نثريّة من "باب الفخر"

محمد علي طه
نحن شعب صغير لا يملك نفطًا ولا يملك مناجم ذهبٍ أو مناجم فضّةٍ أو مناجم فحمٍ، ولا يملك حقول غازٍ ولا مزارع "كيف".

لو كان عندنا آبار نفطٍ لزارنا سيّد البيت الأبيض ورقص معنا في ساحة المقاطعة الدّبكة الشّماليّة وغنّى معنا "يا هلا، حيِّ الضّيوف، بالرّماح والسّيوف" وسمع أهلنا في الخليل وفي غزّة صدى أصواتنا.

ولو كان عندنا مناجم ذهب مثل جنوب إفريقيا لزارتنا وعانقتنا من برلين وعرّجت على جامعة بيرزيت وغنّى لها أولادنا هناك "هزّي يا نواعم خصرك الحرير".

ولو كان عندنا مناجم فحم لجاءت إلينا من لندن، تركض ركضًا، تمشي مشيًا، تحبو حبوًا ورقصت في ساحة كنيسة المهد في بيت لحم وغنّت "عَ الأوف مشعل، ع الأوف مشعلاني" ونطقت عين مشعل همزة ناعمة كي ننسى وعد بلفور وملاحقه وتوابعه.

ولو كان عندنا حقول غاز طبيعيّ لأنشأنا محطّة فضائيّة لها مراسلون من مدينة أتوا حتّى مدينة بكّين، وتبثّ بالعربيّة وبالإنجليزيّة وبالفرنسيّة وبالإسبانيّة وبالألمانيّة وبالرّوسيّة، ولا بأس أن تبثّ أربع ساعات بالعبريّة حتّى لو اتّهمنا الأخوة في دول الخليج العربيّ بالتّطبيع.. المهمّ أن نتواصل مع العالم ونشرح قضيتنا له. ولأنّني أنا محمّد بن عليّ ديمقراطيّ نصًّا وروحًا منذ رضعت حليب أمّي عزيزة فاترك لكم اختيار اسم عصريّ ملائم للفضائيّة.

ولو كان عندنا مصانع هايتك لزارنا زعماء الصّين والهند وروسيا ومشوا مع رئيسنا "كَسدره وغَندره" على شاطئ البحر الميّت وغسلوا أقدامهم بمياهه الطّبيّة المالحة.

ولو كان عندنا حقول "كيف" لزارنا رؤساء من أوروبا وآسيا وإفريقيا وأميركا اللآتينيّة وبلاد الواق واق وبلاد البربر وبلاد العجم وبلاد يأجوج ومأجوج، وأكلنا وشربنا معًا، وأخذنا "شخطة" معًا... وحملوا الكثير منها ليوزّعوها مجّانًا على أبناء وبنات جلداتهم.

ولكنّنا والحمد لله نحن شعب صغير لا يملك نفطًا ولا غازًا ولا فحمًا ولا ذهبًا ولا فضّة ولا حشيشًا ولا مصانع سلاح ولا هايتك ولا كازينوهات.

نحن شعب صغير يملك إرادة قويّة ويملك قدرة خارقة على الصّمود وعلى الصّبر وعلى البقاء.

جاء بطرس النّاسك وصال وجال وصمدنا وبقينا.

وجاء مسيو نابليون وسال الدّم في يافا وجنين حتّى الرّكب وصمدنا وبقينا.

وجاء مستر اللنبيّ وخاطب صلاح الدّين بصلافة وعجرفة وصمدنا وبقينا.

وجاء خواجة ديّان وكانت دير ياسين وكفر قاسم وصمدنا وبقينا وكيف لا ونحن شعب صغير والحمد لله، عندنا آلاف الأكاديميّين والعلماء والفنّانين والأدباء والشّعراء من الرّجال والنّساء.

وعندنا أيضًا (وخمسة في عين الحسود) خمسون حزبًا وخمسون فصيلًا وسبعون نبيًّا وسبعون إلهًا ونتقن التّشاجر والتّخاصم والتّلاسن وأكل لحم بعضنا، ونحن نحبّ الدّولار واليورو والشّاقل والاسترلينيّ واليهود "مش أشطر منّا!".

ونحن لسنا متخلّفين – معاذ الله - ولكنّنا نسمح لأنفسنا باسم الشّرف أن نضرب نساءنا ونقتلهنّ.."ليش مش كل واحد منّا عامل أبو علي!!" ولا يسلم الشّرف الرّفيع من الأذى حتّى يُراق على جوانبه الدّم، كما قال شاعرنا العظيم.

والحمد لله على كلّ حالة!!

ha

التعليقات

لغة المصالحة مرة اخرى

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
يبدو ان الناطق الرسمي باسم حركة حماس، لا يريد للمصالحة الوطنية ان تمضي في دروبها الصحيحة، وهو ما زال يتشبث بلغة الانقسام القبيحة، هذا الى جانب ما يمكن تسميته سلوكيات اعلامية اخرى لقيادات حمساوية لا تريد الاعتراف بأن المصالحة وانهاء الانقسام، تبدأ من الاقرار بسلطة واحدة، وادارة واحدة، وسلاح واحد، وبلغة وسلوك يعكس الالتزام بذلك على نحو بالغ الوضوح.

ما زال هذا الناطق يستخدم ذات الكلمات والتعابير التي سادت فيما مضى (..!!) وما زال لا يرى، او انه لا يريد ان يرى ان المصالحة بحاجة الى لغة تتفتح فيها النوايا الطيبة، لتسوية كافة المعضلات التي اوجدها الانقسام، والاخطر انه ما زال لا يرى ان هذه المعضلات التي تراكمت طوال العشر سنوات الماضية، هي معضلات لم تتحمل حماس مسؤولية معالجتها، ولا بأي شكل من الاشكال، بل تركتها تتراكم بنكران في خطاب قال ذات مرة ان غزة مع حكم حماس تعيش افضل ايامها ...!! هل نذكر بتصريحات الزهار في هذا السياق .؟؟

عشر سنوات من الانقسام غذتها الحروب العدوانية الاسرائيلية الثلاث على القطاع، بمزيد من العذابات والجراح العميقة، جعلت من الحياة هناك، حياة خارج السياق الآدمي الى حد كبير...!! لكن الناطق الرسمي الحمساوي لا يرى من عذابات القطاع المكلوم، سوى اجراءات الرئاسة التي استهدفت في الواقع الضغط العملي لدحر الانقسام البغيض، ولم تكن بالقطع اجراءات "تعسفية ضد اهلنا في غزة" كما يصفها هذا الناطق بلغة الانقسام القبيحة، التي لا ينبغي لها ان تكون بعد الآن، لكي نقول ان المصالحة تتقدم في دروبها الصحيحة. 

وبالقطع ايضا ان هذه الاجراءات، ليست هي السبب في عذابات القطاع المكلوم،        وليست هي التي فاقمت ازمات ومعاناة اهلنا في المحافضات الجنوبية، فليست هي التي ضاعفت الضرائب خارج القانون ودون وجه حق، وليست هي من احكم قبضة الامن التعسفية، والاستيلاء على الاراضي الحكومية وجعلها اعطيات اقطاعية، ولا علاقة لهذه الاجراءات بمعضلة الكهرباء ولا بتلوث البحر أو غيرها من المعضلات والمشاكل، وبالقطع تماما ان هذه الاجراءات ليست هي العنوان الرئيس في المصالحة، ومع ضرورة واهمية تسويتها فإن إلغاءها لن يحل معضلات القطاع دفعة واحدة، ولن يجعل من سنوات الانقسام العشر نسيا منسيا، وكأنها لم تكن بالمرة، وهي على كل حال اجراءات  كانت وما زالت مؤقتة، ستنتهي لحظة تمكن حكومة الوفاق من ممارسة مهامها على اكمل وجه في المحافضات الجنوبية.

عشر سنوات من العتمة، ولا نريد وصفا آخر احتراما للمصالحة، خلفت الكثير من الالم ولا يمكن اختصارها وحصرها في هذا الاطار المفتعل، الذي نرى انه يحاول القفز عن متطلبات المصالحة الوطنية الاساسية، والهروب من مواجهة الواقع وضرورة المراجعات النقدية للسنوات العشر الماضية وتحمل مسؤولياتها على نحو وطني شجاع.

ومرة اخرى سنقول ونؤكد ان للمصالحة لغة ليست هي لغة تلك السنوات العجاف، لغة تسمح بالنقد والمراجعة والاعتراف، ولغة تجعل من دروب المصالحة سالكة تماما بالتروي والحكمة والعبارة الصالحة الخالية من الاتهامات الباطلة والشعارات المنافية للواقع والحقيقة.

وبقدر ما هي المصالحة "ضرورة وطنية لانهاء الاحتلال واقامة الدولة وتحقيق آمال شعبنا" كما اكد ويؤكد الرئيس ابو مازن، فإن لغة المصالحة ضرورة ايضا لكي تستقيم عملية انهاء الانقسام وتؤدي المصالحة، كما يراها ويريدها شعبنا ورئيسنا أبو مازن، دورها في تعزيز مسيرة الحرية والاستقلال.

لغة المصالحة هي لغة الوحدة الوطنية، ولغة الوحدة هي لغة الوطن، لغة فلسطين التي هي دوما لغة الحق والعدل والحرية والجمال.

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017