الناصرة في عيون مصوريها

رام الله- يامن نوباني- استشعارا بحجم الكارثة الشخصية والجماعية، وبما يتربص بالذاكرة الفلسطينية الجمعية من تهويد وتزييف وإخفاء، يسعى الباحث خالد عوض إلى إنقاذ ما يمكن انقاذه واستعادة شيء من الضياع الكبير الذي لازم الشعب العربي الفلسطيني على أرضه منذ الحقبة العثمانية مرورا بالانتداب البريطاني وحتى الاحتلال الاسرائيلي ونكبة 1948.

يعكف عوض، الباحث في التراث، مدير جمعية السيباط للحفاظ على التراث، منذ عشرات السنين على اكتشاف واخراج الصور والوثائق والخرائط المتعلقة بالمدن الفلسطينية التاريخية من أماكن إخفائها أو اهمالها في المكتبات والبيوت، وإبرازها للعالم دليلاً قاطعا على حياة الشعب الفلسطيني الكاملة والحيوية قبل الاحتلال.

يستعد عوض لإصدار كتابه الخامس ضمن سلسلة كتب مصورة لمدن فلسطين، بعنوان: "الذاكرة البصرية.. الناصرة في عيون مصوريها"، وسبق أن نشر: سجل القدس المصور، وسجل أريحا المصور، وسجل بئر السبع المصور، وسجل الناصرة المصور، ويضم كل واحد منها نحو 400 صورة.

 "الذاكرة البصرية.. الناصرة في عيون مصوريها "يتضمن أسماء تسعة مصورين، في العقد الأخير من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ومن أولئك المصوّرين النصراويّين: ناصر سابا، ج. منصور، لطف السروجي، فضيل سابا، كريمة عبّود، معين بواردي، والمصوّر الأرمنيّ إسطفان كبنجيان، وقد اشتهر بـالمصوّر الأرمنيّ المصوّر الفوتوغرافيّ سليم عزّام، وعرف باسم فوتو نبيل، ويوسف عبد الله نمر وعرف بالمصوّر يوسف.

يُهدي عوض كتابه إلى الجنود المجهولين الذين وثقوا بواسطة كاميراتهم الاولى مدينة الناصرة بمناظرها العامة وهضابها الخلابة، حواريها وأسواقها، معابدها الدينية ومعالمها التاريخية.

 

إلى هؤلاء الذين لا نعرفهم، ولا تعرفهم حتى الناصرة، كما قال عوض حين سألناه عن مدى انتشار تلك الأسماء في الناصرة: لو سألت الناس في الناصرة من هو أول مصور في الناصرة لقالوا لك: فوتو نبيل واسمه الحقيقي سليم عزام، الذي انتقل بعد التهجير من حيفا الى الناصرة إلى جانب المصور الأرمني والمصور يوسف عبد الله وهم من صوروا البورتريات والهويات في فترة النكبة، في الوقت الذي لم يكن فيه احد يعرف المصورين الذين سبقوهم، وفي العشر سنوات الأخيرة أصبح هناك اهتمام بالتصوير الفوتوغرافي في فترة الانتداب البريطاني.

يقول عوض لـ"وفا": إن هذه الدراسة (الذاكرة البصرية الناصرة في عيون مصوريها من الصورة الفوتوغرافية إلى البطاقة البريدية 1897-1967)، وهي الأولى من نوعها، تنفرد بكشف ممنهج ومدروس لأسماء المصورين الفوتوغرافيين النصراويين الذين اتخذوا من التصوير مهنة رسمية لمعيشتهم، وقد أدرجت أسماؤهم وسيرهم الذاتية والمهنية بعد 5 سنوات من إجراء المقابلات مع أهاليهم وأقربائهم وأصدقائهم والرجوع إلى السجلات الكنسية بهدف الكشف عن هويتهم الشخصية والمهنية.

ويضيف: تساهم الدراسة بتغطية ثلاث حقب تاريخية من تاريخ التصوير الفوتوغرافي لكبار المصورين النصراويين. بدءاً من الحكم العثماني مرورا بالانتداب البريطاني وانتهاء بالحكم العسكري الذي ما زالت أوزاره بعد عام النكسة سنة 1967.

ويشير إلى أن الهدف من هذه الموسوعة الرد على كل ما يتعلق بالمقولة الصهيونية التي تقول "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".

موسوعة اسرائيلية تضم في أحد سجلاتها واجزائها عنوانا "أرض بلا شعب.." وكأن لا وجود لنا، أو أننا في خيام ومتسولون على قارعة الطريق. فتبادر لذهني أين صورنا الفوتوغرافية؟ المؤسسة الصهيونية نجحت في إخفاء الصورة الفوتوغرافية الفلسطينية بشكل ممنهج ومدروس حتى لا تكون شاهدا حقيقيا على هول المجازر والتدمير التي قامت به عام 1948.

من هنا جاءت الفكرة وبدأت البحث في مسيرة الصورة الفلسطينية ووجدت ان الكثير من الصور موجودة في الأرشيف الاسرائيلي وبعضها في الأديرة والكنائس والمنازل وأرشيف مكتبة الكونغرس والأرشيف البريطاني، فبدأت العمل انطلاقا من هذه النقطة، مرفقا فيها المعلومة التاريخية للصورة، فمثلا وجدت أقدم صورة للقدس التقطت عام 1876.

ويضيف عوض أن الاحتلال يعيق البحث في هذه الوثائق والصور والدخول الى الأرشيف بحجج أمنية واهية، فظهور الصورة كان اشكالية لإسرائيل فحرصت على تغييبها لعشرات السنوات.

 

"هناك ما لا يقل عن 50 ألف صورة لفلسطين التاريخية موجودة في مكتبة الكونغرس، وتعود إلى المكتبة الأمريكية في القدس "أمريكن كولني" التي كانت تحتفظ بتلك الصور، في عام 1947 سحب المصورون صورهم من المكتبة وأخذوها معهم الى امريكا وقدموها هدايا لمكتبة الكونغرس والمسودات ومصغرات الصور"، قال عوض.

ويضيف: إن الصور في تلك المرحلة كانت تركز على الأماكن المقدسة، وتغيب الانسان الفلسطيني، وكانت اغلبها دون شخوص وكأنها بلاد خالية من الناس، وكان ملتقطوها مصورين متعصبين.

ولكن في مرحلة أخرى وجدوا انهم يصوروا الحياة وهي صور لاقت إقبالا عند الغرب، الذين وجدوا انها بلاد عامرة بالحياة.

ويكشف عوض أن كريمة عبود كانت أول مصورة فوتوغراف فلسطينية وربما عربية، وهي انجيلية ثم جاء فضيل سابا، وكانا مصورين ميدانيين يخرجان إلى الشوارع لالتقاط الصور يقلدان المصورين الأجانب وتعلما منهم.

 

وأشار إلى أن أوائل المصورين هم مسيحيون، وأول من أرسى فكرة التصوير هم طائفة الأرمن ثم جاء البروتستانت، بينما أول مصور فوتوغرافي كان ناصر سابا 1897، وأطلقت عليه في الكتاب لقب: شيخ المصورين، كأول مصور عربي.

ويضيف: عام 1904 ج منصور واسمه الحقيقي جورج منصور، وفي 1905 ظهر لطف السروجي ويميزه انه كان يلون الصور ومعه بدأت البطاقات البريدية السياحية. وأدرجت أسماء أولئك المصورين في سجلات المحاكم الكنفية.

وبين عوض انه اعتمد في بحثه على السجلات المعمودية وسجلات الزواج الموجودة في كنيسة البروتستانت.

ويقول أنه أضاف في كتابه الأخير، مجموعة من المصورين المحليين، كخليل رعد الذي كان من المصورين البارزين في القدس في الفترة العثمانية، كما برزت كريمة عبود في الفترة الانتدابية وفضيل سابا، الذي وثق أغلب الحفريات التي تمت في بلاد الشرق الاوسط من مصر الى تركيا، وكان المصور المعتمد لكل البعثات الأثرية التي كانت تأتي للبلاد.

"صور هؤلاء معروضة على واجهات البيوت والمساجد والكنائس والمؤسسات، لكن لا أحد يعرف  من أصحاب الصور، لذا سعيت من خلال الكتاب إلى إثبات  هوية المصورين من خلال التواقيع التي تمت على الصور، كانوا يوقعون على صورهم بأسمائهم بطريقة معينة، في البداية كان التوقيع يدويا، ثم بالحبر والمحبرة، ثم الختم، وحتى فترة دخول المطابع إلى بلادنا، ثم اعتماد حقوق الطبع والنشر للصور والبطاقات البريدية، وهكذا ثبتنا مصوري الفوتوغراف الفلسطينيين، وهذا خلق حالة من الصراع بين المصور الفلسطيني العربي وبين المصور اليهودي، الذي كان يسكن فلسطين في تلك الفترة، كانوا يتنافسون مع المصورين العرب .. مثلا شارع يافا في القدس كان يسمى "شارع المصورين" وكنت ترى كريكوريان، خليل رعد، فضيل سابا، إضافة إلى مصورين يهود في نفس المكان"، قال عوض.

ويضيف: ركزت على البطاقات البريدية في الفترة العثمانية وفترة الانتداب البريطاني، ووجدت هناك شيئا ملفتا للنظر، هو أن الشعب الفلسطيني كان يمتلك جميع الكفاءات والحرف والمهن والتجارة والزراعة والفن والابداع وكل ما يتعلق بمرافق الحياة الحيوية والحياتية من كل أصنافها، والعلوم والجامعات والمسارح.

ويذكر المحاضر في جامعة سنترال كونكتكت في نيويورك الدكتور هزّاع محمّد أبو ربيع، في تقديمه للكتاب: "لاحظت هذا الضياع عندما قمت قبل عشر سنوات بتوثيق أسماء مصوّري البطاقات البريديّة ومنتجيها، من الذين نشطوا في تصوير الصور الشمسيّة والبطاقات البريديّة وترويجها وبيعها لمختلف المناطق الفلسطينيّة في أواخر الحكم العثمانيّ وفترة الانتداب الإنجليزيّ في فلسطين. كان العديد من مصوّري البطاقات البريديّة السياحيّة ومنتجيها من مدينة الناصرة، وقد وثّقت صورهم الأماكن المقدّسة ومعالم مختلفة من المدينة، الأمر الذي جعلني أقوم في رحلة البحث عن معلومات عن سيرهم الذاتيّة، ولكنّني لم أنجح بجمع أيّ معلومة لشحّ المصادر، ولبُعدي عن البلاد. إضافة إلى ذلك، وفي أثناء البحث عن مصوّري الفوتوغراف النصراويّين، لم أصادف أيّ مؤرّخ غربيّ أو شرقيّ قد أثبت أسماء مصوّري الفوتوغراف النصراويّين. مع هذا، استطعت توثيق أسماء ثلاثة عشر منهم، بعضهم من السكّان المحلّيّين، والبعض الآخر من الأجانب المقيمين في الناصرة، ولضبط أسمائهم قمت بإثباتهم ضمن قائمة في نهاية كتابي "الناصرة في صور أيقونيّة"، والذي صدر باللّغة الإنجليزيّة سنة 2012. أثناء زيارتي لمسقط رأسي- الناصرة في العام المذكور آنفًا، شاركت صديقي الباحث خالد عوض بقائمة المعلومات التي كانت بحوزتي عن هؤلاء المصوّرين. لأنّ باحثنا النصراويّ، هو أحد الباحثين المختصّين بالأرشفة والتوثيق، قد لمعت في رأسه فكرة هذا الكتاب الذي بين أيديكم، فبدأ برحلة البحث وشحذ الهمم لجمع تفاصيل ومعلومات ميدانيّة ومكتبيّة عن تاريخ التصوير وجمع المعلومات من أقارب وأصدقاء ومعارف المصوّرين الذين سكنوا الناصرة وعاشوا فيها.

ويضيف ربيع: بعد جهدٍ مضنٍ وتكريس الوقت للبحث الميدانيّ، وجمع المعلومات، نجح الباحث خالد عوض بإماطة اللثام عن حياة هؤلاء المصوّرين وعملهم، وهم الذين لم يتوقّف توثيقهم بعدساتهم عند حدّ الأماكن الدينيّة والسياحيّة في الناصرة فحسب، وإنّما امتدّ عملهم واتّسع نحو توثيق معالم المدينة ومحيطها، ورصد الكثير من مظاهر الحياة اليوميّة والعادات الاجتماعيّة لأهل الناصرة وسكّان المنطقة، إذ تركوا صورًا كانوا قد التقطوها بعدساتهم، قدّموها دون رتوش للوافدين إلى المدينة من حجّاج وسيّاحٍ؛ كي يصطحبوها معهم هدايا تذكاريّة من مدينة البشارة؛ لتُذكِّرهم بأحيائها وأسواقها القديمة، التي كان المسيح ابن مريم يجوبها ليبشّر الناس فيها بالخلاص الأبديّ.

يأخذ هذا الكتاب متصفّحه في رحلةٍ ممتعةٍ إلى ماضي مدينة الناصرة التي وثّقتها عدسة أبنائها، إذ يعتبر وثيقة نادرة لمصوّرين محلّيّين كاد الزمان أن يغفل عن ذكر أسمائهم وعن إنتاجهم في فنّ التصوير لمرحلة تاريخيّة مفصليّة من تاريخ التصوير الفلسطينيّ؛ فنجح باحثنا بتوثيق أعمالهم كي يبقوا خالدين أبد الدهر في الذاكرة الفلسطينيّة، وذاكرة أهل الناصرة والأجيال القادمة.

ويرى الدكتور ربيع، أن هذا البحث يسلط الضوء على شخصيّات نصراويّة تركت بصمتها في مجال التصوير الفوتوغرافيّ؛ لأنّ الهدف منه هو الاطّلاع على ما أنتجه هؤلاء المصوّرين من صور وبطاقات بريديّة سياحيّة "postcard" في مرحلة نشطت فيها الحركة السياحيّة والحجيج المسيحيّ إلى البلاد المقدّسة في العقد الأخير من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ومن أولئك المصوّرين النصراويّين:

 المصوّر الفوتوغرافيّ ناصر سابا: بدأ بإنتاج البطاقات البريديّة سنة 1897، وله 24 بطاقة بريديّة.

المصوّر الفوتوغرافيّ ج. منصور: بدأ بإنتاج البطاقات البريديّة سنة 1904، وله بطاقة بريديّة واحدة.

المصوّر الفوتوغرافيّ لطف السروجي: بدأ بإنتاج البطاقات البريديّة سنة 1905، وله 60 بطاقة بريديّة.

المصوّر الفوتوغرافيّ فضيل سابا: بدأ بإنتاج البطاقات البريديّة سنة 1926، وله 130 بطاقة بريديّة.

المصوّرة الفوتوغرافيّة كريمة عبّود: بدأت بإنتاج البطاقات البريديّة سنة 1927، ولها 112 بطاقة بريديّة.

المصوّر الفوتوغرافيّ معين بواردي: بدأ بإنتاج البطاقات البريديّة سنة 1935، وله 10 بطاقات بريديّة.

الدكّان السياحيّ التابع لفندق الجليل، وقد بدأ نشاطه سنة 1927، وله 20 بطاقة بريديّة.

افتتحت استوديوهات في الناصرة خلال الحكم الإسرائيليّ، وهي لبعض المصوّرين المحلّيّين الذين نزحوا إلى الناصرة من مدينة حيفا، وقد شاءت ظروف الحرب أن يستقرّوا فيها، وأن ينجحوا في فتح استوديوهات خاصّة بهم في الناصرة؛ وذلك بعد سنّ مشروع قانون الجنسيّة الإسرائيليّ في الكنيست الأولى، والاضطرار إلى التقاط الصور "البورتريه" (تصوير وجوه الأشخاص) للسكّان العرب الذين بقوا في مدنهم وقراهم؛ لإصدار بطاقات الهويّة والتصاريح العسكريّة، ومن هؤلاء المصوّرين برز كلّ من: المصوّر الأرمنيّ إسطفان كبنجيان: افتتح استوديو للتصوير في الشارع الرئيسيّ في عمارة السروجي، وقد اشتهر بـالمصوّر الأرمنيّ.

المصوّر الفوتوغرافيّ سليم عزّام: افتتح استوديو له في سوق الناصرة في منزل الشيخ يوسف الفاهوم، بالقرب من سوق الروم- سوق العرائس، وعرف باسم فوتو نبيل.

المصوّر الفوتوغرافيّ يوسف عبد الله نمر: افتتح استوديو له في الشارع الرئيسيّ المؤدّي إلى الميدان بجانب راهبات الأكليريس، وعرف بالمصوّر يوسف.

ويرى عوض أنه لا يوجد من يوثق التاريخ الفلسطيني الحقيقي، وقال بمرارة: "نملك الآن 10 آلاف صورة فوتوغرافية، ونجمع كل ما يتعلق بالكتب والاصدارات التي صدرت في فلسطين قبل عام 1948، ونملك ما لا يقل عن ألف كتاب صدرت من سنة 1890 وحتى سنة 1948، وهي الفترة التي تثبت هويتنا باننا شعب كان يملك كل مقومات الحياة، لكنها للأسف مهملة في صناديق ومخازن ولا تجد من يساهم في عملية وصولها إلى الجمهور وجهات الاختصاص".

ويضيف: "نحن شعب له موروث حضاري وثقافي وتاريخي ولدينا في البيوت آلاف الصور والوثائق والكتب والكواشين، يجب ان تكون في مكان واحد ووحيد هو الارشيف الفلسطيني".

ودعا الى تأسيس أرشيف يجمع كل ما يتعلق بفلسطين التاريخية حتى يتسنى استخدام هذه الوثائق والصور والمعلومات في المحافل الدولية.

ويقول: "نعاني من أزمة مالية ولا يوجد من يساهم في عملية دعم مشروع السجلات المصورة والأرشيف الفلسطيني، بينما المكتبة الوطنية العبرية في القدس تتواصل معنا من أجل البحث فيما يتوفر لدينا من كتب ووثائق ومخطوطات وخرائط، في الوقت الذي لا تكترث فيه المؤسسات العربية بهذا الموضوع، ما يعيق النهوض بهذا الارث وإخراجه إلى العلن والعالم.

ويضيف: "الكثير من وثائقنا وخرائطنا ليست بحوزتنا، وهذا من أسباب تعاستنا، أناس من كل العالم يتواصلون معي بعد أن أنشر صورة لحيفا أو أية معلومة عن مدينة محتلة، تدغدغ مشاعرهم ويتعطشون للمزيد".

 

kh

التعليقات

سلاما أيها الزعيم

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

قدم الفلسطينيون كعادتهم لحظة المواجهة والتحدي، ومنذ الاعلان القبيح للرئيس الأميركي ترامب، قدموا وسيقدمون الدم الطاهر دوما (ستة شهداء ومئات الجرحى حتى الآن) دفاعا لا عن المقدسات الاسلامية والمسيحية، في عاصمتهم القدس المحتلة فحسب، وانما ايضا دفاعا عن كرامة الأمة العربية وعزتها، التي أراد الرئيس الأميركي بتوقيعه الاستعراضي المتغطرس على اعلانه القبيح، ان يطعنها في صميم مشاعرها وقيمها المقدسة.    

 وفي الوقت ذاته قدم رئيسهم رئيس دولة فلسطين، الزعيم أبو مازن في القمة الاسلامية الطارئة التي عقدت في اسطنبول الأربعاء الماضي، قدم كلمة الفصل للعالم أجمع، كلمة الدم الفلسطيني الطاهر ذاته، في خطاب تاريخي عز ويعز نظيره في خطب السياسة العربية والاسلامية والدولية، الخطاب الذي تجلت فيه وبصوت الحق والحقيقة، الطبيعة النضالية الفلسطينية، بسلامة رؤيتها، وصلابة موقفها، وعلى نحو لا يقبل أي تأويل مخاتل، وبقدر ما كان الخطاب خطاب الحسم والتحدي في مواقفه وقراراته، بقدر ما كان خطابا للمقاومة، بكل ما في هذه الكلمة من معنى: فاذا كان وعد بلفور المشؤوم قد مر، فإن وعد ترامب لن يمر أبدا".

لا بل ان حقيقة الخطاب التاريخي للرئيس أبو مازن أبعد من ذلك، انه خطاب المواجهة الأشمل، وقد أخرج الولايات المتحدة من دور الراعي والوسيط في العملية السياسية، بكلمة (لا) كبيرة وواضحة وحاسمة، لا لهذا الدور بعد الآن، وقد ثبت خواؤه من كل نزاهة وموضوعية، وهي الكلمة التي ما زال البعض لا يجرؤ التقرب منها حتى في أحلامه..!! وليس هذه الكلمة فحسب، وانما كذلك كلمة واقع الحال الذي على الأمة العربية والاسلامية، مجابهته قبل فوات الأوان، بواقعية الرؤية النضالية وبرامج عملها، لتحرر ما هو محتل من أراضيها، ولتحقق الهزيمة الشاملة للارهاب، وتعيد الأمن والاستقرار لبلدانها، وتؤمن مستقبل الحرية والكرامة لشعوبها، وتقيم السلام العادل في هذه المنطقة.

انه خطاب المسألة العربية في متطلباتها السيادية، وخطاب المسؤولية الدولية في رؤيتها الانسانية وتطلعاتها النبيلة، وبالطبع وقبل ذلك انه خطاب الذات الفلسطينية، التي لا تخشى تهديدا، ولا تنحني لغطرسة العنصرية وعدوانيتها، وسبق للزعيم الخالد ياسر عرفات ان صاح "شهيدا شهيدا شهيدا"، وما من صيحة في خطاب الرئيس أبو مازن غير هذه الصيحة الآن، لطالما القدس تظل أبدا اساس المشروع الوطني درة التاج لدولة فلسطين عاصمة وحاضرة للعدل والحق والجمال، بما يعني ان تضحياتنا في سبيل حرية العاصمة لا حدود لها ولا تراجع عنها ولا مساومة عليها.

نعم انها صيحة التحدي، بروح الواثق من حتمية النصر، ولا صيحة بعد هذه الصيحة، التي لا تقبل أية مزايدات، ولا ترضى بغير وحدة الكلمة الفلسطينية، كلمة الشرعية في اطار وحدتها الوطنية التي لا عافية لها دون اتمام المصالحة الوطنية على أكمل وجه حيث السلطة الواحدة، والقانون الواحد، وسلاح الحرب والسلم بقراره المركزي الواحد الموحد.

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017