إدوارد سعيد.. أربعة عشر عاما على رحيل إرث ثقافي فلسطيني وعالمي

يامن نوباني

صادف أمس، الخامس والعشرون من أيلول، الذكرى الرابعة عشر لرحيل المفكر والكاتب والناقد والموسيقي الفلسطيني إدوارد سعيد.

ولد إدوارد وديع سعيد في مدينة القدس المحتلة في الأول من تشرين الثاني العام 1935، وهو مُنظر أدبي فلسطيني وحامل للجنسية الأميركية. كان أستاذا جامعيا للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة، ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية. كما كان مدافعا عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، وقد وصفه روبرت فيسك بأنه أكثر صوت فعال في الدفاع عن القضية الفلسطينية.

عاش إدوارد سعيد حتى عمر 16 عاما متنقلاً بين القاهرة والقدس، ثم انتقل بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1951 بعد طرده من المدرسة نظرا لشقاوته، وتلقى تعليمه في جامعة برنستون وجامعة هارفارد في الولايات المتحدة.

في حوار إذاعي على إذاعة "بي بي سي"، قال سعيد إن الصعاب التي واجهته في نقل القضية الفلسطينية الى العالم، هي أن "القضية الفلسطينية لم تكن معروفة، وأتذكر أن غولدا مائير كانت تقول في العام 1969: من هم الفلسطينيون؟ حيث كان لفظ فلسطين ممنوعا، ومحاضراتي عندما كنت ألقيها في الجامعات عن فلسطين، كان هناك رابطة الشبان اليهود تحيط القاعات بلافتات معادية للشعب الفلسطيني".

وأضاف: نحن لسنا إرهابيين ولا متطرفين، بل شعب فقد أرضه، والاحتلال شرده. بالمثابرة تمكنت من الوصول، وساعدني في ذلك أنني أستاذ أدب، عملت في الأدب المقارن والأدب بالانجليزية، وبدأت التعليم في جامعة كولومبيا في العام 1963، وهذا أكسبني سمعة أنني أستاذ جيد، ونشرت كتب في الأدب، وهذا اعطاني فرصا للتحدث خارج الإطار الأكاديمي، وتكويني وعملي بالإنسانيات، فأنا أتكلم لغة غير سياسية، بلغة بسيطة ملموسة، تتكلم عن تجربة شعب.

وفي سؤال حول إلى أي مدى يمكن لإدوارد سعيد التقدم للأمام؟ أجاب: أعتبر أن هناك نوعيتين من المسؤولية، الأولى رسمية، وهي أن يكون فيها للشخص منصب كإدارة أو حكومة، وأنا دائما رفضت هذا المنصب، أما المسؤولية الأساسية لي أنا هي أمام تجربة شعبية لها جذور أحاول أن أعبر عنها، ومن هذا المنطلق يحاول المرء أن يتقدم للأمام وكسب الجمهور ومحاولة إقناعه برؤيتك أنت دون أي اعتبارات سياسية، وليس لدي طموح بأن يكون لدي منصب، بل أحاول التكلم بمنطق مسؤول لقضيتنا وتاريخنا، وهذا ليس مطروحا للسياسي الذي لديه اعتبارات أخرى، هذا هو الدور الذي حاولت أنا أن ألعبه.

وأشارت الكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي المولودة في العام 1974 في الجليل، وتعمل محاضرة في كلية الدراسات الثقافية والنظرية النقدية في جامعة نوتينغهام، في إطار إعدادها وتحضيرها لبرنامج مؤتمر "رحلة الأفكار: في حوار مع إدوارد سعيد المُنظَّم في مركز الثقافات العالمية في العاصمة الألمانية برلين بين 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2013 والثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني 2013، إلى تكريم الفيلسوف الراحل إدوارد سعيد في المؤتمرات والندوات الأكاديمية، التي تقيمها المؤسسات التعليمية والثقافية بهدف استكشاف أعماله الأدبية والفكرية، ما هو في الواقع إلا علامة جلية على الأهمية الهائلة والدائمة لهذا المفكر الاستثنائي. فأفكاره لم تؤدِّ فحسب إلى تحولات نوعية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، بل إنها تعدَّت أيضاً حدود النقاشات الأكاديمية.

فأثناء الثورات والانتفاضات السياسية في العديد من البلدان العربية حوَّل الثوار مفاهيم إدوارد سعيد إلى شعارات لهم، وتحولت كلماته إلى كتابات على جدران بنايات تونس وشوارعها خلال ثورة الياسمين. وبذلك لم يسقط الناشطون النظام فحسب بل وأسقطوا أيضاً الأطروحة القائلة بأن أفكار إدوارد سعيد مقتصرة على "الأوضاع القائمة" أثناء حياته وأن أفكاره عبارة عن مفاهيم جامدة وتأويلات مؤسساتية. وهي أطروحة اعتبرت إدوارد سعيد مرتبطاً بمجموعة معينة ومحددة من المفاهيم التي سنَّتها سلطة الأوساط الأكاديمية وبعض النقاشات الفكرية.

وتشير شبلي إلى إحدى محاولات إدوارد سعيد الأساسية، التي يمكن تتبعها واقتفاء أثرها في جميع أعماله ويبقي ارتباطها وثيقا بالقضايا الراهنة، سواء كانت سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية، تتجاوز المنطق الثنائي في العلاقات المتضادة. وهو منطق بات يهيمن للأسف على منهجية تحليل العلاقات الاجتماعية وعلى طريقة فهم التفاعلات فيما بينها.

وأبسط مراتب هذه العلاقات المتضادة هي علاقة الـ "أنا ضد الآخر" أو "نحن ضد الآخرين" (أياً كان هذا الـ أنا أو هؤلاء الـ نحن). وهذا هو ما ينتقده إدوارد سعيد ويصفه بالإشكالي مرارا وتكرارا. فخلال جهده الساعي لتجاوز الانقسامات البينية بحث إدوارد سعيد في مفاهيم مثل المعرفة والسلطة والتمثيل والمكان والزمان والسفر. وبما أن العديد من أفكار إدوارد سعيد باتت معروفة تمام المعرفة، مثل نقده للاستشراق وبحثه وتحقيقه في العلاقة بين الثقافة والإمبريالية، فسيتم فيما يلي ذكر معالجاته الأقل شهرة والأكثر شخصية لما تقدم ذكره من مفاهيم.

في البداية يمكن ذكر ما يكتبه إدوارد سعيد عن نفسه في مذكراته المعنونة "خارج المكانOut of Place"  التي ألفها عام 1999. وفيها يكتب عن كونه فلسطينيا وأميركيا في الوقت ذاته، وله لغتان هما العربية والإنجليزية وكلتاهما بمثابة لغته الأم على حد سواء، لدرجة أنه لم يكن قادرا على فهم الفصل بينهما. وهذا النوع من الكينونة يمكن رؤيته في الوقت الحاضر بشكل متزايد: فالغرب وبالتحديد في منطقته الشمالية باتت تسكن في أوساطه جاليات كبيرة من المهاجرين غير الغربيين لأول مرة في التاريخ. وفي ظل هذه الظروف، كما يذكر إدوارد سعيد في ملاحظاته، يصبح تعريف الثقافات والمجتمعات شديد التغير والتقلب وفي غاية الإثارة للجدل.

وتوضح شبلي أن تعريف الثقافات والمجتمعات ينبغي أن يتم تعديله بمعرفة ما يطلق عليه إدوارد سعيد مصطلح "الثقافة المضادة"، وهي مجموعة متكاملة من الممارسات المرتبطة بأنواع مختلفة من الغرباء. ولا يقتصر هؤلاء الغرباء على المهاجرين بل يشملون أيضا الفقراء والفنانين البوهيميين [المتخذِين أنماطا سلوكية غير مألوفة] وكذلك العمال والمتمردين.

ومن المهم هنا أيضا ملاحظة أن إدوارد سعيد جادل، عبر طروحات الفيلسوف الاجتماعي [المناوئ للاستعمار] فرانز فانون، جدالا فعالا لصالح الوعي الاجتماعي بدلا من الوعي القومي، الذي يرى إدوارد سعيد أنه تأكيد على العودة الرجوعية إلى انفصال الهوية الاستعمارية عن الهوية الوطنية. وتتضح رغبة إدوارد سعيد في السعي إلى الوعي الاجتماعي بدلا من الوعي القومي جليةً في دعوته إلى حل الدولة الواحدة لقضية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وأيضا سعيه إلى تعديل تعريف الكونية [المبادئ التسامحية] نائياً بها نأياً تامّاً عن الإمبريالية.

أصبح إدوارد سعيد سنة 1977 أستاذا مساعدا للغة الإنجليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا. وفي وقت لاحق أستاذ للسلطنات القديمة وتأسيس حقوق الإنسان. كما عمل سنة 1979 كأستاذ زائر في جامعة جونز هوبكينز. وعمل كأستاذ زائر في جامعة ييل وحاضر في أكثر من مئة جامعة،  وحصل سنة 1992 على منصب أستاذ جامعي وهي أعلى درجة علمية أكاديمية في جامعة كولومبيا.

كما عمل كرئيس لجمعية اللغة الحديثة، ومحرر في فصلية دراسات عربية، وعضواً في الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم وعضو تنفيذ في نادي القلم الدولي والأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب والجمعية الملكية للأدب والجمعية الأمريكية للفلسفة، ودعي إدوارد سعيد في عام 1993 لإلقاء محاضرات في البرنامج الإذاعي السنوي لدى "بي بي سي" محاضرات ريث ليقدم على ست حلقات محاضرات بعنوان تمثيل المثقف، وهي محاضرات تدرس دور المثقفين في المجتمعات الحديثة. كما كان إدوارد سعيد ينشر بشكل دوري مقالات في دورية ذا نيشن وصحيفة الجارديان ومجلة "لندن ريفيو أوف بوكس" وصحيفة "ليموند ديبلوماتيك" وصحيفة "كونتربونش" وصحيفة الأهرام وصحيفة الحياة.

ترجمت كتابته إلى ست وعشرين لغة وشملت أمورا سياسية وأدبية وشؤون الشرق الأوسط والموسيقى والثقافة، يوجد لإدوارد سعيد 18 كتابا في مواضيع مختلقة. لكن كان كتاب الاستشراق من أهم أعماله مشكلاً بداية فرع العلم الذي يعرف بدراسات ما بعد الكولونيالية. وقد اعتبر سعيد أن ظاهرة الاستشراق ما كانت إلا تلبية لمتطلبات الدول الاستعمارية. وتبعهم بكتابين هما "مسألة فلسطيني" سنة 1979 وكتاب "تغطية الإسلام" سنة 1980 اللذان اعتبرهما سعيد تكملة لكتاب الاستشراق، لتشكل سلسة من الكتب يحاول فيها أن يشرح العلاقة القائمة في العصر الحديث بين العرب والإسلام والشرق عموماً والغرب متمثلاً ببريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة خصوصاً.

أصدر أول أعماله الأدبية في العام 1966 وهو جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية، وصدرت آخر أعماله في العام 2006 المواطن المتناقض، والنموذج الأخير: الموسيقى والأدب ضد التيار، بينما كانت أهم أعماله هي "الاستشراق" والذي صدر عام 1978.

توفي عن عمر ناهز 67 عاما بعد صراع دام 12 عاما مع مرض ابيضاض الدم الليمفاوي المزمن (اللوكيميا) في مقبرة برمانا الإنجيلية في جبل لبنان، وأعادت جامعة بيرزيت سنة 2004 تسمية مدرستها الموسيقية باسم معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى تكريماً له.

وفي عام 2008 نشرت دار فيرسو كتاب بعنوان في انتظار البرابرة: ألف تحية إدوارد سعيد ويحوي الكتاب مقالات لخمسة عشر كاتباً، كما نشرت دار جامعة كاليفورنيا في 2010 كتاب ضم عددا كبيرا من المقالات ضمت 29 كاتب حول مساهمات إدوارد سعيد الفكرية باسم إدوارد سعيد إرث من التحرير والتمثيل.

_

ha

التعليقات

"سيرة وانفتحت"

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
لطالما فتحت "سيرة" غاز شرق المتوسط، وعلى هذا النحو الساخن الذي يوحي بترتيبات اقليمية جديدة، ترتيبات قطرية تماما، في حدود ما هو قائم من دول في هذا الاقليم (..!!) لطالما فتحت هذه "السيرة" على هذا النحو، ستفرض القراءة الموضوعية علينا ان نرى ان الانقلاب الحمساوي عام 2007 لم يكن انقلابا عقائديا على ما يبدو، ولا علاقة له بالسعي لتعزيز خنادق المقاومة والممانعة في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي، وانما كان هناك حقل الغاز الفلسطيني قبالة سواحل غزة والذي اكتشف نهاية التسعينيات من القرن الماضي وتم بناء حقله عام 2000 من قبل شركة الغاز البريطانية "بريتش غاز" نتذكر هنا ان الزعيم الخالد ياسر عرفات افتتح منصته.

هذا الحقل، هو أحد مقومات الدولة الفلسطينية المستقلة، التي لا تريدها اسرائيل اليمين العنصري المتطرف، ونعتقد انه منذ اكتشاف هذا الحقل بدأت اسرائيل بتمزيق اتفاقات اوسلو، ومع انسحابها احادي الجانب من قطاع غزة، كانت تمهد الطريق موضوعيا، للانقلاب الحمساوي، حتى يصبح بالامكان مع الانقسام وشعاراته الغوغائية، الاستحواذ على حقل الغاز الفلسطيني، الذي عرقلت اسرائيل بدء العمل فيه، واستثماره وفقا لاتفاق الشركة البريطانية مع السلطة الوطنية، حتى اغلقت هذه الشركة مكاتبها في تل أبيب ورام الله ..!

حتى في تفاصيل مشروع ما يسمى بالدولة ذات الحدود المؤقته، أو "دولة" الامارة في غزة، لا ذكر لحقل الغاز الفلسطيني، وعلى الذين يغازلون هذا المشروع، ويتبادلون معه الخطابات المباشرة وغير المباشرة (تصريحات حمساوية عدة تشير الى ذلك) عليهم ان يدركوا انهم في المحصلة "سيخرجون من المولد بلا حمص" فلا حصة لأحد مع الاستعمار الاستيطاني ومشاريعه الاستحواذية..!! وسنرى بقوة الوقائع الموضوعية ان الذي اطال أمد الانقسام البغيض، وما زال يطيله حتى اللحظة، ليس غير استمرار محاولة تدمير المقومات الاساسية لقيام دولة فلسطين المستقلة، بعاصمتها القدس الشرقية، المحاولة التي تقودها اسرائيل، والتي تريدها اليوم بترتيبات اقليمية، تكون هي فيها الدولة المركزية..!!

وعلى نحو واقعي، سنرى ان ما يسمى بصفقة القرن، ليست غير إقرار هذه الترتيبات الاقليمية التي تريدها اسرائيل، الصفقة التي لا نزاهة ولا عدل ولا سلام فيها، وهي التي تتوغل اليوم في عدوانها على القضية الفلسطينية، وهي تعلن انها ستنقل سفارتها من تل أبيب الى القدس المحتلة في ذكرى النكبة الفلسطينية..!  

انها شهوة السيطرة المطلقة على مقدرات وثروات هذه المنطقة، وبقدر عنصريتها البغيضة، لا تريد لأي طاقة أمل ان تفتح أمام الشعب الفلسطيني، لعلها بذلك تكسر ارادته الحرة، واصراره على مواصلة طريق الحرية حتى الاستقلال.

بالطبع لن تكون "صفقة القرن" قدرا لا يمكن رده، ولنا اليوم مع المقاومة الشعبية خطة سلام بالغة العدل والحق والنزاهة والمصداقية، بخارطة طريق واضحة وصحيحة لا تستند لغير قرارات الشرعية الدولية، لنا هذه الخطة التي صفق لها المجتمع الدولي في مجلس الأمن، وباتت تلقى دعما على مختلف المستويات الدولية الاقليمية، بما يعني ثمة فرصة حقيقية لتفعيلها لتحقيق أهدافها النبيلة.

وحدهم الذين ما زالوا يتوهمون كعكة في مشاريع "الحدود المؤقتة" من لا يرى في خطة السلام الفلسطينية تقدما في طريق الحرية ذاتها، والأسوأ انهم لا يرون فيها فرصة لتعزيز خطواتهاعلى هذه الطريق، بانجاز المصالحة الوطنية كما يجب بقبر الانقسام البغيض، حتى نعيد لحقل الغاز الفلسطيني شعلته السيادية ونمضي قدما في بناء المزيد من مقومات دولة فلسطين بعاصمتها القدس الشرقية من رفح حتى جنين، ما زالت الفرصة قائمة، وما زال بالامكان المصالحة، فهل تخطو حماس خطوة تاريخية باتجاه الوطن ومصالحه العليا..؟

 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018