"مصطفى محمود أبو زيد"

عيسى عبد الحفيظ
فارقنا مؤخراً العقيد مصطفى أبو زيد "أبو سطيف" على اثر نوبة قلبية مفاجئة، وكان بيت الأجر مزدحماً يليق بهذا المناضل الذي قضى كل عمره في خنادق النضال. فمن عمان إلى دمشق إلى بيروت إلى الجزائر كانت رحلته مع الثورة، ومن معسكرات الأشبال عام 1968 وفي مخيم الوحدات حيث تلقى تدريباته التمهيدية ولم يكد يكمل الرابعة عشر من عمره.

تعرض لصلية رشاش 500 وكان مهدداً بالإصابة بالغرغرينا مما استدعى بتر يده من الكتف فبقي بيد واحدة حتى وافته المنية مؤخراً.

ولد في عمان في العاشر من شباط عام 1955 وفي مخيم الوحدات بعد أن اضطرت عائلته إلى ترك بيتها وأرزاقها في قرية دير طريف على إثر نكبة عام 1948 حيث مورست شتى انواع الترهيب والقتل لتهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين كما يعترف المؤرخ إيلان بابيه في كتابة الشهير "التطهير العرقي".

أظهر الفقيد مصطفى وعياً مبكراً لتحمل المسؤولية عندما شارك في إنشاء معسكر التجمع لشباب الثورة قرب العاصمة السورية في الغوطة الشرقية، ثم التحق بقواعد الثورة في الجولان وجنوب لبنان.

شارك في معارك الجبل في لبنان كمقاتل وكإداري في قوات أجنادين التي كانت بإمرة اللواء محمد جهاد وتولى مسؤولية التسليح واللوازم العامة والتموين، وهنا لا بد من الإشارة إلى سمعته ونظافة يده التي شهد له بها الجميع مما جعل كثيرا من القيادات تسعى لجعله يعمل معهم، فقد كانت تحت يده امكانيات هائلة من التسليح والذخيرة والملابس والتموين، وبقدر حرصه على الأمانة حاز على ثقة القيادة العسكرية.

يروي صديقه اللواء يونس العاص أنه في إحدى الليالي حدث انفجار ضخم في منطقة الفاكهاني استهدف عمارة تتكون من أكثر من عشرين طابقاً يتواجد فيها مكتب الشهيدين أبو العباس وطلعت يعقوب اللذين انشقا عن أحمد جبريل فخطط لتدميرهما مع العناصر التي تبعتهم، وكيف كان الفقيد مصطفى يتنقل وسط النيران لإنقاذ سكان المبنى الذين حوصروا بسبب الانفجار.

وصل إلى الجزائر ضمن قوات أجنادين التي انسحبت من بيروت بلباسها العسكري حاملة سلاحها وملوحة به للجماهير اللبنانية والفلسطينية التي خرجت لوداعها من بيروت، كانت قوات أجنادين تحت إمرة اللواء محمد جهاد ثم استلم قيادتها الشهيد زياد الأطرش الذي بقي كذلك حتى العودة إلى الوطن حيث استلم مهمته كضابط أعلى لجهاز الارتباط العسكري، الذي عمل الشهيد أبو سطيف تحت إمرته وبقي في الارتباط حتى عام 2008 العام الذي أحيل فيه إلى التقاعد في رام الله.

كنت التقيه كل صباح جمعة في سوق رام الله والبيرة وكالعادة يضع سترته على كتفه مدخلاً يداً في الكم ويتدلى الكم الآخر فارغاً معلناً ان اليد التي كان يجب أن تكون هنا قد سقطت في ساحة الشرف دفاعاً عن فلسطين التي لم يكن كحل أبو سطيف عينيه برؤيتها قبل توقيع اتفاقية أوسلو والعودة إلى الجزء المتاح لنا من الوطن على حد تعبير الشاعر الفقيد أحمد دحبور.

مصطفى أبو زيد الرجل الهادئ الودود القريب من القلب لا تلزمك إلا جلسة قصيرة معه حتى تكون صديقاً مقرباً. جاهز للمساعدة في كل وقت ولا يتردد في تبني قضية شخص لا يعرفه يعتقد أنها عادلة.

ترك مصطفى خلفه خمسة مواليد، ثلاثة أولاد وابنتين والجميع قريب الشبه به.

في بيت الأجر الذي التئم في مضافة أهالي دير طريف رأيت الملصق الذي يبدو أنه تمت طباعته على عجل الأمر الذي جعله يخلو من التنويه  بنعي حركة فتح التي قضى الشهيد أبو سطيف عمره فيها ومن أجلها بهدف الوصول إلى فلسطين.

لا بأس فالتاريخ النضالي لا ينحصر في ملصق فأمثال مصطفى أبو زيد علامات مميزة وشواهد على مسيرة ثورية طويلة ونضال شعب قارب على القرن، الذي لن يتوقف قبل تحقيق أهدافنا في الحرية والاستقلال والعودة، عندها وعندها فقط سيرتاح أبو سطيف تحت شجرة عليق في دير طريف لينز نسغها على تراب قبره هناك ليتذوق الشهيد حلاوته بعد هذا الغياب الطويل.

ha

التعليقات

اليقين الفلسطيني لا بد أن ينتصر

 كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

العنوان أعلاه هو ملخص خطاب اليقين الذي هيمن على اجواء مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس الذي يختتم أعماله اليوم في القاهرة، والسبب ليس هو الثقة المعرفية والإيمان العميق، عند احرار الأمة العربية والإسلامية والعالم اجمع، بحتمية انتصار الحق  الفلسطيني على الباطل الاسرائيلي فقط، كما اشارت كلمات الافتتاح لهذا المؤتمر جميعها، وليس لأن هذا المؤتمر يبحث عن خطوات عملية وجادة لدعم القدس وصمود اَهلها فحسب، وإنما أيضا لتجلي حقيقة الصلابة الوطنية الفلسطينية، وتمسكها بثوابتها المبدأية بصورة لا لَبْس فيها، والتي عكستها على نحو بليغ وحاسم (اللا) الكبيرة الي اطلقها الرئيس الزعيم أبو مازن بوجه الادارة الاميركية، لمواجهة وإسقاط قرارها الباطل بإعلان القدس الفلسطينية العربية عاصمة لدولة الاحتلال، والتي أعاد التأكيد عليها وتشديدها مرة اخرى بكلمته امام مؤتمر الأزهر العالمي في جلسته الافتتاحية صباح أمس.

وفِي هذا المؤتمر الذي يعد اكبر تظاهرة تضامن عملياتية مع القدس، ضد قرار الرئيس الاميركي ترامب حيث تشارك في أعماله اكثر من ست وثمانين دولة وهيئة ومنظمة وشخصية، عربية واسلامية ودولية، في هذا المؤتمر ومع هذا الحشد اللافت، تكشفت وتتكشف اكثر وأكثر حقيقة ورطة القرار الاميركي الباطل وحماقته، وليس لأن مؤتمر الأزهر الشريف برعايته الرئاسية المصرية، سينهي هذا القرار بما سيعلن في خاتمة أعماله، وإنما لانه الذي يؤكد بكلمات اليقين الإيمانية التي لا تدع للشك مكانا، ان القدس حقا وفعلا وواقعا خط احمر ومن يتجاوزه لن يلقى غير المهانة والخسران طال الزمن أم قصر.

انها القدس ليست درة التاج الفلسطيني فحسب، ولا هي زهرة المدائن الفلسطينية فقط، وإنما هي كذلك روح الانسانية في تطلعاتها النبيلة؛ لأنها مدينة ايمان وقداسة ومحبة وسلام للعالم اجمع.

انها فصل الخطاب، وخطاب الفصل بين الحق والباطل، ولان هويتها الفلسطينية والعربية قضية كل المنصفين والعقلاء في العالم، كما جاء في كلمة فضيلة الامام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين احمد الطيب، الذي له- حقا- من اسمه نصيب وقد جاء بالعالم كله تقريبا، ليقول كلمة حق بشأن القدس وأهلها المرابطين.

الفلسطيني يقينا لا بد ان ينتصر وهذه بالنص كلمات رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، صاحب موقعة طرد ممثل اسرائيل من اجتماعات البرلمان الدولي، وعلى نحوها بعبارات اخرى تكرس هذا اليقين في كلمات البابا تواضرس الثاني، بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والأمين العام للجامعة العربية احمد ابو الغيط، ووزير الشؤون الاسلامية في المملكة العربية السعودية صالح بن عبد العزيز آلِ الشيخ، والامين العام لمجلس الكنائس العالمي اولاف فيكس تافيت، ورئيس البرلمان العربي مشعل بن فهم السلمي. وبالطبع كانت كلمة مصر كلها تجاور هذه الكلمات وتتماهى معها، وتقول عباراتها ذاتها بهذا المعنى وذاك، وهي تحتضن بمنتهى الدفء والمحبة وحسن الضيافة وكرمها، الحاضرين مؤتمر الأزهر الشريف وقد جاءوا من مختلف أنحاء العالم لتتأكد حقيقة القدس الجامعة، ونصرتها هو المحك  للعمل الصالح في الدنيا لثواب الدنيا والآخرة.

 الأزهر الشريف... هذا هو الدور وهذه هي المكانة الأيقونة، للمثال والعمل بوسطية الاسلام السمحة وحيث لا تقوى بغير الانتصار لقضايا الحق والعدل، وهي مازالت منذ اكثر من مائة سنة قضايا فلسطين بقدسها وشعبها وامتها العربية، بمسلميها ومسيحييها، وبمحبيها من احرار العالم وعقلائه.. الأزهر الشريف لك من القدس تحية محبة واحترام وتقدير، ودعوة زيارة لصلاة وزمن يتعاظم عربيا وإنسانيا حتى يوم خلاصها الاكيد من ظلم الاحتلال وظلامه، وإنه ليوم قريب بإذن الله تعالى.

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018