.. آخر أيام القش الجميل

سلفيت-  عُلا موقدي- باتت الحرف اليدوية محصورة بالجيل القديم فقط، وهي تضمحل يوماً بعد يوم بوفاة أصحابها أو معاناتهم من أمراض مختلفة، لتقف حائلاً بين قدرة الأشخاص على ممارسة حرفهم وبين اندثار هذه الحرف بشكل ملحوظ، فهي تتطلب الكثير من التعب والصبر والتركيز.

لكن العديد من النساء اللواتي تجاوزت أعمارهن السبعين عام، لا يزلن حريصات على الاهتمام بها وإبقاء التراث الفلسطيني حياً بذاكرة الأجيال الناشئة والأشخاص القادمين من الخارج، فاستخدمن مهارتهن اليدوية في صناعة الصابون البلدي من زيت الزيتون، والصواني بأحجامها المختلفة والمكانس والسلال من القش.

إحدى هؤلاء النسوة الحاجة نصرة سالم (76 عاما) في قرية كفل حارس في محافظة سلفيت، التي تجلس كل يوم بعد أن تصلي الفجر، تقرأ ما تيسر من القرآن الكريم، خلف البيت في غرفة قديمة مبينة من الحجارة تغطيها ألواح معدنية "زينكو"، وتمارس عملها في القش.

تجتمع حول الحاجة نصرة الجارات والحفيدات، يتبادلن الحديث بمواضيع مختلفة، بينما تنشغل هي بـ "البداية، وهي استخدام القش وتحويله إلى مكانس وساعات حائط وسلال وأشكال مختلفة للزينة، وتزيد تركيزها في الشكل النهائي لصينية القش التي بين يديها، تكتفي بابتسامه خفيفة مع من حولها، وتشعر معهن بالتسلية والمحبة.

فقدت الحاجة نصرة زوجها وهي في سن العشرين من عمرها، و اثنين من ابنائها، ولم يتبق لها سوا ابنها محمد، عادت من العراق، وعملت في تلبيس العرائس في البلدة.

وقالت لـ "وفا": "كنت أخيط للعروس بدلة زفافها بنصف دينار، واخيط فساتين المخمل وجهازها جميعه وأذهب للعروس لتزيينها فأضع لها الكحلة والحمرة الخفيفة وأقوم بتلبيسها بدلتها، وبقيت على هذا الحال الى حين ما بدأت تنتشر الصالونات وأصبحت الملابس تشترى من الأسواق جاهزة".

وبينت نصرة أنها بدأت تُبدي صواني القش قبل 26 عاما، قائلة: "اشتريت قشا وبدأت ابدي، عملت جرارا وسلات وقبعات -التي كانت تستخدم قديماً لجني الثمار-، وبعتها لمن يطلبها وكان غالبيتهم من المعلمات والدكاترة، وهدايا للساكنين في الخارج، وللمحلات في الباذان".

تعمل الحاجة نصرة طيلة فصل الصيف ما يقارب 7 ساعات في اليوم، وفي الشتاء لا يساعدها المكان على العمل، وتركت الخياطة منذ مدة طويلة لكن ماكنتها الصغيرة لم تفارق غرفتها فهي تحب أن تحيك ملابسها بنفسها، رغم الأوجاع التي تعاني منها في عينها، وتردد "الحمد لله على شوف الفضاء، وشم الهواء".

تعاني نصرة من نقص القش والحشوات فهي تشتريهم من امرأة تسكن بلدتها بـ(300 شيقل) سعر الرطل الواحد،  وتقول: على زمن والدي، كنا ندرس القمح وننادي على كل نساء البلد تُقشش (اختيار سيقان القمح المناسبة)، فيبقى الخير موجود، والعمل مستمر.

تساهم الحاجة نصرة في مصروف البيت من بيع الصواني، فتختلف أسعار الصواني بحسب حجمها فهي تتراوح ما بين 50-100 شيقل.

وتوضح: "احتاج ليومين حتى تكون الصينية جاهزة، وغالباً أقوم بدمج الشبر مع القش للحصول على أشكال مختلفة ويكون لها اسماء معينة كـ"درج الحاكم"، و"قطوف الموز"، والصواني المزينة بعلم فلسطين، وبعض الصواني أُدخل عليها الساعة لتعليقها في صالونات المنازل".

وتذكر نصرة، أن صواني القش كانت من أساسيات الأواني المنزلية في كل بيت فلسطيني، واستخدمت لفرد الطعام ووضع خبز الطابون، الا أنها أخذت تفقد مكانتها خلال السنوات الأخيرة بسبب وجود صواني الألمنيوم والبلاستيك الرخيصة ووفرتها في الأسواق.

وتعد نصرة أجدر النساء في صناعة القش، ويعتبرنها نساء البلدة بأنها معلمتهن الأولى والمثالية، وسبق أن شاركت في أحد المعارض للتربية والتعليم وحصلت على المركز الأول.

وعن صناعة مكانس القش، تذكر عيشة ابراهيم عبد الرحمن(75عاما) من قرية دير بلوط غربي سلفيت، لـ"وفا": في فصل الربيع ابذر القمح على أطراف المرج حتى لا يضر المزروعات الأخرى، ومع حرارة تموز المرتفعة وفي موسم الحصاد نقوم بقطفها وتنظيفها من البذور، وفي بعض الأحيان نقطفها قبل أن تنضج جيداً لأن الخنازير البرية تأكل جميع المزروعات وتخرب علينا.

وتتابع: "نجمع السيقان الصالحة وننقعها في الماء منذ الصباح حتى ساعات الظهيرة، حتى تصبح لينة غير قابلة للكسر، ومن ثم نبدأ بعمل عقد الصينية ومع كل لفة تكبر الصنية حتى تصبح بالحجم المطلوب، وفي القدم كنا نضع في وعاء الماء صبغات بألوان مختلفة ثم ننقع سيقان القش فيها حتى نحصل على أشكال جديدة والوان مميزة".

وتقول الحاجة عيشة: "أجمع سيقان السنام بعضها فبعض، بعد أن انقعهما مدة تزيد عن الساعتين داخل قطعة قماش كبيرة مبللة، ثم أربط عليهم خريصين (اسلاك حديدية) حتى تصبح المكنسة متماسكة ومتينة".

وتعود الذاكرة بعيشة: تعلمت هذه الطريقة قبل أكثر من 20 عاما عندما كنت في زيارة لمدينة نابلس وقفت أمام صانعيها وعندما عدت الى المنزل قمت بنقع السنام وربطت اول سنامتين لم تكن بالشكل المطلوب، وبعد المرة الثالثة اتقنت عملها، كنت أعمل يومياً 20 مكنسة أما اليوم تصل بحدود الـ10 مكانس كل يومين ونبيعها للتجار، ويتراوح سعر مكنسة القش ما بين 10-15 شيقل.

تغير الزمن، واختلفت الإهتمامات وطريقة التعامل مع الأدوات البسيطة التي كانت تشكل ارثنا وماركتنا بين شعوب العالم، وبقيت قلة فقط محافظة على هذا الارث والعمل به، بينما أصبحت جميع تلك الأدوات زينة في البيوت والمراكز والمؤسسات.

بضع عجائز فقط، يجلسن على أبواب بيوتهن، يعملن في تحويل القش إلى تحف وأشكال جميلة، بتعب وصبر، من باب التسلية وتمضية الوقت، ومن أجل ما تيسر من مال وربح يجنينه بأيديهن المزينة بعروق نضجت من تعب وشقاء في الأرض.

 

 

 

kh

التعليقات

لغة المصالحة مرة اخرى

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
يبدو ان الناطق الرسمي باسم حركة حماس، لا يريد للمصالحة الوطنية ان تمضي في دروبها الصحيحة، وهو ما زال يتشبث بلغة الانقسام القبيحة، هذا الى جانب ما يمكن تسميته سلوكيات اعلامية اخرى لقيادات حمساوية لا تريد الاعتراف بأن المصالحة وانهاء الانقسام، تبدأ من الاقرار بسلطة واحدة، وادارة واحدة، وسلاح واحد، وبلغة وسلوك يعكس الالتزام بذلك على نحو بالغ الوضوح.

ما زال هذا الناطق يستخدم ذات الكلمات والتعابير التي سادت فيما مضى (..!!) وما زال لا يرى، او انه لا يريد ان يرى ان المصالحة بحاجة الى لغة تتفتح فيها النوايا الطيبة، لتسوية كافة المعضلات التي اوجدها الانقسام، والاخطر انه ما زال لا يرى ان هذه المعضلات التي تراكمت طوال العشر سنوات الماضية، هي معضلات لم تتحمل حماس مسؤولية معالجتها، ولا بأي شكل من الاشكال، بل تركتها تتراكم بنكران في خطاب قال ذات مرة ان غزة مع حكم حماس تعيش افضل ايامها ...!! هل نذكر بتصريحات الزهار في هذا السياق .؟؟

عشر سنوات من الانقسام غذتها الحروب العدوانية الاسرائيلية الثلاث على القطاع، بمزيد من العذابات والجراح العميقة، جعلت من الحياة هناك، حياة خارج السياق الآدمي الى حد كبير...!! لكن الناطق الرسمي الحمساوي لا يرى من عذابات القطاع المكلوم، سوى اجراءات الرئاسة التي استهدفت في الواقع الضغط العملي لدحر الانقسام البغيض، ولم تكن بالقطع اجراءات "تعسفية ضد اهلنا في غزة" كما يصفها هذا الناطق بلغة الانقسام القبيحة، التي لا ينبغي لها ان تكون بعد الآن، لكي نقول ان المصالحة تتقدم في دروبها الصحيحة. 

وبالقطع ايضا ان هذه الاجراءات، ليست هي السبب في عذابات القطاع المكلوم،        وليست هي التي فاقمت ازمات ومعاناة اهلنا في المحافضات الجنوبية، فليست هي التي ضاعفت الضرائب خارج القانون ودون وجه حق، وليست هي من احكم قبضة الامن التعسفية، والاستيلاء على الاراضي الحكومية وجعلها اعطيات اقطاعية، ولا علاقة لهذه الاجراءات بمعضلة الكهرباء ولا بتلوث البحر أو غيرها من المعضلات والمشاكل، وبالقطع تماما ان هذه الاجراءات ليست هي العنوان الرئيس في المصالحة، ومع ضرورة واهمية تسويتها فإن إلغاءها لن يحل معضلات القطاع دفعة واحدة، ولن يجعل من سنوات الانقسام العشر نسيا منسيا، وكأنها لم تكن بالمرة، وهي على كل حال اجراءات  كانت وما زالت مؤقتة، ستنتهي لحظة تمكن حكومة الوفاق من ممارسة مهامها على اكمل وجه في المحافضات الجنوبية.

عشر سنوات من العتمة، ولا نريد وصفا آخر احتراما للمصالحة، خلفت الكثير من الالم ولا يمكن اختصارها وحصرها في هذا الاطار المفتعل، الذي نرى انه يحاول القفز عن متطلبات المصالحة الوطنية الاساسية، والهروب من مواجهة الواقع وضرورة المراجعات النقدية للسنوات العشر الماضية وتحمل مسؤولياتها على نحو وطني شجاع.

ومرة اخرى سنقول ونؤكد ان للمصالحة لغة ليست هي لغة تلك السنوات العجاف، لغة تسمح بالنقد والمراجعة والاعتراف، ولغة تجعل من دروب المصالحة سالكة تماما بالتروي والحكمة والعبارة الصالحة الخالية من الاتهامات الباطلة والشعارات المنافية للواقع والحقيقة.

وبقدر ما هي المصالحة "ضرورة وطنية لانهاء الاحتلال واقامة الدولة وتحقيق آمال شعبنا" كما اكد ويؤكد الرئيس ابو مازن، فإن لغة المصالحة ضرورة ايضا لكي تستقيم عملية انهاء الانقسام وتؤدي المصالحة، كما يراها ويريدها شعبنا ورئيسنا أبو مازن، دورها في تعزيز مسيرة الحرية والاستقلال.

لغة المصالحة هي لغة الوحدة الوطنية، ولغة الوحدة هي لغة الوطن، لغة فلسطين التي هي دوما لغة الحق والعدل والحرية والجمال.

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017