توسيع رقعة الصيد في بحر غزة: ذر رماد حار في عيون صياد منهك

محمد أبو فياض

مزاعم سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بتوسيع رقعة مساحة الصيد في بحر قطاع غزة، أكثر من مرة سنوياً، ما هي إلا ذر لرماد حار في عيون صياد منهك، يكابد ليل نهار لتوفير الحد الأدنى من قوت عياله، في ظل انكماش قطاع صيد كنتاج طبيعي ومباشرة لسياسة إسرائيل.

وزعمت سلطات الاحتلال، ليلة البارحة، أنها ستقوم الأربعاء المقبل، بتوسيع مسافة صيد الأسماك الجنوبية في بحر غزة من ستة أميال إلى تسعة أميال لمدة شهر ونصف، وذلك لمصلحة صيادي الأسماك، ودعما للاقتصاد في قطاع غزة، وذلك للمرة الثانية هذا العام.

وبحسب اتفاقيات أوسلو الموقعة بداية التسعينيات، فإن مساحة ومنطقة الصيد تمتد تقنياً إلى 20 ميلا بحريا، ولكن كجزء من حصار إسرائيل على القطاع الساحلي منذ عام 2007، سُمح للصيادين الفلسطينيين فقط العمل في حدود "منطقة صيد محددة" تمتد لستة أميال بحرية عن شاطئ غزة.

وحسب  مراكز حقوق الإنسان، سواء المحلية، أو الإسرائيلية، أو حتى منظمات أممية، ففي عام 2007، أعلنت إسرائيل منع الاصطياد خارج حدود منطقة الستة أميال بحرية من شاطئ غزة، ثم في شهر يناير 2009، تم تقليص المساحة المسموح الصيد فيها إلى 3 أميال بحرية فقط، وبعد ذلك أُعيدت إلى ستة أميال بحرية بعد وقف إطلاق النار في عام 2012. ما أثر ذلك بحدة على الصيادين بشكل خاص، وعلى الأمن الغذائي للفلسطينيين في قطاع غزة بشكل عام.

وفي هذا الصدد، تفيد إحصاءات مركز الميزان لحقوق الإنسان، بأن قوات الاحتلال قتلت منذ مطلع العام الحالي وحتى الآن 2 من الصيادين، وأوقعت (10) جرحى، واعتقلت (28) صياداً، واستولت على 10 قوارب صيد، وأطلقت النار تجاه الصيادين (142) مرة.

وتواصل قوات الاحتلال انتهاكاتها الجسيمة والمنظمة بحق المدنيين الفلسطينيين، ولا سيما الصيادين، في تجاوز لقواعد القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ما يعرض حياتهم للخطر، ويحول دون تمكنهم من مزاولة أعمالهم بشكل يضمن لهم التمتع بمستوى معيشي ملائم، بل دفعت تلك الانتهاكات المتمثلة في ملاحقتهم، وإطلاق النار صوبهم، وقتل وجرح عدد منهم، واعتقالهم، والاستيلاء على مراكبهم ومعداتهم، إلى تقويض وسائل كسب رزقهم، ما فاقم من أوضاعهم المعيشية، وقوض وسائل كسب رزقهم على نحو يمس بجملة حقوق الإنسان.

وأكد مركز الميزان حق الصيادين في ممارسة أعمالهم بحرّية في بحر غزة، كحق أصيل من حقوق الإنسان، وأن قوات الاحتلال ترتكب انتهاكات منظمة لقواعد القانونين الدولي الإنساني، والدولي لحقوق الإنسان باستهدافها المتكرر للصيادين خلافاً للفقرة (2) من المادة (1)، والفقرة (1) من المادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والفقرة (1) من المادة (23) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

كما تتعارض مع المادة (33)، والمادة (52) من اتفاقية جنيف الرابعة لحماية السكان المدنيين وقت الحرب، مجددا مطالبته المجتمع الدولي، ولا سيما الدول الأطراف الموقعة على اتفاقية "جنيف" الرابعة بالقيام بواجبها الأخلاقي، والقانوني، والقيام بخطوات عملية لحماية الصيادين الفلسطينيين، وإلزام قوات الاحتلال باحترام مبادئ هذين القانونين الدوليين.

وكان المركز، سلط في تقرير النصف الأول من العام 2017، الضوء على أنماط الانتهاكات التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي، بحق الصيادين الفلسطينيين في قطاع غزة، مظهرا أصناف المعاناة التي يختبرها الصيادون وأثرها على قطاع الصيد، جراء استمرار الحصار البحري على قطاع غزة، والاعتداءات المتواصلة في عرض البحر.

وعمدت قوات الاحتلال وفق التقرير، إلى تعطيل نمو بنية الاقتصاد الفلسطيني، بما فيها قطاع الصيد، عبر حرمان الفلسطينيين من استثمار ثرواتهم الطبيعية، والاستحواذ عليها، وكان فرض الحصار البحري والاعتداءات المتكررة على قطاع الصيد، بما في ذلك ملاحقة الصيادين داخل مناطق الصيد، التي حددتها تلك القوات ضمن هذه السياسة، الأمر الذي يشكل انتهاكاً إضافياً لقواعد القانونين الدوليين التي تُلزم الدولة المحتلة باستغلال الثروات الطبيعية في الأراضي المحتلة لصالح منفعة السكان، كذلك عمدت قوات الاحتلال على استمرار تدفق المنتجات الاسرائيلية، وأنواع الأسماك الأقل جودة إلى السوق الفلسطينية.

وفي السياق، دعا المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، في أكثر من تقرير له، إلى الوقف الفوري لسياسة ملاحقة قوات الاحتلال الإسرائيلي صيادي قطاع غزة، والسماح لهم بركوب البحر، وممارسة عملهم بحرية تامة.

وجاء في أحد هذه التقارير، بالخصوص، أن الاعتداءات الإسرائيلية على الصيادين الفلسطينيين في قطاع غزة تمثل انتهاكاً سافراً لقواعد القانون الإنساني الدولي، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والخاصة بحماية حياة السكان المدنيين واحترام حقوقهم، بما فيها حق كل إنسان في العمل، وحقهم في الحياة والأمن والسلامة الشخصية، وفقاً للمادتين الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والسادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، رغم أن إسرائيل طرفاً متعاقداً في العهد.

 وجاءت هذه الاعتداءات في وقت لم يكن فيه الصيادون يمثلون خطراً على القوات البحرية الإسرائيلية المحتلة، فقد كانوا يمارسون عملهم، ويبحثون عن مصادر رزقهم.

ووفق التقرير، تتزامن الاعتداءات الإسرائيلية ضد الصيادين الفلسطينيين في قطاع غزة مع التضييق عليهم، ومنعهم من ركوب البحر، وممارسة مهنة الصيد البحري، فلم تلتزم السلطات الإسرائيلية المحتلة بمسافة الصيد  المحددة بـ 20 ميلاً بحريا، وفقاً لاتفاق أوسلو عام 1993، فحاربت الصيادين في رزقهم، وقلصت مسافة الصيد البحري لتصل في أقصاها إلى 6 أميال بحرية، وهي الآن تتراوح ما بين 3- 6 أميال بحرية، الأمر الذي حرم الصيادين من الوصول إلى المناطق التي تكاثر فيها الأسماك.

وكانت "الأونروا" وفي تقرير لها تحت عنوان "صيادي قطاع غزة :ظروف معيشية مقيدة"، قالت إن القيود المفروضة من قبل إسرائيل خلال الأعوام الماضية أدت إلى تكثيف الصيد بالقرب من الشاطئ والتي أدت إلى نفاد كميات الأسماك والإضرار بالتكاثر الطبيعي للأسماك وتهديد الموارد السمكية، كما اضطر الصيادون إلى إلقاء شباك الصيد في مناطق تواجد الأسماك الصغيرة وأماكن وضع البيض، وهذا يعني أن الأسماك المصطادة صغيرة، عدا عن كون ذلك يؤدي على المدى البعيد إلى أضرار في الموائل/المواطن البحرية.

ويتعرض الصيادين في غزة،  حسب التقرير، إلى إطلاق النار من قبل البحرية الإسرائيلي بشكل يومي، ويتم إغراق أو مصادرة قواربهم بشكل اعتيادي، ومن الممكن أن يتعرض الصيادون أنفسهم إلى الاعتقال، وإضافة إلى ذلك، فإن المواد المختلفة التي يستخدمها الصيادين في إصلاح قواربهم وشباك الصيد تُدرج من قبل إسرائيل ضمن المواد ثنائية الاستخدام، وهي المواد التي تعتقد إسرائيل أنها قد تستخدم لأغراض عسكرية، مثل قضبان الحديد والإسمنت، والمواد الكهربائية والأنابيب وقطع الأخشاب التي يزيد سمكها عن واحد سنتيمتر وغيرها، وبالتالي تخضع هذه المواد إلى قيود الاستيراد الإسرائيلية.

وأكدت كل ما سبق، جمعية "چيشاه–مسلك" الإسرائيلية (مركز للدفاع عن حريّة التنقل– هي مؤسسة حقوق إنسان إسرائيلية)، في تقرير لها قالت فيه إن الإغلاق الذي يفرضه سلاح البحرية الإسرائيلية لا يضر اقتصاديًا بالصيادين فحسب، بل إنه يجعل من الصيد في غزّة مهنة خطيرة. هنالك تقارير كثيرة عن حوادث إطلاق نار تجاه الصيادين.

وأضافت أن التقييدات الإسرائيلية المفروضة على مساحة الصيد تمس بمصدر رزق آلاف الصيادين في غزّة، كما وأنها تمس بالمهنة التي تعتبر، تقليديا، واحدة من المهن الهامة في القطاع. وأن هذا الضرب من السيطرة، وغيره من ضروب السيطرة التي تنتهجها إسرائيل وتفرضها على الحياة اليومية في القطاع تجلب معها مسؤولية، ومن ضمن تلك المسؤوليات إتاحة المجال أمام السكان لكسب رزقهم بكرامة.

أما مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة "بيتسيلم"، فقد اتهم في تقرير له حول الصيادين في القطاع، سلطات الاحتلال الإسرائيلي مطلع العام الجاري بأنها تقضي على قطاع صيد الأسماك في قطاع غزة، مشيرا إلى أنه في عام 2000 عمل حوالي 10000 شخص من سكان قطاع غزة في مجال الصّيد. واليوم هناك حوالي 4000 صياد فقط مسجلون في نقابة الصيادين، الذين يُعيلون ما يقرب من خمسين ألف شخص. لكن حتّى هذا المُعطى لا يعكس الواقع، إذ أن نصف الصيادين عاطلون عن العمل بعد أن تعطّلت مراكبهم ولا يمكن تصليحها بسبب النقص في المواد الخام. %95 من الصيادين في القطاع يعيشون تحت خطّ الفقر.

وأضاف أن انكماش قطاع صيد الأسماك في غزة هو نتيجة مباشرة لسياسة إسرائيل، التي تفرض قيودًا صارمة على الوصول إلى البحر، وتسويق الأسماك في الضفة وإدخال المواد الخام إلى قطاع غزة ومنع تصدير الأسماك إلى إسرائيل، وتسيء معاملة الصيادين.

وبين أن من هذه القيود: الحد من نطاق الصيد المسموح به، والنقص في المواد الخام والمعدات وقطع الغيار لإصلاح مراكب الصيد، والاعتقالات وإطلاق النار، والقيود المفروضة على تصدير الأسماك إلى إسرائيل والقيود على تسويقها في الضفة.

وجاء في تقرير ثانٍ للمنظمة الإسرائيلية، أن اعتقال الصيادين والتنكيل بهم يعتبر وسيلة عقاب جماعي مفروض على كل من يتجاوز المنع غير الرسمي الذي تفرضه إسرائيل على الصيد.

وأنه في أيلول 2005، أكملت إسرائيل خطة الانفصال عن قطاع غزة وأعلنت عن انتهاء الحكم العسكري في القطاع. وبناء على ذلك، من غير الواضح وفق أي صلاحية تحظر إسرائيل الإبحار في شواطئ القطاع وما هي القاعدة القانونية لاعتقال الصيادين، الذين لا يخضعون، طبقا لادعاء إسرائيل، لسلطتها.

 

ha

التعليقات

الحكمة ضالة المؤمن

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
على نحو بالغ الوضوح أعاد الرئيس أبو مازن للحكمة، دورها في السياسة، لكي تنجو هذه الأخيرة من تشنجاتها، وانفعالاتها، وتعجلها المراهق، ورغباتها التجريبية التي غالبا ما تكون مدمرة، وبوسع أية قراءة موضوعية لحراك الرئيس أبو مازن في ساحات العمل السياسي والدبلوماسي العربية والدولية، ان تكتشف انحيازه التام للحكمة وتمسكه بها في التعامل مع مختلف القضايا الوطنية والاقليمة والدولية، ومن ذلك مثلا رفضه للخطابات الاستهلاكية، ورفضه التعاطي مع الشعارات البلاغية وأوهامها، واصراره على مخاطبة الشعب وفصائله وقواه السياسية بصراحة ووضوح تجاه مختلف شؤون القضية الوطنية، وسبل مواجهة الاحتلال.

وبسياسة الرئيس أبو مازن بات مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، لأي دولة في العالم وخاصة الدول العربية الشقيقة بالغ الوضوح والمصداقية، وقد سجل موقفا تجاه الصراع في سوريا، بترجمة واقعية وعملية لمبدأ عدم التدخل، وما زال هذا الموقف يحظى باحترام فرقاء الصراع على المستويات كافة، والواقع ان هذا الموقف لم يستهدف سلامة المخيمات الفلسطينية في سوريا فحسب، ولا من أجل تكريس وتأكيد الموقف الوطني الفلسطيني بعدم التدخل في الشؤون الداخلية فقط، وانما أيضا من أجل عدم توسيع مساحة الصراع، وتأكيد احترام السياسة الفلسطينية، لمبدأ الحوار في حل صراعات البلد الواحد، ولا شك وحيثما كانت هناك المخيمات الفلسطينية (خاصة في لبنان اليوم) وحيثما كانت هناك احتمالات الصراع المحلية، فان هذا الموقف المبدئي لن يعرف تبدلا ولا تراجعا ولا مساومة، ولا بأي شكل من الأشكال. 

ولعلنا أيضا نشير هنا الى الخبر الرسمي الذي اعلنه الاعلام السعودي أمس الاول، ان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، اطلع مجلس الوزراء السعودي على نتائج مباحثاته مع الرئيس أبو مازن، التي تناولت مستجدات الأوضاع على الساحة الفلسطينية، ونشير الى هذا الخبر لنؤكد ان  معظم ما قيل عن زيارة الرئيس أبو مازن، ومباحثاته في السعودية، في بعض وسائل الاعلام العربية والأجنبية، لا أساس له من الصحة، ولا يعدو كونه محض فبركات وشائعات لا تريد غير توريط الموقف الفلسطيني في صراعات بالمحصلة، لا ناقة له فيها ولا جمل، وأكثر من ذلك لا تريد لفلسطين ان تكون عاصمة عربية محورية، لبحث شؤون الأمة والسعي لخلاصها من أزماتها الراهنة واطماع التدخلات الأجنبية، وخاصة الايرانية التي تبدو اليوم بالغة الوضوح والوقاحة، وكذلك فان الشائعات والفبركات استهدفت التشكيك بموقف المملكة العربية السعودية، تجاه فلسطين وقضيتها، وهو الموقف الذي لا يقبل  التبدل أو التراجع، ولا بأي حال من الأحوال.   

بسياسة الحكمة، وبحكمة السياسة، يمضي الرئيس أبو مازن في معالجة مختلف قضايا الشأن الوطني والعربي، ولهذا فلسطين تؤكد حضورها في كل مكان عاصمة مركزية، والعاصمة المركزية، مكانها بروح المكانة الفلسطينية، وبروح تجربتها وخبرتها النضالية والسياسية، وبروح تضحياتها العظيمة، مكانة ومكان في الجغرافيا والتاريخ، وفي الواقع والتطلع، من أجل المزيد من التشاور والتنسيق والعمل العربي المشترك، لما فيه صلاح الأمة، وخير مستقبلها. انها الحكمة التي هي ضالة المؤمن وقد تلقفها الرئيس أبو مازن بمنتهى الوضوح والقوة. 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017