وعد بلفور.. 100 عام على التزييف

يامن نوباني.... صدرت في الأسابيع الأخيرة دعوات وطنية غاضبة ومناهضة للذكرى المئوية لوعد بلفور المشؤوم، التي تصادف الثاني من تشرين الثاني المقبل، في كافة المحافظات الفلسطينية، ومخيمات الشتات، وتنظيم مسيرات، ووقفات أمام السفارات الفلسطينية في دول العالم، وذلك تماشيا مع دعوات سياسية وقانونية، طالبت بريطانيا بالاعتذار من الشعب الفلسطيني على وعدها المشؤوم لصالح اليهود. كما شددت الدعوات على المشاركة بثقل في كافة الفعاليات الوطنية، من أجل الضغط على حكومة بريطانيا، وتعديل مسارها تجاه القضية الفلسطينية، من خلال الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران لعام 1967، وعاصمتها القدس. وشهدت الآونة الأخيرة تصاعدا في عقد الندوات السياسية التي ناقشت وعد بلفور في الوطن، والخارج، في محاولة للفت نظر العالم الصامت على الجريمة الممتدة منذ 100 عام، وإبراز الدور الواضح للانتداب البريطاني في تهجير الشعب الفلسطيني، عبر منحه وعدا غير قانوني، ولا يحق له اصداره. يقول الباحث المقدسي في التاريخ السياسي أحمد غنيم: رسالة قصيرة من حوالي مئة كلمة، كان لها تأثير كبير ومصيري في تاريخ المنطقة العربية بشكل عام، وفلسطين بشكل خاص، أدت إلى تغييرات هائلة في الجغرافية السياسية، وفي التكوين الاجتماعي ليس في فلسطين فقط، بل في العديد من الدول المحيطة، وأنتجت واحدة من أعظم مآسي القرن العشرين، ساهمت في تشريد مئات آلاف الفلسطينيين من وطنهم وألقت بهم إلى حياة اللجوء، وما زال ملايين الفلسطينيين يعانون البؤس والحرمان، ومواجهة الموت في مخيمات اللجوء، على خلفية استمرار الصراع الذي أنتجته الرسالة. ويرى غنيم أنه لم يكن لوعد بلفور لحظة صدوره أي قيمة قانونية، فهو عبارة عن تصريح فردي، موجه إلى شخص لا يتمتع بصفة التعاقد الدولي، إضافة إلى مخالفته للقواعد الآمرة في القانون الدولي ومعايير اعتماد المعاهدات الدولية. عملت بريطانيا على "تغليف" الوعد بالقيمة القانونية خلال مؤتمر باريس 1919 بعد إقرار صك الانتداب الذي نص على تنفيذه، وأقرته عصبة الأمم. وتابعت بريطانيا تعزيز قيمته القانونية خاصة في معاهدتي سيفر وسان ريمو، غير أن تغييرات محدودة في ظروف الحرب مع الدولة العثمانية، وصعود القوميين الأتراك إلى الحكم في تركيا، أجبر الحلفاء على إعادة المفاوضات معهم، وتغيير بعض المواد المجحفة بحق تركيا في معاهدة سيفر خاصة، واستبدالها بالمادة رقم (16) من معاهدة لوزان، ما أفقد وعد بلفور القيمة القانونية التي اكتسبها من خلال مصادقة عصبة الأمم على صك الانتداب. وظلت أهلية عصبة الأمم في المصادقة على ذلك الصك وعلى وعد بلفور محل شك وجدل قانوني، حيث اعتبر معظم فقهاء القانون الدولي مقررات مؤتمر باريس كلها، بما فيها قرار تأسيس عصبة الأمم نفسها وميثاقها، ليس أكثر من معاهدة دولية ملزمة لأطرافها، ولا يترتب عليها أي إلزام لأطراف دولية أخرى. ويوضح عضو حزب التجمع في الداخل، خالد عنبتاوي: رزحت فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى للانتداب البريطاني، حيث دخل اليها الجنرال ادموند اللنبي في كانون الأول 1917، كان عدد اليهود الذين سكنوا فلسطين في بداية الاحتلال البريطاني للبلاد نحو خمسين ألفا (أقل من عُشر السكان)، يمكن عنونة توجهات الحركة الصهيونية بعد وعد بلفور والانتداب البريطاني على فلسطين بمرحلة مأسسة القانون قانونيا –فعليا على الأرض-. ويضيف عنبتاوي: كانت حقبة هربرت صموئيل التي لا يستقيم فصلها عن وعد بلفور، وما خلفه وما كشفه، كانت المرحلة المؤسسة الرئيسية للدولة العبرية لتشكيل البنية الفوقية– القانونية كدفيئة لتشكيل البنية التحتية المؤسساتية الصهيونية، أي خلق اسرائيل قانونيا كما يصفها الباحث سلمان أبو ستة. في هذه الحقبة أصدرت سلطات الانتداب حوالي مائة تشريع تمكن من تسريب الأراضي من العرب إلى اليهود، اضافة إلى إنشاء نظام تعليم منفصل عن اليهود، ونواة لوزارة طاقة ووزارة اشغال ووزارة مياه، كما سمح لليهود بتشكيل جيش منفصل. ولم تدعم بريطانيا إلا المؤسسات العبرية اليهودية، ولم تدعم حكومة الانتداب البريطاني بناء مؤسسات فلسطينية في حين دعمت بناء المؤسسة الصهيونية، وحرصت ألا تقيم مؤسسات تمثيلية منتخبة في البلاد، وذلك خوفا من تأثير العامل الديمغرافي، الذي لم يكن يتلاءم مع مصالحها، كون الأغلبية السكانية هي عربية فلسطينية..... نص رسالة آرثر بلفور إلى ليونيل روتشيلد..... وزارة الخارجية/ الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1917 يسرني جدا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي: الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته: إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى، وسأكون ممتنا إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علما بهذا التصريح..... المخلص آرثر بلفور..... وبحسب مقال حمل عنوان "القوة الحقيقية الدافعة لإصدار وعد بلفور" للمؤرخ اليهودي وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة أكسفورد آفي شلايم، بتاريخ 2017-8-28، يقول شلايم: كان إعلان وعد بلفور، الذي صدر في الثاني من تشرين الثاني 1917، وثيقة قصيرة غيرت مجرى التاريخ. ألزمت الوثيقة الحكومة البريطانية بتأييد إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، شريطة ألا يؤتى بشيء من الأفعال التي قد تؤدي إلى "الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين". ويضيف: حينها، كان اليهود يشكلون 10 بالمئة من سكان فلسطين: ستون ألف يهودي مقابل ما يزيد قليلا على ستمئة ألف عربي. ومع ذلك اختارت بريطانيا الاعتراف بحق تقرير المصير الوطني للأقلية الصغيرة، وإنكار ذلك الحق للأغلبية التي لا جدال فيها. وكما قال الكاتب اليهودي، آرثر كوستلر: لدينا هنا شعب يعد شعبا آخر أرض شعب ثالث. إلا أن الدراسات العلمية التي أنجزت لاحقا ترى أن المحفز الرئيسي لإصدار الإعلان كان حسابات ماكرة، تتعلق بالمصالح الإمبريالية البريطانية. ساد الاعتقاد حينها، وثبت أنه اعتقاد خاطئ فيما بعد، بأن مصالح بريطانيا يمكن أن تخدم على أحسن وجه من خلال التحالف مع الحركة الصهيونية في فلسطين. كانت فلسطين تتحكم بخطوط اتصال الإمبراطورية البريطانية مع الشرق الأقصى، وكانت فرنسا -حليف بريطانيا الرئيسي في الحرب ضد ألمانيا- تنافس بريطانيا هي الأخرى، في السعي لبسط النفوذ على فلسطين. وكان البلدان أقدما بموجب اتفاقية سايكس- بيكو، التي أبرمت في العام 1916، على تقسيم الشرق الأوسط إلى مناطق نفوذ بينهما، لكنهما توافقا على وضع فلسطين تحت إدارة دولية. وكان البريطانيون يأملون من خلال مساعدة الصهاينة في الاستيلاء على فلسطين في أنهم سيتمكنون من ضمان وجود مهيمن لهم في المنطقة ينجم عنه إقصاء الفرنسيين. ولذلك أطلق الفرنسيون على البريطانيين عبارة "الإنجليز الغادرون"، وكان إعلان بلفور هو المثال الأول لهذا الغدر الذي لم يتوقف. وبحسب شلايم: إلا أن ضحايا بلفور الرئيسيين لم يكونوا الفرنسيين، إنما عرب فلسطين. كان الإعلان وثيقة استعمارية أوروبية تقليدية نسجها معا مجموعة صغيرة من الرجال تهيمن على عقولهم الذهنية الاستعمارية، وصيغت بأسلوب تجاهل تماما الحقوق السياسية للأغلبية العظمى من السكان الأصليين. لم يبذل وزير الخارجية البريطاني، آرثر بلفور، أدنى جهد لإخفاء ازدرائه للعرب. فقد كتب في العام 1922 يقول: "الصهيونية، سواء أكانت صوابا أم خطأ، حسنة أم سيئة، تعود في جذورها إلى تقاليد موغلة في القدم، وتمثل احتياجات الحاضر وآمال المستقبل لما هو أعمق وأهم بكثير من رغبات وتحيزات سبعمئة ألف عربي يقطنون الآن تلك الأرض العتيقة." لا يمكنك أن تجد تفسيرا أبلغ لذلك مما عبر عنه إدوارد سعيد بعبارة "المعرفية الأخلاقية للإمبريالية". كان بلفور أرستقراطيا إنجليزيا ضعيف الهمة واهن العزم، وكانت القوة الحقيقية الدافعة وراء إصدار الإعلان تتمثل ليس في شخص بلفور، إنما في شخص دافيد لويد جورج، المتطرف الويلزي والخطيب الناري المفوه، الذي كان حينها يترأس الحكومة البريطانية. كان لويد جورج في مجال السياسة الخارجية بريطانيا امبرياليا من النمط التقليدي والقديم، وكان مغرما بالاستيلاء على أراضي الغير. ومع ذلك، لم يكن دعمه للصهيونية منطلقا من تقدير سليم للمصالح البريطانية، إنما من جهل مدقع: كان معجبا باليهود ولكنه كان يخشاهم، ولم يدرك في حينه أن الصهاينة لم يكونوا سوى شرذمة قليلة ضمن أقلية صغيرة. وكان من خلال تحالفه مع الحركة الصهيونية ينطلق من وجهة نظر خاطئة، ومعادية للسامية في الوقت ذاته، مفادها بأن اليهود كانوا في منتهى النفوذ والهيمنة وأنهم كانوا القوة التي تدير عجلة التاريخ. بينما في واقع الأمر، كان اليهود في وضع بائس، لا حول لهم ولا قوة، ولا يملكون من النفوذ إلا ما حاكته أساطير تحدثت عن سلطان خفي نسب إليهم أو نسبوا إليه زورا وبهتانا. باختصار، كان الدعم البريطاني للصهيونية في زمن الحرب العالمية الأولى ينبع من سلوك استعماري مستكبر تجاه العرب، ومن انطباع خاطئ عن اليهود يرى أنهم باتوا قوة عالمية. وتحت عنوان "واجب مزدوج" كتب شلايم: ضاعفت بريطانيا من خطيئتها الأولى عندما بادرت إلى دمج بنود إعلان بلفور في وثيقة الانتداب على فلسطين، والتي صدرت عن عصبة الأمم في ذلك الوقت. فما كان مجرد وعد من قوة عظمى إلى حليف صغير أصبح الآن وثيقة دولية ملزمة من الناحية القانونية. ولنكون أكثر دقة، يمكننا القول بأن بريطانيا بوصفها القوة المنتدبة بالوصاية على فلسطين حملت على كاهلها التزاما مزدوجا: مساعدة اليهود في إقامة وطن قومي في كل فلسطين التاريخية، وفي نفس الوقت حماية الحقوق المدنية والدينية للعرب. أنجزت بريطانيا الالتزام الأول، ولكنها أخفقت في الوفاء في الالتزام الثاني رغم تفاهته وانعدام قيمته. لا يمكن لأحد أن يجادل بأن بريطانيا مذنبة بممارسة النفاق، والازدواجية، والخداع. إلا أن السؤال الذي ينبغي أن يطرح الآن، هو: هل عادت هذه السياسة اللاأخلاقية على بريطانيا بمكاسب حقيقية؟ إجابتي القطعية على هذا السؤال هي: لا لم تعد عليها بشيء مفيد على الإطلاق. لقد كان إعلان بلفور عبئا كبيرا أثقل كاهل بريطانيا منذ أن بدأ الانتداب وإلى أن وصل إلى نهايته المخزية في أيار من العام 1948. ظل الصهاينة يدعون بأن كل ما فعلته لهم بريطانيا خلال فترة الحرب لم يرق إلى ما ورد في الوعد الأصلي الذي قطعته على نفسها لهم. وزعموا كذلك بأن الإعلان كان يقتضي دعم قيام دولة يهودية مستقلة. رد على ذلك المسؤولون البريطانيون بالقول إنهم "إنما وعدوا اليهود وطنا قوميا فقط، وان الوطن والدولة ليسا شيئا واحدا. كسبت بريطانيا في تلك الأثناء ليس فقط عداوة الفلسطينيين بل وعداوة ملايين العرب والمسلمين حول العالم". في كتابها القيم "لحظة بريطانيا في الشرق الأوسط"Britain's Moment in the Middle East" ، قدمت إليزابيث مونرو حكما متوازنا حول ما جرى، إذ تقول: "إذا أردنا أن نقيس ما جرى فقط من خلال المصالح البريطانية، فقد كانت تلك من أفدح الأخطاء التي ارتكبناها في تاريخنا الإمبريالي." يمكن للمرء من خلال الإدراك المتأخر أن يخلص إلى أن إعلان بلفور كان في الواقع سقطة استراتيجية هائلة. كانت ثمرته النهائية هي تمكين الصهاينة من الاستيلاء على فلسطين، وهو استيلاء ما زال حتى يومنا هذا يأخذ شكل توسع استيطاني غير قانوني، ولا يعرف الشفقة في كل أنحاء الضفة الغربية على حساب الفلسطينيين..... الذهنية المتجذرة.... آخذا بالاعتبار ذلك السجل التاريخي، قد يتوقع المرء أن يجد القادة البريطانيين يطأطئون رؤوسهم خجلا وشعورا بالذنب، وأن يلمس منهم النأي بأنفسهم عن الإرث البغيض لذلك الماضي الاستعماري. إلا أن آخر ثلاثة رؤساء وزراء من الحزبين السياسيين الرئيسين –طوني بلير، وغوردون براون، ودافيد كاميرون– كلهم عبروا عن تأييدهم الشديد لإسرائيل، وتجاهلهم التام للحقوق الفلسطينية. أما رئيسة الوزراء الحالية تيريزا ماي، فهي أكثر الزعماء في أوروبا تأييدا لإسرائيل وحماسة لها. ففي خطاب ألقته في كانون الأول أمام جمعية أصدقاء إسرائيل في حزب المحافظين، والتي ينتسب إليها ما يزيد عن ثمانين بالمئة من نواب حزب المحافظين وكافة أعضاء الوزارة، أشادت بإسرائيل واصفة إياها بـ"البلد الرائع"، وبأنها "منارة للتسامح". وفيما يتعلق بإعلان بلفور، راحت تفرك الملح في جروح الفلسطينيين واصفة إياه بأنه "واحد من أهم الخطابات التي كتبت في التاريخ"، ووعدت بأن تنظم احتفالا بمناسبة ذكراه المئوية. وكان 13637 شخصا –بمن فيهم كاتب هذا المقال– قد وقعوا على عريضة تطالب الحكومة بالاعتذار عن وعد بلفور، فردت الحكومة عليهم بالتصريح التالي: "إن إعلان بلفور بيان تاريخي لا تنوي حكومة صاحبة الجلالة الاعتذار عنه، بل نحن فخورون بالدور الذي لعبناه في إقامة دولة إسرائيل. كان الإعلان قد حرر في عالم يشهد تنافسا بين القوى الإمبريالية، في أوج الحرب العالمية الأولى، وفي ساعة أفول شمس الإمبراطورية العثمانية". في مثل هذا السياق، كان تأسيس وطن للشعب اليهودي في الأرض التي ربطتهم بها أواصر تاريخية ودينية قوية هو الإجراء الصائب والأخلاقي، خاصة إذا ما أخذنا بالاعتبار ما عانوه لقرون من اضطهاد. لقد وقعت كثير من الأحداث منذ العام 1917، ونحن ندرك بأنه كان ينبغي على الإعلان أن يطالب بحماية الحقوق السياسية للمجتمعات غير اليهودية في فلسطين، خاصة فيما يتعلق بحقها في تقرير المصير. إلا أن ما هو مهم الآن هو التطلع إلى الأمام وتوفير الأمن والعدل للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء من خلال تحقيق السلام الدائم. من الواضح، وبالرغم من مرور قرن من الزمن، أن الذهنية الاستعمارية للنخبة السياسية البريطانية ما زالت متجذرة بعمق. إذ ما زال الزعماء البريطانيون المعاصرون، مثلهم في ذلك مثل أسلافهم في زمن الحرب العالمية الأولى، يشيرون إلى العرب على أنهم "المجتمعات غير اليهودية في فلسطين". وختم شلايم مقاله: صحيح أن الحكومة تقر بأنه كان يتوجب على الإعلان حماية الحقوق السياسية للعرب في فلسطين، لكنها تخفق في الاعتراف بأن إسرائيل مستمرة بكبر، وغطرسة، في إنكار حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم الوطني، كما تخفق في الاعتراف بتواطؤ بريطانيا نفسها في بقاء هذه الحالة من الإنكار. ومثلهم في ذلك مثل ملوك البوربون في فرنسا، يبدو أن حكام بريطانيا لم يتعلموا شيئا، ولم ينسوا شيئا طوال المئة عام الماضية. _
ha

التعليقات

الحكمة ضالة المؤمن

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
على نحو بالغ الوضوح أعاد الرئيس أبو مازن للحكمة، دورها في السياسة، لكي تنجو هذه الأخيرة من تشنجاتها، وانفعالاتها، وتعجلها المراهق، ورغباتها التجريبية التي غالبا ما تكون مدمرة، وبوسع أية قراءة موضوعية لحراك الرئيس أبو مازن في ساحات العمل السياسي والدبلوماسي العربية والدولية، ان تكتشف انحيازه التام للحكمة وتمسكه بها في التعامل مع مختلف القضايا الوطنية والاقليمة والدولية، ومن ذلك مثلا رفضه للخطابات الاستهلاكية، ورفضه التعاطي مع الشعارات البلاغية وأوهامها، واصراره على مخاطبة الشعب وفصائله وقواه السياسية بصراحة ووضوح تجاه مختلف شؤون القضية الوطنية، وسبل مواجهة الاحتلال.

وبسياسة الرئيس أبو مازن بات مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، لأي دولة في العالم وخاصة الدول العربية الشقيقة بالغ الوضوح والمصداقية، وقد سجل موقفا تجاه الصراع في سوريا، بترجمة واقعية وعملية لمبدأ عدم التدخل، وما زال هذا الموقف يحظى باحترام فرقاء الصراع على المستويات كافة، والواقع ان هذا الموقف لم يستهدف سلامة المخيمات الفلسطينية في سوريا فحسب، ولا من أجل تكريس وتأكيد الموقف الوطني الفلسطيني بعدم التدخل في الشؤون الداخلية فقط، وانما أيضا من أجل عدم توسيع مساحة الصراع، وتأكيد احترام السياسة الفلسطينية، لمبدأ الحوار في حل صراعات البلد الواحد، ولا شك وحيثما كانت هناك المخيمات الفلسطينية (خاصة في لبنان اليوم) وحيثما كانت هناك احتمالات الصراع المحلية، فان هذا الموقف المبدئي لن يعرف تبدلا ولا تراجعا ولا مساومة، ولا بأي شكل من الأشكال. 

ولعلنا أيضا نشير هنا الى الخبر الرسمي الذي اعلنه الاعلام السعودي أمس الاول، ان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، اطلع مجلس الوزراء السعودي على نتائج مباحثاته مع الرئيس أبو مازن، التي تناولت مستجدات الأوضاع على الساحة الفلسطينية، ونشير الى هذا الخبر لنؤكد ان  معظم ما قيل عن زيارة الرئيس أبو مازن، ومباحثاته في السعودية، في بعض وسائل الاعلام العربية والأجنبية، لا أساس له من الصحة، ولا يعدو كونه محض فبركات وشائعات لا تريد غير توريط الموقف الفلسطيني في صراعات بالمحصلة، لا ناقة له فيها ولا جمل، وأكثر من ذلك لا تريد لفلسطين ان تكون عاصمة عربية محورية، لبحث شؤون الأمة والسعي لخلاصها من أزماتها الراهنة واطماع التدخلات الأجنبية، وخاصة الايرانية التي تبدو اليوم بالغة الوضوح والوقاحة، وكذلك فان الشائعات والفبركات استهدفت التشكيك بموقف المملكة العربية السعودية، تجاه فلسطين وقضيتها، وهو الموقف الذي لا يقبل  التبدل أو التراجع، ولا بأي حال من الأحوال.   

بسياسة الحكمة، وبحكمة السياسة، يمضي الرئيس أبو مازن في معالجة مختلف قضايا الشأن الوطني والعربي، ولهذا فلسطين تؤكد حضورها في كل مكان عاصمة مركزية، والعاصمة المركزية، مكانها بروح المكانة الفلسطينية، وبروح تجربتها وخبرتها النضالية والسياسية، وبروح تضحياتها العظيمة، مكانة ومكان في الجغرافيا والتاريخ، وفي الواقع والتطلع، من أجل المزيد من التشاور والتنسيق والعمل العربي المشترك، لما فيه صلاح الأمة، وخير مستقبلها. انها الحكمة التي هي ضالة المؤمن وقد تلقفها الرئيس أبو مازن بمنتهى الوضوح والقوة. 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017