البلبيسي .. الشاهد الشهيد على قتل الدرة

الشهيد بسام البلبيسي

 رشا حرز الله

على الجهة المقابلة لمكان استشهاد الطفل محمد الدرة، الذي احتلت صورته شاشات التلفزة العالمية في مثل هذه الايام قبل سبعة عشر عاما، ابان اندلاع انتفاضة الأقصى، بينما كان يحاول الاحتماء بحضن والده من الموت خلف أحد البراميل الإسمنتية بشارع صلاح الدين في قطاع غزة، توقفت سيارة الإسعاف التي يقودها علي خليل، وإلى جانبه زميلة المسعف بسام البلبيسي، محاولان الوصول لإنقاذه.

تعالت أصوات الناس وصرخاتهم، ملوحين لسيارة الإسعاف التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني، طالبين قدومها بسرعة لإنقاذ محمد ووالده جمال الذي راح يصرخ: "مات الولد .. مات الولد"، لكن علي وبسام لم يتمكنا من اجتياز الشارع لكثافة نيران جنود الاحتلال باتجاه "الهدف"، وبقيا يحاولان إلى أن اخترقت رصاصة سيارة الإسعاف وشقت طريقها إلى قلب المسعف بسام، فارتقى شهيدا.

المشهد وصفه ضابط الإسعاف علي خليل، قائلا: " كمية الرصاص التي أطلقها جيش الاحتلال كانت كبيرة جدا. حاولنا الوصول إلى محمد ووالده، رغم تحذيرات المتواجدين لنا بخطورة المجازفة. بقينا داخل سيارة الإسعاف نحاول البحث عن طريق آخر، لكن فجأة وضع بسام يده على قلبه، وقال: علي أنا تصاوبت.. اسعفني، ثم أرخى رأسه إلى الخلف وهو ينزف".

نقل علي زميله بسام إلى إحدى المستشفيات الميدانية القريبة، التي أقيمت لعلاج المصابين، وعددهم كان بالمئات، غير أن الأطباء أخبروه بضرورة نقله إلى المستشفى كونه فارق الحياة.

يشير علي إلى أن بسام كان يومها شديد التوتر لكثرة عدد المصابين، ولأن الاحتلال كان يطلق النار بشكل عشوائي، "وجدنا صعوبة بالغة في إخلاء المصابين، ولم يتم تقديم الإسعاف لهم إلا بعد جهد كبير"، ويضيف :"لكن ما أذهلنا هو مشهد الدرة الذي لم نستطع فعل شيء له، دون أن يدري بسام أنه سيكون شهيدا هو الآخر".

في مستشفى الشفاء بغزة، أكد الأطباء لعلي استشهاد بسام، فبكى الرفيق رفيقه، ثم ما لبث أن عاد إلى الميدان بحالة نفسية صعبة، لنقل المصابين، نظرا لمحدودية عدد سيارات الإسعاف والمسعفين.

قبل استشهاده بنصف ساعة، هاتفت حنان زوجها بسام للاطمئنان عليه، ثم عادت لتتابع قنوات التلفزة التي كانت تبث الأحداث مباشرة، ليظهر بعدها على الشريط العاجل خبرا يفيد باستشهاد أحد أفراد الطواقم الطبية برصاص الاحتلال، ولاحقا قالت هذه القنوات ان الشهيد هو بسام البلبيسي.

وبحسب زوجته فإن الشهيد عمل مسعفا لـ18 عاما، وعرض نفسه للخطر مرات عديدة "بسام مغامر، ولا تهمه حياته بقدر ما تهمه حياة الآخرين، واستشهد من أجل إنقاذ الآخرين، بسام نبيل وإنساني وشهم".

والبلبيسي وحيد أمه، ينحدر من حي الشجاعية، وهو أب لـ11 ابنا وبنتا، أصغرهم كان يبلغ من العمر ستة أشهر حين استشهد والده.

حالة من الذهول سيطرت على من شاهد وتابع جريمة قتل الطفل محمد الدرة أمام عدسة الكاميرات، لكن في الشارع المقابل كانت جريمة أخرى يرتكبها الاحتلال بحق المسعف بسام بعيدا عن الشاشات، ليكون بذلك الشاهد على قتل محمد .. والشهيد من أجله.

ــــــــ

ha

التعليقات

"سيرة وانفتحت"

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
لطالما فتحت "سيرة" غاز شرق المتوسط، وعلى هذا النحو الساخن الذي يوحي بترتيبات اقليمية جديدة، ترتيبات قطرية تماما، في حدود ما هو قائم من دول في هذا الاقليم (..!!) لطالما فتحت هذه "السيرة" على هذا النحو، ستفرض القراءة الموضوعية علينا ان نرى ان الانقلاب الحمساوي عام 2007 لم يكن انقلابا عقائديا على ما يبدو، ولا علاقة له بالسعي لتعزيز خنادق المقاومة والممانعة في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي، وانما كان هناك حقل الغاز الفلسطيني قبالة سواحل غزة والذي اكتشف نهاية التسعينيات من القرن الماضي وتم بناء حقله عام 2000 من قبل شركة الغاز البريطانية "بريتش غاز" نتذكر هنا ان الزعيم الخالد ياسر عرفات افتتح منصته.

هذا الحقل، هو أحد مقومات الدولة الفلسطينية المستقلة، التي لا تريدها اسرائيل اليمين العنصري المتطرف، ونعتقد انه منذ اكتشاف هذا الحقل بدأت اسرائيل بتمزيق اتفاقات اوسلو، ومع انسحابها احادي الجانب من قطاع غزة، كانت تمهد الطريق موضوعيا، للانقلاب الحمساوي، حتى يصبح بالامكان مع الانقسام وشعاراته الغوغائية، الاستحواذ على حقل الغاز الفلسطيني، الذي عرقلت اسرائيل بدء العمل فيه، واستثماره وفقا لاتفاق الشركة البريطانية مع السلطة الوطنية، حتى اغلقت هذه الشركة مكاتبها في تل أبيب ورام الله ..!

حتى في تفاصيل مشروع ما يسمى بالدولة ذات الحدود المؤقته، أو "دولة" الامارة في غزة، لا ذكر لحقل الغاز الفلسطيني، وعلى الذين يغازلون هذا المشروع، ويتبادلون معه الخطابات المباشرة وغير المباشرة (تصريحات حمساوية عدة تشير الى ذلك) عليهم ان يدركوا انهم في المحصلة "سيخرجون من المولد بلا حمص" فلا حصة لأحد مع الاستعمار الاستيطاني ومشاريعه الاستحواذية..!! وسنرى بقوة الوقائع الموضوعية ان الذي اطال أمد الانقسام البغيض، وما زال يطيله حتى اللحظة، ليس غير استمرار محاولة تدمير المقومات الاساسية لقيام دولة فلسطين المستقلة، بعاصمتها القدس الشرقية، المحاولة التي تقودها اسرائيل، والتي تريدها اليوم بترتيبات اقليمية، تكون هي فيها الدولة المركزية..!!

وعلى نحو واقعي، سنرى ان ما يسمى بصفقة القرن، ليست غير إقرار هذه الترتيبات الاقليمية التي تريدها اسرائيل، الصفقة التي لا نزاهة ولا عدل ولا سلام فيها، وهي التي تتوغل اليوم في عدوانها على القضية الفلسطينية، وهي تعلن انها ستنقل سفارتها من تل أبيب الى القدس المحتلة في ذكرى النكبة الفلسطينية..!  

انها شهوة السيطرة المطلقة على مقدرات وثروات هذه المنطقة، وبقدر عنصريتها البغيضة، لا تريد لأي طاقة أمل ان تفتح أمام الشعب الفلسطيني، لعلها بذلك تكسر ارادته الحرة، واصراره على مواصلة طريق الحرية حتى الاستقلال.

بالطبع لن تكون "صفقة القرن" قدرا لا يمكن رده، ولنا اليوم مع المقاومة الشعبية خطة سلام بالغة العدل والحق والنزاهة والمصداقية، بخارطة طريق واضحة وصحيحة لا تستند لغير قرارات الشرعية الدولية، لنا هذه الخطة التي صفق لها المجتمع الدولي في مجلس الأمن، وباتت تلقى دعما على مختلف المستويات الدولية الاقليمية، بما يعني ثمة فرصة حقيقية لتفعيلها لتحقيق أهدافها النبيلة.

وحدهم الذين ما زالوا يتوهمون كعكة في مشاريع "الحدود المؤقتة" من لا يرى في خطة السلام الفلسطينية تقدما في طريق الحرية ذاتها، والأسوأ انهم لا يرون فيها فرصة لتعزيز خطواتهاعلى هذه الطريق، بانجاز المصالحة الوطنية كما يجب بقبر الانقسام البغيض، حتى نعيد لحقل الغاز الفلسطيني شعلته السيادية ونمضي قدما في بناء المزيد من مقومات دولة فلسطين بعاصمتها القدس الشرقية من رفح حتى جنين، ما زالت الفرصة قائمة، وما زال بالامكان المصالحة، فهل تخطو حماس خطوة تاريخية باتجاه الوطن ومصالحه العليا..؟

 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018