مصنع التلباني بغزة.. صمود رغم الحروب والحصار

محمد أبو فياض

سجلت السنوات العشر المُنصرمة، وهي سنوات الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، بأنها الأصعب في حياة رجل الأعمال محمد التلباني المهنيّة.

ورصدت معاناة هذه السنين من خلال قصّة مصنعه الخاص بصناعة الحلويات والبوظة في ظل الإغلاق الإسرائيلي، الحروب والتقييدات الصارمة المفروضة على تنقّل الفلسطينيين، والتي تم عرضها خلال فيلم قصير حول الطموحات والعوائق التي تعترض طريقها.

سرد الفيلم وهو كرتوني قصير، حمل عنوان "مملكة الحلويات في غزة"، وهو من انتاج جمعية "چيشاه– مسلك"، (مركز للدفاع عن حريّة التنقل– هي مؤسسة حقوق إنسان إسرائيلية)، المعاناة إثر الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة.

وفي مركز الفيلم تقف نور، البالغة من العمر عشرة أعوام من قطاع غزة، التي تحظى بفرصة نادرة لجولة في مصنع الحلويات الساحر، برفقة صاحب المصنع محمد التلباني، وتُفاجأ نور عندما تعلم أن التلباني قرر إهداءها المصنع، لكن فرحتها تتلاشى خلال الجولة في المملكة، عندما تدرك مدى الجهود الجبارة المطلوبة للتغلب على التقييدات التي تفرضها إسرائيل على حرية الحركة والتنقل لسكان القطاع، ومن ضمنهم مبادرون منتجون مثل التلباني، مع ذلك، الطفلة وصاحب المصنع مصممان ألا يفقدا الأمل وأن يحافظا على الحلم بمستقبل جميل.

والمتتبع لأحداث الفيلم، يلمس أن الطفلة نور، شخصية الفيلم المُصوَّر، هي شخصية خيالية، لكن محمد التلباني، صاحب مصنع الحلويات، هو شخصية حقيقية تمامًا، وهو صناعي رائد في الاقتصاد الفلسطيني. تنعكس في تاريخ حياته الأحداث التي بَلورَت شكل هذه المنطقة خلال العقود السبعة الماضية.

ولد التلباني في العام 1952 في مخيم المغازي للاجئين في قطاع غزة، وهو ابن لعائلة تنحدر من المنطقة التي بُنيت على أراضيها اليوم مستوطنة نتيـ?ـوت. وكانا والداه قد وصلا إلى غزّة لاجئان في العام 1948. وبعد الحرب عام 1967، وفتح الحدود مع إسرائيل في سنوات السبعينيات، خرج التلباني، حاله كحال عشرات آلاف الشبان من غزّة للعمل في إسرائيل. في العام 1977 استخدم توفيرات جمعها من عمله كعامل بناء، ولاحقًا كمُقاول، لكي يُنشئ مَعملًا منزليًا للحلويات، لم يكن ينتج آنذاك أكثر من بضعة صواني وصحون مليئة بالسكاكر، قاموا بتغليفها وبيعها للحوانيت في غزّة.

ووفق الفيلم فإنه في العام 1980 نجح في شراء بضعة آلات قديمة من إسرائيل، وفتح مصنعا كاملا في مدينة دير البلح. وبدأ بإنتاج البسكويت من نوع البافلا، والسكاكر، ولاحقا حلوى "رأس العبد"، ونقارش البامبا، ومنتجات أخرى.

وفي العام 2000، اشترى التلباني مصنع مُثلَّجات وبدأ بإنتاج البوظة والمثلجات. وفي ذروة فترة انتاجيته قام المصنع بتشغيل 400 عامل، وكان يبيع 60% من منتجاته في الضفة الغربية و5% منها في إسرائيل.

بتاريخ 30 أيار 2007، غادرت الشاحنة الأخيرة من مصنع العودة في قطاع غزة إلى الضفة الغربية. ومنذ ذلك الحين أحكمَت إسرائيل إغلاقها على غزة، وفي حزيران من ذلك العام، وردًا على سيطرة حركة "حماس" على القطاع، تم ايقاف تسويق البضائع من غزة في أسواق الضفة الغربية وإسرائيل. ولا تزال إسرائيل حتى اليوم، تحظر بيع الأطعمة المُصنَّعة من غزّة في كل من الضفة الغربية وإسرائيل.

وعمليًا، وفق تقرير الجمعية الإسرائيلية الخاص بالفيلم، في الفترات ما بين الأعوام 2007 و2014 خرجت شاحنتان فقط تحملان بضائعًا من قطاع غزّة إلى الضفة الغربية.

وأدى الإغلاق الإسرائيلي على قطاع غزة إلى إحباط طموح التلباني، إلا أن هذا الإغلاق لم يفلح في قمعه تمامًا. ففي حزيران 2014 على سبيل المثال، قام بتصدير شحنة من البسكويت الى ايطاليا لكي يتعلم كيف يمكنه تشغيل آلة تغليف اشتراها لمصنعه. كان من الأسهل بالنسبة له أن يقوم بتصدير إرسالية عبثية إلى دول الخارج من أن يحصل على تصريح إسرائيليّ لإدخال اختصاصي إيطالي لكي يقوم بإرشاده في غزّة.

في أواخر شهر تموز 2014، وفي أوج العملية العسكرية "الجرف الصامد" تم قصف مصنع التلباني بشكل مباشر. وبسبب النقص في المياه، كان من الصعب إطفاء النيران جرّاء القصف، ونتيجة لذلك، استمر المصنع بالاحتراق على مدار يومين. ليس هذا فقط، انما وبسبب التقييدات الإسرائيلية بشكل عام على نقل البضائع في معبر كرم أبو سالم، فقد كان التلباني يقوم بشراء المواد الخام لستة أشهر مُسبقًا وتخزينها في المصنع، وبهذا، التهمت ألسنة اللهب محتويات المخازن كلها في المصنع. احترقت الماكينات وآلاف الليترات من الوقود المخصص للمولّدات التي تخدم المصنع أثناء فترات انقطاع الكهرباء.

اليوم، وهو في سن الخامسة والستين، لا يزال التلباني يجتهد لكي يتطور ويجدد، في مجال المنتجات وفي طرق الإنتاج، وفي تطوير أسواق جديدة. في هذه الأيام بادرَ لإقامة مصنع جديد في الخليل، سيتيح له العودة للتسويق في الضفة الغربية كفرصة وحيدة أمامه من أجل العودة إلى الأسواق في الشطر الثاني من الوطن.

ويقول: إن هذا الاستثمار العظيم يثير القلق: "ماذا سيحصل بحال قامت إسرائيل بمصادرة تصريحي بالخروج من غزة؟ كيف سأقوم حينها بإدارة المصنع الجديد؟".

وكحال شبيهه المرسوم في الفيلم، فإن التلباني لا ينوي التنازل أبدًا. "أنا لا أحب الدماء، ولا أحب الحروب، أنا أحب البناء"، يكرر محمد التلباني ويقول بلغة عبرية مُتقَنة.

أطفالا مثل شخصية نور في الفيلم، وأشباهها الحقيقيين في الواقع، يستحقون مستقبلا آخر مختلفًا عما هو متاح أمامهم اليوم.

ويؤكد انه بعد خمسين عاما من الاحتلال الاسرائيلي، وعشرة أعوام من الإغلاق، ما من لحظة أفضل من هذه الراهنة لتغيير كل هذا الوضع.

وجاء في تقرير الجمعية الاسرائيلية: يعيش 2 مليون إنسان، منهم فتيات طموحات، مثل الطفلة نور، ورجال أعمال أصحاب عزيمة ومبادرة، مثل محمد التلباني. وبعد أكثر من عشرة أعوام فشل خلالها الإغلاق الإسرائيلي بتحقيق الأهداف المعلنة من ورائه، لكنه نجح بتعطيل الاقتصاد الفلسطيني.

وتابعت الجمعية: بعد 50 سنة من الاحتلال وعشرة أعوام من الإغلاق، حان الوقت لإزالة الحواجز بين سكان قطاع غزة، الكبار منهم والصغار، وبين أحلامهم.

وحسب التقرير فإن غالبية سكان غزة لا يستطيعون الخروج منها أبدًا. فإسرائيل لا تسمح لغزة بإقامة مطار أو ميناء بحري. السفر من غزة إلى الخارج بهدف التعلم، التجارة، المشاركة في دورات مهنيّة أو لم شمل العائلة، يتطلب الحصول على تصريح اسرائيلي ويستضم بمنظومة تصاريح تعسفية ومشددة.

وبين أن شبكة الكهرباء في غزة مهترئة منذ سنوات، وأن نسبة عالية من المجتمع في غزة هم شباب صغار: 42 بالمائة من سكان القطاع هم أطفال تقل أعمارهم عن سن 15 عامًا. ومن ضمن هؤلاء الشباب هنالك أعداد لا تحصى، حالهم كحال شخصية نور الخيالية: أطفال طموحين وأصحاب خيال واسع. هؤلاء قادرون على بناء مستقبل مختلف تمامًا لغزة وللمنطقة بأسرها، في حال تطبيق سياسة تتيح لهم الازدهار.

وأكد التقرير أن قصة الضرر المباشر الذي أصاب المصنع هي قصة حقيقية تماما.

ـ

ha

التعليقات

الحكمة ضالة المؤمن

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
على نحو بالغ الوضوح أعاد الرئيس أبو مازن للحكمة، دورها في السياسة، لكي تنجو هذه الأخيرة من تشنجاتها، وانفعالاتها، وتعجلها المراهق، ورغباتها التجريبية التي غالبا ما تكون مدمرة، وبوسع أية قراءة موضوعية لحراك الرئيس أبو مازن في ساحات العمل السياسي والدبلوماسي العربية والدولية، ان تكتشف انحيازه التام للحكمة وتمسكه بها في التعامل مع مختلف القضايا الوطنية والاقليمة والدولية، ومن ذلك مثلا رفضه للخطابات الاستهلاكية، ورفضه التعاطي مع الشعارات البلاغية وأوهامها، واصراره على مخاطبة الشعب وفصائله وقواه السياسية بصراحة ووضوح تجاه مختلف شؤون القضية الوطنية، وسبل مواجهة الاحتلال.

وبسياسة الرئيس أبو مازن بات مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، لأي دولة في العالم وخاصة الدول العربية الشقيقة بالغ الوضوح والمصداقية، وقد سجل موقفا تجاه الصراع في سوريا، بترجمة واقعية وعملية لمبدأ عدم التدخل، وما زال هذا الموقف يحظى باحترام فرقاء الصراع على المستويات كافة، والواقع ان هذا الموقف لم يستهدف سلامة المخيمات الفلسطينية في سوريا فحسب، ولا من أجل تكريس وتأكيد الموقف الوطني الفلسطيني بعدم التدخل في الشؤون الداخلية فقط، وانما أيضا من أجل عدم توسيع مساحة الصراع، وتأكيد احترام السياسة الفلسطينية، لمبدأ الحوار في حل صراعات البلد الواحد، ولا شك وحيثما كانت هناك المخيمات الفلسطينية (خاصة في لبنان اليوم) وحيثما كانت هناك احتمالات الصراع المحلية، فان هذا الموقف المبدئي لن يعرف تبدلا ولا تراجعا ولا مساومة، ولا بأي شكل من الأشكال. 

ولعلنا أيضا نشير هنا الى الخبر الرسمي الذي اعلنه الاعلام السعودي أمس الاول، ان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، اطلع مجلس الوزراء السعودي على نتائج مباحثاته مع الرئيس أبو مازن، التي تناولت مستجدات الأوضاع على الساحة الفلسطينية، ونشير الى هذا الخبر لنؤكد ان  معظم ما قيل عن زيارة الرئيس أبو مازن، ومباحثاته في السعودية، في بعض وسائل الاعلام العربية والأجنبية، لا أساس له من الصحة، ولا يعدو كونه محض فبركات وشائعات لا تريد غير توريط الموقف الفلسطيني في صراعات بالمحصلة، لا ناقة له فيها ولا جمل، وأكثر من ذلك لا تريد لفلسطين ان تكون عاصمة عربية محورية، لبحث شؤون الأمة والسعي لخلاصها من أزماتها الراهنة واطماع التدخلات الأجنبية، وخاصة الايرانية التي تبدو اليوم بالغة الوضوح والوقاحة، وكذلك فان الشائعات والفبركات استهدفت التشكيك بموقف المملكة العربية السعودية، تجاه فلسطين وقضيتها، وهو الموقف الذي لا يقبل  التبدل أو التراجع، ولا بأي حال من الأحوال.   

بسياسة الحكمة، وبحكمة السياسة، يمضي الرئيس أبو مازن في معالجة مختلف قضايا الشأن الوطني والعربي، ولهذا فلسطين تؤكد حضورها في كل مكان عاصمة مركزية، والعاصمة المركزية، مكانها بروح المكانة الفلسطينية، وبروح تجربتها وخبرتها النضالية والسياسية، وبروح تضحياتها العظيمة، مكانة ومكان في الجغرافيا والتاريخ، وفي الواقع والتطلع، من أجل المزيد من التشاور والتنسيق والعمل العربي المشترك، لما فيه صلاح الأمة، وخير مستقبلها. انها الحكمة التي هي ضالة المؤمن وقد تلقفها الرئيس أبو مازن بمنتهى الوضوح والقوة. 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017