العلاقة بين الإرهاب والقضية الفلسطينية في خطاب الرئيس أبو مازن

أنور رجب
ليست المرة الأولى التي يتناول فيها الرئيس أبو مازن في خطاباته العلاقة بين الإرهاب والقضية الفلسطينية، فقد سبق وحذر في أكثر من مناسبة من أن عدم حل القضية الفلسطينية يشكل واحداً من أهم الشرايين التي تتغذي عليها جماعات الإرهاب والتطرف والعنف، وأن استمرار الاحتلال الإسرائيلي العسكري للأراضي الفلسطينية وفي مقدمتها القدس الشريف بما لها من هالة وقدسية دينية لدى المسلمين كافة يشكل حاضنة طبيعية للتحريض والعنف، ومن شأنه أن يقوض ويعرقل الجهود الدولية الرامية لمحاربة الإرهاب وإلحاق الهزيمة بجماعاته واجتثاثها. ولكن الأمر مختلف هذه المرة، إذ إنه يخاطب المجتمع الدولي كافة ومن على منبر الأمم المتحدة، وهي المؤسسة الدولية المنوط بها الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين ومحاربة الإرهاب والتطرف، ومتزامناً مع التراجع الذي تشهده الجماعات الإرهابية في معاقلها الرئيسية في العراق وسوريا وليبيا بفعل الهزائم التي تتعرض لها تباعاً، وضرورة توفير مقومات النجاح في القضاء عليها واجتثاثها، هذا في الوقت الذي وصلت فيه الجهود والمشاريع الدولية والإقليمية وآخرها "صفقة القرن" لحل القضية الفلسطينية "قضية القرن" إلى طريق مغلق ومسدود بإحكام بأدوات وسلوك الحكومة اليمنية المتطرفة في إسرائيل، في ظل عجز دولي واضح بات فيه المجتمع الدولي غير قادر على كبح جماح تطرفها وعنجهيتها، وسعيها الدءوب لتصفية القضية الفلسطينية والقضاء على حل الدولتين.

إن موقف الرئيس أبو مازن المبدئي من الإرهاب والذي عبر عنه أكثر من مرة، وكرره في خطابه الأخير بقوله "نحن الفلسطينيين ضد الإرهاب المحلي والإقليمي والدولي، أياً كان شكله ومنبعه ومصدره، ونعمل على محاربته"، من الخطأ قراءته في السياق الفلسطيني وحسب، وإنما يجب قراءته بوصفه موقف يعبر عن مسؤولية عالية لزعيم يتمتع بثقل دولي ويقدم مساهماته في معالجة أزمات ذات أبعاد دولية كما هو الحال مع "ظاهرة الإرهاب"، كما أنه من الخطأ فهم الربط الذي قدمه الرئيس أبو مازن بين النجاح في محاربة الإرهاب بالنجاح في حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً بوصفه أداة من أدوات العمل السياسي والدبلوماسي يستخدمها رئيس الشعب الفلسطيني بوصفه صاحب القضية المشار إليها في هذا الربط، وإنما يجب فهمه في سياق المسؤولية العالية اتجاه المجتمعات الإنسانية كافة والحرص على حرمان الجماعات الإرهابية من أهم الأوراق التي تستغلها لتسويق أفكارها الظلامية كما جاء في الخطاب، لا سيما وأن القضية الفلسطينية تمثل الركيزة الرئيسية للمنظومة الفكرية والإستراتيجية الإعلامية للجماعات الإرهابية مثل داعش والقاعدة ومن دار في فلكهما، والتي تستغل القداسة الدينية للقضية الفلسطينية في إبقاء جذوة الصراع متقدة بمنحها بعداً دينياً "اليهود والمسلمين"، وتوظيف ذلك في عمليات ما يسمى "التحشيد الجهادي"، وانطلاقاً من هذا الفهم أكد الرئيس أبو مازن وأكثر من مرة على رفض تحويل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي إلى صراع ديني إدراكاً منه للعواقب الوخيمة المترتبة على ذلك، وضرورة مواجهة وإفشال كل المحاولات الساعية له.

وفي نفس السياق يمكن فهم التحذير الذي وجهه الرئيس أبو مازن في خطابه لما تقوم به إسرائيل من إجراءات وممارسات لفرض الحقائق الإحتلالية في مدينة القدس الشرقية، بوصفها تؤجج مشاعر العداء الديني الذي يمكن أن يتحول إلى صراع ديني عنيف، معتبراً أن ما تقوم به إسرائيل من تغيير للوضع التاريخي القائم في القدس، والمس بمكانة المسجد الأقصى على وجه الخصوص هو "لعب بالنار"، ولهذا خاطب الحكومة الإسرائيلية محذراً "لا تحاولوا أن تذهبوا إلى حرب دينية، إنها خطيرة علينا وعليكم، صراعنا سياسي فليبق سياسياً". إذاً يدرك الرئيس أبو مازن أن سياسة حكومة نتنياهو تتقاطع مع إستراتيجية الجماعات الإرهابية في تحويل الصراع إلى صراع ديني، ومن هنا وضع المجتمع الدولي وخصوصاً القوى الكبرى أمام مسؤولياتها لكبح جماح حكومة نتنياهو المتطرفة في مساعيها لتهويد القدس وتأجيج مشاعر العداء الديني متسلحاً بالموقف البطولي للمقدسيين موجهاً لهم التحية كونهم "سطروا أروع صور المقاومة الشعبية السلمية أمام ممارسات الاحتلال الاستعماري الإسرائيلي". وللتأكيد على موقفه الرافض لمنح الصراع بعداً دينياً ولقطع الطريق أمام تحريض حكومة نتنياهو أكد "إن مشكلتنا هي مع الاحتلال الاستعماري الإسرائيلي وليس مع اليهودية كدين، فاليهودية بالنسبة لنا كفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين، لم تكن ولن تكون خطراً علينا، إنها ديانة سماوية مثلها مثل الإسلام والمسيحية" وأضاف "تهانينا لليهود بعيد رأس سنتهم اليوم، وللمسلمين برأس السنة الهجرية غدا، هذه مصادفة ودليل على تقارب الديانات".

هذه الرؤية الشاملة المنسجمة مع المنطق والوقائع ومجريات الأحداث التي قدمها الرئيس أبو مازن في خطابة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، هي بمثابة رسالة ووصفة نموذجية للمجتمع الدولي والقوى الكبرى تحديداً، إذا ما أرادوا الانتصار في المعركة ضد الإرهاب، والأهم قطع الشرايين التي يتغذى عليها.

 

ha

التعليقات

"الأميركي القبيح"

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

في خمسينيات القرن الماضي كتب الروائي الأميركي وليم ليدرر، رواية كان موضوعها الأساسي أو ثيمتها الرئيسة- كما يقال بلغة الأدب- قبح السياسة الأميركية، التي تقبح أكثر الرجال والنساء جمالا ووسامة، وأطلق على  روايته اسم "الأميركي القبيح" ومن الواضح الْيَوْمَ ان هذا الروائي لم يكن يكتب عملاً ادبيًّا، بقدر ما كان يسجل طبيعة وحقيقة الإرسال الواقعي للسياسة الأميركية والسياسيين الأميركيين، الإرسال الذي ما زال على حاله حتى اللحظة، بل وقد بات أكثر قبحا واكثر صلفا، ومن يسمع ما قالته  "أليسا فرح" المتحدثة باسم نائب الرئيس الأميركي مايك بنس" لن يرى سوى القبح، وقد تجسد بكامل هيئته التي تدفع الى التقيؤ...!!!

هذه المتحدثة تريد منا وبتصريح غاية في الصفاقة والصلف، ان نصدق ما لا يمكن تصديقه بعد الآن، ان الولايات المتحدة تريد حقا صنع السلام في الشرق الأوسط ..!!! لا والأدهى والأكثر قبحا وفقا لتلفيقات هذه المتحدثة، اننا نحن من يدير الظهر الآن لعملية السلام...!! بسبب اننا لن نستقبل نائب الرئيس الأميركي "مايك بنس" وكأن عملية السلام ما زالت بخير وعافية، وهي التي أشبعها الرئيس ترامب قتلا بقراره الأرعن اعتبار القدس الفلسطينية العربية عاصمة للدولة التي تحتلها...!!! لا بل ان هذه العملية لطالما كانت متعثرة بسبب الانحياز الأميركي الدائم لدولة الاحتلال، فعن أي عملية تتحدث الناطقة باسم "بنس"..؟؟ وعن أي دور للولايات المتحدة يمكن ان يكون في هذه العملية والرئيس الأميركي قد أجهز عليه تماما..!!

وعلى ما يبدو ان "الأميركي القبيح" مشبع بالوهم حتى يتصور ان الضحية يمكن ان تصفق لجلادها، التصفيق الذي أراده منا باستقبال صناع سياسة الطعن  والانحياز والخديعة، باستقبال "بنس" ..!! أليست هذه بعضًا من عقلية "الكوكلوكس كلان" بعضا من تمنياتها المريضة، ان تصفق الضحية لجلادها، وان تقبل به سيدا لا ترد له كلمة، ولا يعصى له أمر حتى وهو يغرز حرابه في خاصرتها...!! على "الأميركي القبيح" ان يصحو من أوهامه هذه، لن نصفق أبدا لجلادينا، الفلسطينيون أهل التحدي، ولا يقبلون الضيم أبدا، وهم أسياد حالهم وقرارهم وحماة أرضهم ومقدساتهم الاسلامية والمسيحية، وقد تزنروا الْيَوْمَ بروح جماهير الأمة العربية ومعها احرار العالم أجمع، وقد هبت هبة رجل واحد تندد بقرار ترامب، التنديد الذي لا يحمل غير رسالة القدس النبوية، ولا يقبل بغير مستقبلها عاصمة لدولة فلسطين, وحاضنة للسلام والمحبة بروحها العربية والإنسانية.

لا كلمات يمكن لها ان تصنع  مساحيق التجميل التي يريدها "الأميركي القبيح" ولا ثمة ادعاءات بعد قرار ترامب قادرة ان تؤلف هذه المساحيق، الاعتراف بالخطأ والخطيئة وحده من يستطيع التجميل، بل من يزيل القبح من أجل وجه النزاهة المشرق، وللشعب الأميركي نقول ونؤكد ان الأميركي القبيح ليس انتم، إنما هو رجل السياسة هذا الذي ينحاز للظلم والاحتلال والعنصرية البغيضة، ما من شعوب قبيحة ابدا، بل جماعاتها بقواها وأحزابها اليمينية المتطرفة، التي لا تسعى لغير العنف والارهاب والعدوان، ولطالما سقطت هذه الجماعات وستبقى تسقط حتما.

 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017