أربعون عاما في نسخ التوراة

جميل ضبابات قد يكون واحدا من أثقل الكتب التي تعرض للملأ فوق واحد من قمم جبال نابلس العالية شمال الضفة الغربية. لكن الكتاب الذي يحفظ بين دفتيه كل "ما يريد الإنسان من الحياة" كما يقول ناسخه، وهو واحد من قلة على مستوى العالم ما زالوا ينسخون الكتب بأيديهم، ليس إلا نسخة من نسخ عديدة للتوراة نسخها راغب فرج مفرج بيده. وعلى الرغم من بعض الاستثناءات المهمة في حياة مفرج، مثل عمله كمحاسب وموظف حكومي سابق، ومدرس للغة العبرية القديمة، إلا أن الرجل الذي يدعى ايضا "ابو فرج"، يعيش وسط طائفة دينية تؤمن بالأسفار الخمسة الأولى من توراة النبي موسى، يعرف كواحد من أشهر ناسخي التوراة بين مجتمعه. ويعيش مفرج حياة هادئة على أطراف الحي السامري في مدينة نابلس، لكنه عندما تبدأ ليالي الخريف يمارس شغفه بنسخ التوراة. " بدأت النسخ منذ 40 عاما" يقول الرجل (76 عاما)، وهو يفرد لفافة قدر طولها بـ(25 مترا) هي كامل التوراة السامرية. وغالبا ما ينسخ السامريون كتبهم المقدسة وكراسات أناشيدهم الدينية بخط اليد. وعبر قرون طويلة استطاعوا ترك ارث من هذه الكتب ينتشر كثير منها الآن في مناطق مختلفة من العالم الغربي على وجه التحديد، بعضها ضاع أو بيع، والبعض الآخر ما زال ملكا لعائلات تسكن في نابلس وحولون (مدينة جنوب تل أبيب). بتأن شديد في السرد، وحرص ظاهر على تكرار الجمل ذاتها، يحكي مفرج قصته الطويلة، وهي تمتد على مساحة زمنية طولها اكثر من نصف عمره في النسخ بقلم ذي رأس حاد وحبر يقول انه "لا يذوي ولا يذوب". ويعرف النسخ في المجتمع السامري، كواحد من مهمات الرجال في الحياة. وإضافة إلى ذلك، ينظر إلى الخط الجميل كواحد من علامات تاريخ بعض رجال الطائفة التي تقول إنها تمتد بجذورها إلى بني إسرائيل. في مساء خريفي، ينزوي مفرج في غرفة بطابق علوي من بيت العائلة، للتحضير لنسخ توراة جديدة. "قبل أشهر معدودة انتهيت من آخر نسخة". وتحمل هذه النسخة رقم 10. ويقول إنها "أرسلت إلى حولون كي تقرأ في الصلوات". ويعيش نحو 400 سامري في جرزيم وهو ثاني أعلى جبال نابلس، ويعيش نحو اكثر من هذا العدد بقليل في حولون. يظهر نسخ الكتب المقدسة جزءا من ذاكرة السامريين. فكل كتاب يتضمن اسم الناسخ وتاريخ النسخ. وقد يعود ذلك إلى مئات السنين. في متن أحد كتب التوراة يظهر اسم راغب ابن مفرج، ويقترن الاسم بثلاثة تواريخ: هجرية إسلامية، وميلادية، وتاريخ سامري. يقول الرجل "عدد سور هذه التوراة 963 سورة وعدد كلماتها 86،362 كلمة". بالنسبة له فإن مدة أربعة أشهر ونصف كافية لنسخها. غالبا ما تبدأ عمليات النسخ في الخريف وتنتهي في الشتاء. "يطول الليل ولا تتعرق الأصابع" يقول الرجل. والتوراة التي تزن أكثر من عشرين كيلوغراما، كما قال، تظهر عند القياس بطول 50 سم وعرض 36 سم. وعندما فتح الرجل دفتيها تضاعف العرض مرتين. وغالبا ما يكون غلاف التوراة من البلاستيك المقوى. وتظهر اخر نسخة من التوراة المنسوخة غير مجلدة. يقول الرجل في إشارة إلى أفراد طائفته "يطالبونني ان انسخها على الآلة الناسخة". لكن اللفافات توضع في أوان نحاسية تفتح عند الصلاة وفي اوقات الحج. اما في منزل مفرج، فإن نسخ التوراة توضع في خزائن خاصة. ويظهر انه، كلما كانت النسخ اكثر قدما كانت الخزائن اكثر متانة. يعتقد السامريون بأنهم يحتفظون بأقدم نسخة للتوراة. وهذه يطلق عليها توراة ابيشع ابن فنحاس، وتعود كما يعتقدون الى الفترة القريبة بعد خروجهم من مصر. ودائما ما تخرج هذه النسخة الى العلن في مواسم الاعياد والحج، ومن ثم تحفظ في خزانه خاصة في واحد من كنيسي الجبل. وقال ابو فرج وهو يعيد طي اللفافة التي فردت أمامه "تحفظ في خزائن نحاسية او فضية او مطلية بالذهب". بالنسبة للرجل الذي تعلم القراءة والكتابة في مدارس مدينة نابلس، فقد بدأ التكوين الذاتي لتعلم الخط في مرحلة لاحقة من صباه. " كنت ارسم الكلمات كما هي. ومرة تلو مرة أصبحت خطاطا". وحتى اليوم يظهر تعلم ممارسة الكتابة باللغة اليومية جزءا من اهتمام بعض الشباب. لكن هذا الجيل شهد فعليا انتقال الكتابة بلغة السامريين من النسخ اليدوي إلى الطباعة عبر أجهزة الحاسوب بعد إدخال الحروف القديمة الى البرمجيات الحديثة. " أنا ما زلت أفضل الكتابة بالحبر والريشة" قال الرجل. وآخرون يرددون المعنى ذاته. فحتى الكتابة باليد جزء من عالم منصات النشر الحديثة. في أيام الأعياد تظهر صور لبعض المقاطع من كتابهم المقدس في الفضاء الافتراضي. ويظهر معتنقو الديانة الإسرائيلية السامرية هذه الأيام أكثر حرصا على الكتب المقدسة القديمة ومخطوطات الشروحات والأناشيد القديمة. فأدبيات السامريين تشير إلى انه خلال الفترة الممتدة بين القرنين السابع عشر والعشرين باع السامريون نحو 4000 وثيقة قديمة جزء كبير منها موجود في إحدى مكتبات سانت بطرسبرغ (روسيا). وواحدة من الوثائق الحديثة نسبيا وعرضت عبر مواقع المزاد العلني العالمية هي عقد زواج لوالدة ابو فرج شلبية وهي أكبر معمرة في طائفة السامريين. في مساء يوم خريفي، عندما اجتمع عدد كبير من أبناء طائفة مفرج، لإحياء مولد النبي موسى، كان الكثيرون يحملون جزءا من كتاب الأناشيد الدينية التي اعدها ونسخها الرجل، للاحتفال بانتهاء احد الأطفال ختم التوراة. لكنه قال قبل الاحتفال "سأنسخ هذا الشتاء كراسا جديدا للأناشيد" وهنا تستخدم الكلمة (شيران) التي يعتقد أنها ذات جذور عبرية كمرادف للكلمة العربية نشيد. ــــــــــــــ
ha

التعليقات

للتذكير فحسب

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
ليس بوسعنا أن نصدق أن الخارجية الأميركية، لا تملك أرشيفها الخاص بالمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، التي دارت لسنوات كثيرة، والتي  تعرف من خلالها ان اسرائيل اليمين المتطرف، هي من جعل من هذه المفاوضات، مفاوضات عبثية وغير جادة، بعد أن اغتالت إسحق رابين وراحت تجهز تباعا على بنود اتفاقات أوسلو الانتقالية، واحدا تلو الآخر،  حتى لم تبق منها شيئا يذكر اليوم ..!!

وليس ثمة أحد في هذا العالم، لا في الخارجية الأميركية فقط، من لا يعرف حقيقة الموقف الفلسطيني الساعي لمفاوضات جادة  مع اسرائيل لتحقيق السلام الممكن، طبقا لقرارات الشرعية الدولية، واستنادا للرؤية الأميركية ذاتها التي قالت بحل الدولتين، وليس ثمة أحد أيضا في المجتمع الدولي من بات لا يعرف أن إسرائيل اليمين المتطرف، وحدها من لا يريد أية مفاوضات جادة، وبسياسة المماطلة والتسويف والتشريط اللاواقعي واللاموضوعي، والأخطر والأسوأ بسياسة الشره الاستيطاني،  من جعل من المفاوضات غير جادة تماما، ولا تستهدف غير إضاعة الوقت،  بل ولا تستهدف غير تدمير فرص السلام الممكن وقد تعددت غير مرة ...!!!

لا حقيقة أوضح اليوم، من حقيقة إسرائيل اليمين المتطرف، المناهضة لمفاوضات السلام الجادة، لا حقيقة أوضح من حقيقة تعطيلها للمفاوضات على نحو محموم ومأخوذ بالفكرة العنصرية، ومن لا يرى هذه الحقيقة فإنه لا يتعامى فقط عنها، وإنما لا يريد  للنزاهة أن تكون، ولا للعدل أن يتحقق، ولا للسلام أن يسود.

فلسطين بمشروعها الوطني، وبمصداقية ونزاهة خطابها وحراكها السياسي والدبلوماسي، لا تبحث ولا تسعى لغير المفاوضات الجادة التي توقف الاستيطان الشره، وتنهي الاحتلال،  وتحقق السلام العادل الذي ترفرف في فضائه رايات دولة فلسطين المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، ولا تخشى فلسطين في هذه الطريق، تهديدا ولا تقبل ابتزازا وحضورها في العالم لا يحده مكتب هنا أو هناك ، ونأمل من الخارجية الأميركية أن تراجع ارشيفها جيدا، وأن تقرأ التاريخ بتمعن ولعلنا نذكرها بصيحة بريجنسكي "باي باي منظمة التحرير"، الصيحة التي سرعان ما سقطت، وهي اليوم بمثابة عنوان للعبث السياسي الذي لا طائل من ورائه، غير مزيد من الصراع والضحايا.

ولا مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية أينما كان، يعادل الثوابت المبدئية الفلسطينية، فهو الذي يمثلها ويقول خطابها العادل، ولا يساوم عليها أبدا. المكتب محض مكان، وفلسطين بقضيتها العادلة أكبر من كل مكان، وأما طريق السلام تظل أبدا طريقا فلسطينية بالمفاوضات الجادة، التي لن تكون بغير الامتثال لقرارات الشرعية الدولية وبرعايتها لحظة الكيل بمكيال واحد، وحين تتفتح النزاهة بخطاب العدل والموضوعية، لا بخطابات التهديد التي طالما سمعنا الكثير منها ..!

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017