.. هكذا كانت ستبدو الحياة دون بلفور

طوباس- الحارث الحصني- تاريخيا، أي منذ قرن من الزمن، ارتبط الثاني من شهر تشرين الثاني من كل عام، بذكرى وعد بلفور الأليمة، التي بدأت قصتها قبل مئة عام، ومهدت بعدها لاحتلال بدأ عام 1948، حتى اليوم.

صحيح أن هذا الوعد الذي منح اليهود وطنا لهم بالقوة في فلسطين التاريخية، لكنه يعني بشكل أكبر لأولئك الذين طردتهم إسرائيل من أراضيهم عام 1948، هؤلاء الذين باتوا اليوم في المخيمات المنتشرة في الضفة الغربية وغزة، وبعض الدول العربية، هم نفسهم الذي فندوا على امتداد العقود المتتالية منذ النكبة مقولة أن الكبار يموتون و الصغار ينسون، لكن، كيف ستكون الحياة لو لم يكن هذا الوعد؟.

بشكل طبيعي فإن الذين يتحدثون اليوم عن تلك الحياة، يتحدثون عن نتيجة حتمية من نتائج الوعد الأليم، قسمت ظهور الفلسطينيين، وعكرت صفو حياتهم... إنها النكبة.

جنوب طوباس، الواقعة شمال الضفة الغربية، يقع مخيم الفارعة للاجئين، وهو واحد من المخيمات التي أُنشئت بعد احتلال إسرائيل ما يقارب ثلاثة ارباع مساحة فلسطين التاريخية، عام 1948.

صحيح أن الذاكرة خانت المواطن محمود أمين، أحد سكان المخيم، بعض الشيء، لكنه لا ينكر أنه يتذكر بعض التفاصيل في حياته، يقول: إنه يتذكر كيف كانت حياة إخوانه في الزراعة البعلية في أراضيهم الواسعة.

لكن كانت النكبة وهي بنت الوعد الذي أعطاه وزير الخارجية آنذاك "آرثر بلفور" لليهود، فهجرت أمين وعائلته من الكفرين قضاء حيفا، حاله حال مئات الألوف الذين طردوا قسرا من أراضيهم.

يتابع: "لو لم تحدث النكبة، لعمّرت أرض أبي(..)، في أسوأ الحالات هناك أفضل من أفضل الحالات في المخيم، كانت الحياة في القرية تعني لنا الكثير، كنا قليلا ما نذهب للمدن للأمور الطارئة، رغم صعوبتها لكن عندما يتواجد الشخص في بيته وأرضه يسهل كل شيء".

بالنسبة لأمين فإن الوصول إلى منزلهم منذ النكبة، في القرية القريبة من حيفا، يعتبر أمرا أساسيا، يقول لا يقتصر الأمر فقط عليه، لكنه بات في السنوات الأخيرة اصطحاب أحفاده الصغار لتعريفهم على بلدتهم ومنازلهم.

"هذا الوعد طردنا من أراضينا(...)، كل مرة أذهب إليها أتخيل لو ظللنا فيها كيف تصبح اليوم، سنزرعها، متأكد أنها ستكون جميلة". قال أمين.

أما أحمد أبو سيريس، الذي يتذكر بشكل أفضل طبيعة الحياة قبل حدوث النكبة، يقول: "كنا في الريف الفلسطيني نعتمد على تربية الماشية والزراعة، و أذكر أن والدي كان يزرع مرتين في السنة".

أبو سيريس الذي كان في السابعة من عمره عندما طردهم الاحتلال من أراضيهم عام 48،  يقول: "نحن أجيال تسلم أجيالا، فالصغار يتعلمون من الكبار، وإن مات الكبار فالأجيال القادمة حاضرة، كنا نعمل في أراضينا نهارا، ومع حلول الليل يتسامر الأهالي مع بعضهم البعض، جاءت حرب 48 فبدلت كل الأحوال".

ويضيف، "كانت هداة البال حاضرة، و الحياة بسيطة، والقرية تقف يدا واحدة في الأزمات التي يواجهها سكانها".

من جانبه، يصف محمد عرجة، والذي يعود أصله إلى قرية الفالوجة، حياة الفرح قبل النكبة، يقول: "كانت القبائل تتزاور فيما بينها(...)، تتجمع كل عشيرة في ديوان خاص أعد لها، مع وجود القهوة العربية، ويتسامرون لساعات يتناقشون أمور حياتهم اليومية".

يتابع: "قديما كانت الأفراح تمتد لأكثر من أسبوع والقبائل تتسامر محتفلين، وكانت تستخدم السامر في سهراتهم عند الفلاحين، والدحية عند البدو".

على أية حال، هكذا كانت حياة الفلسطينيين، حتى حلت نكبة فها فنسفتها، وشتت شعبا كاملا في مخيمات اللجوء، التي ما زالت حتى اليوم.

يذكر أن مخيم الفارعة يعد واحدا من مخيمات اللاجئين في الضفة، وأنشئ حسب ما قال رئيس اللجنة الشعبية لخدمات المخيم، عبد المنعم مهداوي لمراسل "وفا"، عام 1951، ويبلغ عدد سكانه حسب آخر الإحصاءات 7500 نسمة.

 

 

kh

التعليقات

الحكمة ضالة المؤمن

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
على نحو بالغ الوضوح أعاد الرئيس أبو مازن للحكمة، دورها في السياسة، لكي تنجو هذه الأخيرة من تشنجاتها، وانفعالاتها، وتعجلها المراهق، ورغباتها التجريبية التي غالبا ما تكون مدمرة، وبوسع أية قراءة موضوعية لحراك الرئيس أبو مازن في ساحات العمل السياسي والدبلوماسي العربية والدولية، ان تكتشف انحيازه التام للحكمة وتمسكه بها في التعامل مع مختلف القضايا الوطنية والاقليمة والدولية، ومن ذلك مثلا رفضه للخطابات الاستهلاكية، ورفضه التعاطي مع الشعارات البلاغية وأوهامها، واصراره على مخاطبة الشعب وفصائله وقواه السياسية بصراحة ووضوح تجاه مختلف شؤون القضية الوطنية، وسبل مواجهة الاحتلال.

وبسياسة الرئيس أبو مازن بات مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، لأي دولة في العالم وخاصة الدول العربية الشقيقة بالغ الوضوح والمصداقية، وقد سجل موقفا تجاه الصراع في سوريا، بترجمة واقعية وعملية لمبدأ عدم التدخل، وما زال هذا الموقف يحظى باحترام فرقاء الصراع على المستويات كافة، والواقع ان هذا الموقف لم يستهدف سلامة المخيمات الفلسطينية في سوريا فحسب، ولا من أجل تكريس وتأكيد الموقف الوطني الفلسطيني بعدم التدخل في الشؤون الداخلية فقط، وانما أيضا من أجل عدم توسيع مساحة الصراع، وتأكيد احترام السياسة الفلسطينية، لمبدأ الحوار في حل صراعات البلد الواحد، ولا شك وحيثما كانت هناك المخيمات الفلسطينية (خاصة في لبنان اليوم) وحيثما كانت هناك احتمالات الصراع المحلية، فان هذا الموقف المبدئي لن يعرف تبدلا ولا تراجعا ولا مساومة، ولا بأي شكل من الأشكال. 

ولعلنا أيضا نشير هنا الى الخبر الرسمي الذي اعلنه الاعلام السعودي أمس الاول، ان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، اطلع مجلس الوزراء السعودي على نتائج مباحثاته مع الرئيس أبو مازن، التي تناولت مستجدات الأوضاع على الساحة الفلسطينية، ونشير الى هذا الخبر لنؤكد ان  معظم ما قيل عن زيارة الرئيس أبو مازن، ومباحثاته في السعودية، في بعض وسائل الاعلام العربية والأجنبية، لا أساس له من الصحة، ولا يعدو كونه محض فبركات وشائعات لا تريد غير توريط الموقف الفلسطيني في صراعات بالمحصلة، لا ناقة له فيها ولا جمل، وأكثر من ذلك لا تريد لفلسطين ان تكون عاصمة عربية محورية، لبحث شؤون الأمة والسعي لخلاصها من أزماتها الراهنة واطماع التدخلات الأجنبية، وخاصة الايرانية التي تبدو اليوم بالغة الوضوح والوقاحة، وكذلك فان الشائعات والفبركات استهدفت التشكيك بموقف المملكة العربية السعودية، تجاه فلسطين وقضيتها، وهو الموقف الذي لا يقبل  التبدل أو التراجع، ولا بأي حال من الأحوال.   

بسياسة الحكمة، وبحكمة السياسة، يمضي الرئيس أبو مازن في معالجة مختلف قضايا الشأن الوطني والعربي، ولهذا فلسطين تؤكد حضورها في كل مكان عاصمة مركزية، والعاصمة المركزية، مكانها بروح المكانة الفلسطينية، وبروح تجربتها وخبرتها النضالية والسياسية، وبروح تضحياتها العظيمة، مكانة ومكان في الجغرافيا والتاريخ، وفي الواقع والتطلع، من أجل المزيد من التشاور والتنسيق والعمل العربي المشترك، لما فيه صلاح الأمة، وخير مستقبلها. انها الحكمة التي هي ضالة المؤمن وقد تلقفها الرئيس أبو مازن بمنتهى الوضوح والقوة. 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017