ورحلت فاطمة صُبح.. أي قلب يتسع لكل هذا الحزن؟

 رحلت فاطمة خالد صبح بصمت لتلحق بولديها الشهيدين: فادي ومالك. ودّع مخيم الفارعة ظهر اليوم "أم مالك" في جنازة مهيبة، فيما سيظل بيتها بعد اليوم مغلقًا.

واستردت وزارة الإعلام في محافظة طوباس والأغوار الشمالية في الحلقة (40)  ضمن سلسلة "كواكب لا تغيب" حكاية أم مالك، المنحدرة من قرية الريحانية قضاء حيفا، والمولودة عام 1952 داخل مخيم الفارعة، لكن عملية "القسطرة" التي أجرتها في أحدى مستشفيات رام الله أمس أوقفت قلبها عن "العزف" وللأبد.

وسردت صبح (65 عاما)، خلال إطلاق "كواكب لا تغيب"، السلسلة التي تنظمها الوزارة بالتعاون مع الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية شريط ذكرياتها المبلل بالحزن، وقالت حينها: "خسرت الشهيدين فادي ومالك، وسبقهما أبوهما، وبقيت وحيدة مع جرحي الذي لم يلتئم. ولا أستطيع نسيان الساعة الواحدة والنصف من ليل يوم  الجمعة 29 تشرين أول 2006، حين عاد فادي إلى المنزل بحثًا عن ملابس شتوية، يحتمي بها من البرد، ولم يطلب مني كعادته القهوة والشاي، حتى أنه لم يرد عليّ، وأسرع إلى  الخارج، وعرفت لاحقاً أنه توجه إلى منطقة جبلية  مقابلة لمخيم الفارعة، وبعد وقت قصير، جاءنا خبره".

 

فادي ومالك

ومما حفظته ذاكرة الأم الجريحة، والراحلة أيضا، يوم شاهدت سيارة الإسعاف تمر في طرقات المخيم، وشعرت بأن شيئا ما يخبرها بمصيبة كبيرة خلف هذا الصوت المنبعث بسرعة، وهذا ما حدث بالفعل.

وتتابع: كان شعر فادي طويلاً ومتدلياً، وكان متفوقاً في دراسته، ويحلم أن يصبح أستاذاً، قبل أن يقرر تركها وهو في بدايات "التوجيهي"، ما دفع المدير أبو جلال القدومي للاستغراب كثيراً. وكان يطلب مني أن أطبخ له المقلوبة وورق العنب كثيراً، وحين أحضرها اليوم أشعر بالوجع.

ومضت تقول: "اشترى ابني بلوزة حمراء للعيد، وأعاد البحث عن واحدة مشابهة لها من نابلس، وهي ذاتها التي استشهد فيها، ولا زالت معي، ولن أفرط بها إلا بموتي."

وتعرض فادي (27 عاماً) لثلاث إصابات، خلال انتفاضة الأقصى، وبدأت معه قصة علاج طويلة في القدس ونابلس والأردن وحتى إيران، لكن الرابعة كما تقول الأم، كانت القاضية.

وروت صبح حكاية جرحها الثاني: استشهد مالك بالتدريج، فقد أصيب يوم 9 تموز 1989 بأزقة مخيم الفارعة بالقلب، وظلت الرصاصة تستوطن جسمه، وتسبب له الوجع، دون أن يتمكن من إجراء عملية جراحية باهظة التكلفة لاستئصالها، إلى أن غادرت روحه إلى السماء في 2 نيسان 2008.

 

شهيدان وقلب

وقالت: أصيب مالك وهو طفل، واستشهد ابن 36 سنة، بعد أن تزوج وأنجب: نور، ومحمد، وعبد الرحمن، ورونزا، لكنه مات مئة مرة قبل الرحيل؛ لشدة الوجع، ولعدم قدرتنا على علاجه، الذي لم يساعدنا أحد لتوفيره.

شاهدت الوالدة المكلومة الجندي الذي أطلق النار على ابنها، خلال انتفاضة الحجارة، فقد كان بعيدًا عن فلذة كبدها 30 متراً تقريبَا، واجتمع عشرة من لواء "جولاني" حوله بعد الإصابة.

وبحسب شهادة الأم الراحلة، فإن مالك كان مولعًا بالأطباق نفسها التي أحبها شقيقه فادي ( الملوخية الخضراء، وورق العنب)، وكان أقصر من أخيه، ويتفاخر بشعره كثيرًا، ويمضي وقتًا طويلاً على المرآة.

والمشترك في قصة الشهيدين الأخوين، عيشهما مع رصاصة استقرت جسديهما، الأول احتلت مكانًا قريباً من قلبه، والثاني استعمرت الظهر والفخذ، فيما رحل والدهم عبد نمر عام  1994، الذي كان يعاني أمراض الجهاز التنفسي، بعد استنشاق الغاز المسيل للدموع، أطلقه جيش الاحتلال على شبان الفارعة. تاركاً الزوجة والأم في رحلة وجع طويلة، وصلت الليل الفائت إلى نهايتها.

 

أحزان نقيّة

واصطبغت أزقة مخيم الفارعة  بالحزن على الأم الراحلة ونجمة  قرية "الريحانية" المُدمرة، وكتب الناشط المجتمعي عمر منصور، على موقع "فيس بوك": "أُغلق باب أم مالك للأبد. فاطمة خالد ذيب صبح رحلت هذه الليلة لتغلق صفحةً حزينة من المأساة الفلسطينية. رحلت فاطمة ولن نمرّ عليها تجلس باب بيتها الصغير كل صباح، سيبكيك فقراء المخيم طويلاً." وتساءل: "أي قلب كان يتسع لكل هذا الحزن؟"

فيما باحت رئيسة اتحاد المرأة في طوباس ليلي سعيد بحزن: ستفتقد شوارع الفارعة وحاراتها أم مالك كثيرًا، التي كانت تجلس كل صباح أمام منزلها، وتلقي عليها نساء المخيم التحية المعتادة، ويجلسن بجوارها قليلاً قبل أن يكملن المسير.

وأضافت: "مرارة الرحيل في قصة فاطمة كبيرة، فهي التي حرمت من  قريتها القريبة من حيفا، وعاشت حياة صعبة بعد النكبة، وهي بحق خنساء الفارعة"، التي صبرت على الجرح وتوقف قلبها بعد وجع طويل.

فيما قال الستيني فؤاد صبح، الذي يلاصق بيته منزل الراحلة: خسرنا رمزًا للنضال والصبر في مخيمنا، وفقدنا حاملة هموم الدنيا، التي اكتوت بنار الفقر.

وتابع: سكنت في قلب جارتنا أم مالك حسرة  كبيرة بعد فراق ولديها وزوجها، وعاشت مع أمراض عديدة، وكانت خزانتها مليئة بأنواع الأدوية، وصبرت على الجمر والمر، ورغم كل هذا كانت عزيزة النفس.

ـــــــــ

ha

التعليقات

سلاما أيها الزعيم

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

قدم الفلسطينيون كعادتهم لحظة المواجهة والتحدي، ومنذ الاعلان القبيح للرئيس الأميركي ترامب، قدموا وسيقدمون الدم الطاهر دوما (ستة شهداء ومئات الجرحى حتى الآن) دفاعا لا عن المقدسات الاسلامية والمسيحية، في عاصمتهم القدس المحتلة فحسب، وانما ايضا دفاعا عن كرامة الأمة العربية وعزتها، التي أراد الرئيس الأميركي بتوقيعه الاستعراضي المتغطرس على اعلانه القبيح، ان يطعنها في صميم مشاعرها وقيمها المقدسة.    

 وفي الوقت ذاته قدم رئيسهم رئيس دولة فلسطين، الزعيم أبو مازن في القمة الاسلامية الطارئة التي عقدت في اسطنبول الأربعاء الماضي، قدم كلمة الفصل للعالم أجمع، كلمة الدم الفلسطيني الطاهر ذاته، في خطاب تاريخي عز ويعز نظيره في خطب السياسة العربية والاسلامية والدولية، الخطاب الذي تجلت فيه وبصوت الحق والحقيقة، الطبيعة النضالية الفلسطينية، بسلامة رؤيتها، وصلابة موقفها، وعلى نحو لا يقبل أي تأويل مخاتل، وبقدر ما كان الخطاب خطاب الحسم والتحدي في مواقفه وقراراته، بقدر ما كان خطابا للمقاومة، بكل ما في هذه الكلمة من معنى: فاذا كان وعد بلفور المشؤوم قد مر، فإن وعد ترامب لن يمر أبدا".

لا بل ان حقيقة الخطاب التاريخي للرئيس أبو مازن أبعد من ذلك، انه خطاب المواجهة الأشمل، وقد أخرج الولايات المتحدة من دور الراعي والوسيط في العملية السياسية، بكلمة (لا) كبيرة وواضحة وحاسمة، لا لهذا الدور بعد الآن، وقد ثبت خواؤه من كل نزاهة وموضوعية، وهي الكلمة التي ما زال البعض لا يجرؤ التقرب منها حتى في أحلامه..!! وليس هذه الكلمة فحسب، وانما كذلك كلمة واقع الحال الذي على الأمة العربية والاسلامية، مجابهته قبل فوات الأوان، بواقعية الرؤية النضالية وبرامج عملها، لتحرر ما هو محتل من أراضيها، ولتحقق الهزيمة الشاملة للارهاب، وتعيد الأمن والاستقرار لبلدانها، وتؤمن مستقبل الحرية والكرامة لشعوبها، وتقيم السلام العادل في هذه المنطقة.

انه خطاب المسألة العربية في متطلباتها السيادية، وخطاب المسؤولية الدولية في رؤيتها الانسانية وتطلعاتها النبيلة، وبالطبع وقبل ذلك انه خطاب الذات الفلسطينية، التي لا تخشى تهديدا، ولا تنحني لغطرسة العنصرية وعدوانيتها، وسبق للزعيم الخالد ياسر عرفات ان صاح "شهيدا شهيدا شهيدا"، وما من صيحة في خطاب الرئيس أبو مازن غير هذه الصيحة الآن، لطالما القدس تظل أبدا اساس المشروع الوطني درة التاج لدولة فلسطين عاصمة وحاضرة للعدل والحق والجمال، بما يعني ان تضحياتنا في سبيل حرية العاصمة لا حدود لها ولا تراجع عنها ولا مساومة عليها.

نعم انها صيحة التحدي، بروح الواثق من حتمية النصر، ولا صيحة بعد هذه الصيحة، التي لا تقبل أية مزايدات، ولا ترضى بغير وحدة الكلمة الفلسطينية، كلمة الشرعية في اطار وحدتها الوطنية التي لا عافية لها دون اتمام المصالحة الوطنية على أكمل وجه حيث السلطة الواحدة، والقانون الواحد، وسلاح الحرب والسلم بقراره المركزي الواحد الموحد.

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017