيد سيكون نجاحاً مؤقتاً، ما لم يقترن الأسلوب الأمني بمستويات أخرى من العلاج وفي مقدمتها المواجهة الفكرية التي بالضرورة تقود إلى اجتثاث الفكر المتطرف والقضاء عليه، وهذا أمر مشكوك في جدية حماس للعمل عليه، خاصة وان منظومتها الفكرية والتربوية تتقاطع في الكثير منها مع الأفكار التكفيرية المتطرفة وتعج بها، و"فاقد الشيء لا يعطيه". وإذا افترضنا حسن النية لدى حماس، فان المطلوب منها الإقدام على تنفيذ العديد من الخطوات التي من شأنها أن تعزز القدرة على هزيمة الفكر التكفيري المتطرف، وسد جميع المنافذ التي يلج منها:

المطلوب من حماس أولاً، التخلي عن سيطرتها عن قطاع غزة، وحل لجنتها الإدارية، وتمكين حكومة الوفاق من أداء مهامها، ليتسنى لها معالجة المشكلات والأزمات التي يعاني منها قطاع غزة التي توفر تربة خصبة لنمو وترعرع الفكر التكفيري المتطرف. وثانياً: تطهير منظومتها الفكرية والتربوية من المواد والمراجع التي تؤسس لنشر التطرف والعنف، وتنقية خطابها الديني من ثقافة التكفير والتخوين ونشر الكراهية تجاه الآخر. وثالثاً: التوقف عن استخدام الدين وتوظيفه في خدمة إستراتيجيتها وسياساتها، وتبرير التقلبات والتحولات التي تطرأ عليها، الذي جعل من خطابها الديني مربكاً ومتناقضاً وضعيفاً، إذ لا يعقل الدعوة لمواجهة الفكر المتطرف لداعش، وفي نفس الوقت استخدام نفس الخطاب في مواجهة الخصوم السياسيين والمخالفين لنهج حماس، عبر توظيف النص الديني وتحويره وتجييره بما يخدم مواقف ورؤية الحركة، وقبل ذلك كله يتوجب على حماس الاعتذار من الشعب الفلسطيني عن دورها في نشر خطاب التطرف والكراهية فكراً وممارسة، وهو بمثابة الخطوة الأولى التي تعبر عن جدية حماس في حربها على التطرف والعنف، وما يؤسس لشراكة حقيقية مع الآخر بعيداً عن ثقافة الاستعلاء والاستقواء.

بالرغم من حالة القلق والخوف التي انتابت الجميع بعد الهجوم الانتحاري، إلا أن تداعيات هذا الهجوم أفرزت مجموعة من المؤشرات المطمئنة التي تخفف من وطأة الحدث، فالرفض المجتمعي الواسع والعريض للفكر التكفيري المتطرف يشير إلى غياب الحاضنة المجتمعية، خاصة بعد أن تحولت حماس من حاضنة إلى عدو، وما يؤكد ذلك هو موقف عائلة الانتحاري التي تبرأت منه ومن فعله، وما لاقاه موقفها من إشادة وترحيب في الأوساط الشعبية والرسمية. المؤشر الآخر هو الموقف الموحد الذي عبرت عنه فصائل العمل السياسي ومؤسسات المجتمع المدني، برفض هذا الفكر وضرورة مواجهته واجتثاثه، فيما تشكل الرؤية التنويرية التي يبشر بها مجموعة عريضة من الكتاب والمثقفين ورجال الدين ضمانة للحد من انتشار الأفكار التكفيرية، التي لطالما تناولت أدبيات حركة حماس بالنقد باعتبارها تشكل حاضنة للفكر المتطرف وراعية له، وإذا أرادت حماس أن تحارب التكفير والتطرف قولاً وفعلاً، فعليها أولاً أن تبدأ بنفسها.

 

 

kh

التعليقات

سلاما أيها الزعيم

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

قدم الفلسطينيون كعادتهم لحظة المواجهة والتحدي، ومنذ الاعلان القبيح للرئيس الأميركي ترامب، قدموا وسيقدمون الدم الطاهر دوما (ستة شهداء ومئات الجرحى حتى الآن) دفاعا لا عن المقدسات الاسلامية والمسيحية، في عاصمتهم القدس المحتلة فحسب، وانما ايضا دفاعا عن كرامة الأمة العربية وعزتها، التي أراد الرئيس الأميركي بتوقيعه الاستعراضي المتغطرس على اعلانه القبيح، ان يطعنها في صميم مشاعرها وقيمها المقدسة.    

 وفي الوقت ذاته قدم رئيسهم رئيس دولة فلسطين، الزعيم أبو مازن في القمة الاسلامية الطارئة التي عقدت في اسطنبول الأربعاء الماضي، قدم كلمة الفصل للعالم أجمع، كلمة الدم الفلسطيني الطاهر ذاته، في خطاب تاريخي عز ويعز نظيره في خطب السياسة العربية والاسلامية والدولية، الخطاب الذي تجلت فيه وبصوت الحق والحقيقة، الطبيعة النضالية الفلسطينية، بسلامة رؤيتها، وصلابة موقفها، وعلى نحو لا يقبل أي تأويل مخاتل، وبقدر ما كان الخطاب خطاب الحسم والتحدي في مواقفه وقراراته، بقدر ما كان خطابا للمقاومة، بكل ما في هذه الكلمة من معنى: فاذا كان وعد بلفور المشؤوم قد مر، فإن وعد ترامب لن يمر أبدا".

لا بل ان حقيقة الخطاب التاريخي للرئيس أبو مازن أبعد من ذلك، انه خطاب المواجهة الأشمل، وقد أخرج الولايات المتحدة من دور الراعي والوسيط في العملية السياسية، بكلمة (لا) كبيرة وواضحة وحاسمة، لا لهذا الدور بعد الآن، وقد ثبت خواؤه من كل نزاهة وموضوعية، وهي الكلمة التي ما زال البعض لا يجرؤ التقرب منها حتى في أحلامه..!! وليس هذه الكلمة فحسب، وانما كذلك كلمة واقع الحال الذي على الأمة العربية والاسلامية، مجابهته قبل فوات الأوان، بواقعية الرؤية النضالية وبرامج عملها، لتحرر ما هو محتل من أراضيها، ولتحقق الهزيمة الشاملة للارهاب، وتعيد الأمن والاستقرار لبلدانها، وتؤمن مستقبل الحرية والكرامة لشعوبها، وتقيم السلام العادل في هذه المنطقة.

انه خطاب المسألة العربية في متطلباتها السيادية، وخطاب المسؤولية الدولية في رؤيتها الانسانية وتطلعاتها النبيلة، وبالطبع وقبل ذلك انه خطاب الذات الفلسطينية، التي لا تخشى تهديدا، ولا تنحني لغطرسة العنصرية وعدوانيتها، وسبق للزعيم الخالد ياسر عرفات ان صاح "شهيدا شهيدا شهيدا"، وما من صيحة في خطاب الرئيس أبو مازن غير هذه الصيحة الآن، لطالما القدس تظل أبدا اساس المشروع الوطني درة التاج لدولة فلسطين عاصمة وحاضرة للعدل والحق والجمال، بما يعني ان تضحياتنا في سبيل حرية العاصمة لا حدود لها ولا تراجع عنها ولا مساومة عليها.

نعم انها صيحة التحدي، بروح الواثق من حتمية النصر، ولا صيحة بعد هذه الصيحة، التي لا تقبل أية مزايدات، ولا ترضى بغير وحدة الكلمة الفلسطينية، كلمة الشرعية في اطار وحدتها الوطنية التي لا عافية لها دون اتمام المصالحة الوطنية على أكمل وجه حيث السلطة الواحدة، والقانون الواحد، وسلاح الحرب والسلم بقراره المركزي الواحد الموحد.

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017