لا تسامحينا يا فاطمة!!

موفق مطر

لم نعرف بعد أسباب اختيار الطفلة فاطمة أبو ميالة ذات الـ 14 ربيعا، حاجز جيش الاحتلال الاسرائيلي يوم 27 أيلول الماضي، لكن ما نعرفه أن الطفلة قررت الهروب من جحيم وظلم الموروث الاجتماعي، فألقت بنفسها في دائرة نار كان من الممكن تأكل روحها بلا ثمن وارخص مما كانت عليها عند سماسرة زواج القاصرات، وسلاطين الأعراف والعادات الاجتماعية  الظالمة المتخلفة. 

لقد فتحت فاطمة جرحا كان نازفا ذهبنا في اعتقاد انه قد اندمل، فاذا بهذه الطفلة البريئة من تهمة حيازة السكين لطعن جنود الاحتلال عند الحرم الابراهيمي، قد اشعلت بوجه مسيرة تحررنا الاجتماعي والوطني  والثقافي الضوء الأحمر، قبل ان تقول لنا بالفعل وليس بالقول، انا ذاهبة الى الذي اغتصب ارض وطني حتى لو قتلني، ولا أرضى بالعيش معكم فيما روحي تغتصب كل يوم، فأرضي قد استعيدها  واطهرها، اما روحي ونفسي المغتصبة فإنها لعنتي على مفاهيمكم وقوانينكم واعرافكم الظالمة الى الأبد.

زوجوا الطفلة فاطمة قسرا، واستتروا بلحاف الزواج العرفي، لكن الفتاة ابت بيع روحها وجسدها كما اراد لها جشع اولي الأمر وسماسرة  الزواج العرفي، فاجتازت الخطوط الحمراء، ووضعت روحها على كفها، وكلفة تشهير قد تلحق باسمها، لتعلمنا بفظاعة الخطيئة التي نرتكبها بحق بناتنا وأجيالنا، ولتقول لنا لا تئدوا أرواحنا ونفوسنا وأجسادنا كما كان الجاهليون يفعلون، قالت وهي التي عجزت عن نطق اسم عائلة زوجها، وجهلت اسمه الرباعي!!.

يهرب المهووسون بفكرة امتلاك جسد انثى بأي ثمن تحت يافطة الزواج العرفي لتبرير خطيئتهم، وشرعنتها في اروقة مجتمعهم، دونما اكتراث لمصير الروح الانسانية المستهدفة وحقوقها، ودون ادنى اعتبار لمستوى اهليتها لهذه النقلة النوعية في حياتها من حيث النضوج المعرفي، والتكوين النفسي قبل التكوين الجسدي، وقبل كل امر قدرتها على قول (نعم) بحرية، أو (لا) دون أن يسارع المجتمع بدوائره المتعددة من الإطباق عليها واغتصاب مشيئتها، بدءا من الدائرة الأصغر التي قد تكون الأب او الأم وانتهاء بدوائر التشريعات والقوانين التي لم تعدل حتى الآن، حتى باتت بمثابة حائط ارتكاز للباحث عن تلبية شهواته وغرائزه  وانحرافاته الجنسية بالزواج من انثى حتى لو كانت في تصنيف القانون طفلة!.

قد لا نصدق أن طفلة بعمر 13 عاما انجبت مولودا مما يسمونه زواجا عرفيا، ما يعني انها قد سبيت وسيقت الى بيت الجريمة وهي في سن الـ 12 عاما، ولا يمكننا توصيف ما يحدث لطفلة في هذا العمر او لما يحدث لفتاة دون السن القانونية الا بعملية سبي، وخطيئة تعادل جريمة خطف انسان وتعذيبه حتى لو كان الخطاء قد شنشلها بالذهب، او رقدها في جرن عسل!!... لا نصدق، لكن بما ان الكلام جاء على لسان رئيس نيابة الأحوال الشخصية في ديوان قاضي القضاة السيدة صمود الضميري.

يحدث هذا في بلادنا، فيما نحن نرفع شعارات التحرر والحقوق، ونسابق الدول في الانضمام للمنظمات الدولية المعنية بحقوق المرأة والطفل، وفيما خبراء القانون الفلسطينيون يصيغون التشريعات الأحدث المنسجمة مع المواثيق الدولية، لكننا نبدو كمن يخشى الاقتراب من نيران الموروث والعرف الباطل شرعا وقانونا، وهو يعلم ان النار واصلة اليه حتما، لكنه كغيره ينتظر مفاجآت القدر، أو التغييرات القسرية.

 يحدث هذا في بلادنا رغم توجيهات الرئيس محمود عباس ابو مازن في كل مناسبة بضرورة مراجعة قوانين الاحوال الشخصية، وتلك المتعلقة بالزواج، والعمل على تهيئة قوانين فلسطين لتنسجم مع قوانين ومبادئ حقوق الانسان المقررة في المؤسسات الأممية وشرعة حقوق الانسان  ومواثيقها.

يلجأ الراغبون بتعدد الزوجات، وارتكاب خطيئة الزواج من قاصر الى مظلة مجتمعنا حيث القوانين الرخوة، التي تمكنهم من ارضاء نفوسهم ومتطلبات غرائزهم، ذلك ان القانون الاسرائيلي يمنع التعدد، وانشاء عقود زواج لمن لم يبلغ السن القانونية 18 عاما، فيما محاكمنا الشرعية ما زالت تتعامل بمعيار العام الهجري، وتعتبر السن المحدد للزواج على اساس قوانينها 15 عاما هجرية اي ما يعادل 14 عاما ميلاديا وستة شهور تقريبا وزد عليهما 21 يوما، وهذا مخالف صراحة لقانون الأحوال الشخصية الذي حدد سن الرشد  والاهلية القانونية أمام القضاء بـ 18 عاما، وكذلك لقانون العقوبات الساري، حيث يعاقب كل من ساهم أو شارك بإجراء العقد بالسجن والغرامة دون استثناء الأب والشهود.

نحتاج الى تفعيل القدرات والطاقات البشرية الكامنة لدى القوى الحية، سياسية كانت او اجتماعية او ثقافية، أو حقوقية وتسخيرها في مهمة متابعة وتقصي الوقائع، والاستعلام عن قضايا تعيش الضحية فيها في زنزانة الخوف من البوح بما يعتريها من آلام وعذاب نفسي وجسدي، وتمتين الصلة والتواصل مع المؤسسات القانونية، لوضع اليد على ملفاتها، بالتوازي مع توفير الحماية اللازمة للضحايا مهما كلف الأمر، وفي تقديرنا أن ذلك خير تعبير عن قيمنا التحررية  ومبادئنا التي نكاد نجعلها كتسونامي من كثرة فيض الحديث عنها وفيها!... فلا تسامحينا يا فاطمة حتى نحررك ونحرر قوانين محاكمنا، ونمنعها من أن تكون متكأ للظالمين.

ha

التعليقات

اليقين الفلسطيني لا بد أن ينتصر

 كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

العنوان أعلاه هو ملخص خطاب اليقين الذي هيمن على اجواء مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس الذي يختتم أعماله اليوم في القاهرة، والسبب ليس هو الثقة المعرفية والإيمان العميق، عند احرار الأمة العربية والإسلامية والعالم اجمع، بحتمية انتصار الحق  الفلسطيني على الباطل الاسرائيلي فقط، كما اشارت كلمات الافتتاح لهذا المؤتمر جميعها، وليس لأن هذا المؤتمر يبحث عن خطوات عملية وجادة لدعم القدس وصمود اَهلها فحسب، وإنما أيضا لتجلي حقيقة الصلابة الوطنية الفلسطينية، وتمسكها بثوابتها المبدأية بصورة لا لَبْس فيها، والتي عكستها على نحو بليغ وحاسم (اللا) الكبيرة الي اطلقها الرئيس الزعيم أبو مازن بوجه الادارة الاميركية، لمواجهة وإسقاط قرارها الباطل بإعلان القدس الفلسطينية العربية عاصمة لدولة الاحتلال، والتي أعاد التأكيد عليها وتشديدها مرة اخرى بكلمته امام مؤتمر الأزهر العالمي في جلسته الافتتاحية صباح أمس.

وفِي هذا المؤتمر الذي يعد اكبر تظاهرة تضامن عملياتية مع القدس، ضد قرار الرئيس الاميركي ترامب حيث تشارك في أعماله اكثر من ست وثمانين دولة وهيئة ومنظمة وشخصية، عربية واسلامية ودولية، في هذا المؤتمر ومع هذا الحشد اللافت، تكشفت وتتكشف اكثر وأكثر حقيقة ورطة القرار الاميركي الباطل وحماقته، وليس لأن مؤتمر الأزهر الشريف برعايته الرئاسية المصرية، سينهي هذا القرار بما سيعلن في خاتمة أعماله، وإنما لانه الذي يؤكد بكلمات اليقين الإيمانية التي لا تدع للشك مكانا، ان القدس حقا وفعلا وواقعا خط احمر ومن يتجاوزه لن يلقى غير المهانة والخسران طال الزمن أم قصر.

انها القدس ليست درة التاج الفلسطيني فحسب، ولا هي زهرة المدائن الفلسطينية فقط، وإنما هي كذلك روح الانسانية في تطلعاتها النبيلة؛ لأنها مدينة ايمان وقداسة ومحبة وسلام للعالم اجمع.

انها فصل الخطاب، وخطاب الفصل بين الحق والباطل، ولان هويتها الفلسطينية والعربية قضية كل المنصفين والعقلاء في العالم، كما جاء في كلمة فضيلة الامام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين احمد الطيب، الذي له- حقا- من اسمه نصيب وقد جاء بالعالم كله تقريبا، ليقول كلمة حق بشأن القدس وأهلها المرابطين.

الفلسطيني يقينا لا بد ان ينتصر وهذه بالنص كلمات رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، صاحب موقعة طرد ممثل اسرائيل من اجتماعات البرلمان الدولي، وعلى نحوها بعبارات اخرى تكرس هذا اليقين في كلمات البابا تواضرس الثاني، بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والأمين العام للجامعة العربية احمد ابو الغيط، ووزير الشؤون الاسلامية في المملكة العربية السعودية صالح بن عبد العزيز آلِ الشيخ، والامين العام لمجلس الكنائس العالمي اولاف فيكس تافيت، ورئيس البرلمان العربي مشعل بن فهم السلمي. وبالطبع كانت كلمة مصر كلها تجاور هذه الكلمات وتتماهى معها، وتقول عباراتها ذاتها بهذا المعنى وذاك، وهي تحتضن بمنتهى الدفء والمحبة وحسن الضيافة وكرمها، الحاضرين مؤتمر الأزهر الشريف وقد جاءوا من مختلف أنحاء العالم لتتأكد حقيقة القدس الجامعة، ونصرتها هو المحك  للعمل الصالح في الدنيا لثواب الدنيا والآخرة.

 الأزهر الشريف... هذا هو الدور وهذه هي المكانة الأيقونة، للمثال والعمل بوسطية الاسلام السمحة وحيث لا تقوى بغير الانتصار لقضايا الحق والعدل، وهي مازالت منذ اكثر من مائة سنة قضايا فلسطين بقدسها وشعبها وامتها العربية، بمسلميها ومسيحييها، وبمحبيها من احرار العالم وعقلائه.. الأزهر الشريف لك من القدس تحية محبة واحترام وتقدير، ودعوة زيارة لصلاة وزمن يتعاظم عربيا وإنسانيا حتى يوم خلاصها الاكيد من ظلم الاحتلال وظلامه، وإنه ليوم قريب بإذن الله تعالى.

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018