"بلفور".. الكارثة

رام الله- ضحى سعيد- قرن من الزمان وشعب بأكمله ما زال يدفع ثمن وعد جاء لتلبية اطماع توسعية على حساب المنطقة العربية وقلبها النابض فلسطين.

قالوا فيه: "وعد من لا يملك لمن لا حق له"، هو جريمة القرن المتواصلة دفع شعبنا في كافة اماكن تواجده ثمن هذا الوعد وترجمته عمليا عام 1948 بنكبة ما زالت جروحها الدامية حتى اليوم".

وبفخر، تصر رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي على الاحتفال بمئوية وعد بلفور، الذي وضع قاعدة لتأسيس اسرائيل على أرض فلسطين في استفزاز واضح لكافة الاوساط الفلسطينية وتحد صارخ لقيم العدالة والانصاف وحق الشعوب في تقرير مصيرها، في الوقت الذي طالبت القيادة الفلسطينية وشعبنا بريطانيا بالاعتذار عن هذا الوعد وتحمل مسؤولياتها دون التنكر لحق شعبنا في تقرير مصيره، وبناء دولته ومنح تعويضات على احتلال ارضنا والاعتراف بنا، وهو ما طالب به الرئيس محمود عباس في خطابه امام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 20 من الشهر الماضي، فالوعد ليس جزءا من تاريخ مضى بل بداية لنكسة كبرى استمرت تداعياتها، وقتل بها شعبنا وطرد وهجر من ارضه وارتكبت بحقه ابشع المجازر والمآسي التي تتضاعف يوما بعد يوم.

وقال رئيس لجنة المتابعة العربية العليا محمد بركة لـ"وفا": إن وعد بلفور لم يكن نصا تاريخيا، بل وعدا أسس للمشروع الصهيوني الذي ما زال حتى اليوم يستعمل مصطلحات الوعد بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، والحديث فقط عن حقوق ثقافية ودينية لغير اليهود.

وتابع :"وعد بلفور والصهيونية العالمية لا تعترف بوجود الشعب الفلسطيني، في الوقت الذي كان عدد الفلسطينيين العرب عندما اعطي الوعد 770 ألفا وعدد اليهود 60 ألفا، بمعنى ان نسبة اليهود لم تتجاوز 7 أو 8%من سكان فلسطين والانتداب البريطاني اعطى وعده لإقامة وطن لهم وتجاهل الفلسطينيين اصحاب الارض وسكانها".

وأشار بركة إلى أنه عندما صدر الوعد كان هناك حكم عسكري بريطاني في فلسطين ولم يكن الانجليز تولوا الانتداب على فلسطين، وبالتالي هذا وعد من لا يملك لمن لا يستحق، مشددا على أن المطلب الآن ليس فقط ان تقدم بريطانيا اعتذارا للشعب الفلسطيني، بل والى جانب الاعتذار عليها تحمل مسؤولياتها جراء ما الحقه هذا الوعد بشعبنا وتعويضه عن الكارثة والمأساة التي عاناها، والاعتراف بدولة فلسطين وحق شعبنا في تقرير مصيره وبناء دولته، وهو ما طالب به الرئيس محمود عباس في خطابة الاخير امام الجمعية العامة لأمم المتحدة، وهذه المطالب الجامعة لشعبنا في كافة اماكن تواجده.

وأضاف، نصيبنا من مأساة شعبنا كانت كبيرة فأهلنا في الداخل تحملوا ويلات وتداعيات هذا الوعد من تغييب للهوية ومصادرة للأراضي والتشريد، ناهيك عن السياسات العنصرية التي جرى انتهاجها بعد قيام اسرائيل وعدم الاعتراف بنا كأقلية قومية تنتمي لشعب، ومصادرة حقنا في تقرير المصير، ومؤخرا قانون القومية الذي يستند بشكل غير مباشر على ما صاغه الوعد.

وشدد بركة على أن رسالتنا واحدة طوال الوقت وسنوجه السهام الى بريطانيا لتتحمل مسؤوليتها تجاه ما لحق بشعبنا من الآلام والتشريد، خاصة أنه وبعد وعد بلفور بسط الانتداب البريطاني سيطرته وانشأت الحركة الصهيونية جهازا عسكريا مستقلا ومنفصلا في فلسطين تحت عينها وبصرها، وسنرسل في هذه المئوية الاليمة رسالة باسم مليون ونصف فلسطيني بالداخل الى الحكومة البريطانية، نؤكد فيها مطالب شعبنا ونطرح كذلك معاناتنا وحجم الاضطهاد الذي لحق بنا، واليوم سنصدر بيانا نؤكد فيه ما سبق، وسنخرج في تظاهرات على المفترقات الرئيسية بالبلاد لنفس الهدف ولإسماع صوتنا، وفي السابع من الشهر الجاري سننظم مظاهرة قطرية امام السفارة البريطانية في تل ابيب تحمل المطالب الثلاثة: الاعتذار وتحمل المسؤولية والاعتراف بدولة فلسطين.

ووجه بركة رسالة إلى العالم والمجتمع الدولي أن يرفع صوته للحق الفلسطيني ويطالب بريطانيا بالاعتراف بنا، وطالب رئيسة الوزراء البريطانية بالتراجع عن اقامة الاحتفاليات سواء في بريطانيا أو في سفارتها بتل ابيب، مثمنا موقف زعيم حزب العمال البريطاني جيرمي كوربين، الذي امتنع عن المشاركة في الاحتفال بمئوية وعد بلفور في لندن لأنه لا يريد المشاركة في عملية تلميع هذا الحدث.

بدوره، قال الأمين العام للتجمع الديمقراطي مطانس شحادة، إن اقامة دولة اسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني نتيجة لسرقة الارض والوطن ما كانت لتحدث لولا تواطؤ ومشاركة القوى العظمى في العالم، خاصة بريطانيا التي عملت الى جانب المؤسسات الصهيونية لسرقة الارض، ولتحقيق توازنات القوى العالمية فهذا الوعد جاء دون اي رادع اخلاقي وانساني، والوثيقة وما تضمنته تثبت مساهمة بريطانيا في سرقة ارضنا.

ولفت الى أن اصرار بريطانيا واعلانها امام العالم كله أنها ستحتفل وبفخر بمئوية وعد بلفور، هو استمرار في الغبن التاريخي بحقنا، حيث هي شريكة فيه، واستفزاز وتحد لمطالب شعبنا وقيادته.

وتطرق شحادة إلى مدى الألم والمعاناة التي عاشها شعبنا واهلنا في الداخل المحتل من التشتت والنكبة وخسارة الوطن والمشروع القومي والتهجير في الشتات ومخيمات اللجوء، التي عاشوا فيها اقسى ظروف الحياة والقهر الذي لم يتوقف، وما زالت اسرائيل تمعن في سياساتها العنصرية والقمع والعدائية ومحو الهوية التي نتصدى لها بتوحيد نضالنا الفلسطيني، والتمسك بالأرض وتعزيز الصمود وصولا للحرية واقامة الدولة المستقلة، واعادة الحقوق والحفاظ على الهوية والتواجد.

وقال شحادة: على العالم اليوم أن يقف أمام الممارسات الاسرائيلية، ويضع حدا للاستيطان والعنصرية، ويأخذ موقفا اخلاقيا واضحا واحترام حقنا في تقرير المصير ودعم ذلك.

 

 

kh

التعليقات

الحكمة ضالة المؤمن

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
على نحو بالغ الوضوح أعاد الرئيس أبو مازن للحكمة، دورها في السياسة، لكي تنجو هذه الأخيرة من تشنجاتها، وانفعالاتها، وتعجلها المراهق، ورغباتها التجريبية التي غالبا ما تكون مدمرة، وبوسع أية قراءة موضوعية لحراك الرئيس أبو مازن في ساحات العمل السياسي والدبلوماسي العربية والدولية، ان تكتشف انحيازه التام للحكمة وتمسكه بها في التعامل مع مختلف القضايا الوطنية والاقليمة والدولية، ومن ذلك مثلا رفضه للخطابات الاستهلاكية، ورفضه التعاطي مع الشعارات البلاغية وأوهامها، واصراره على مخاطبة الشعب وفصائله وقواه السياسية بصراحة ووضوح تجاه مختلف شؤون القضية الوطنية، وسبل مواجهة الاحتلال.

وبسياسة الرئيس أبو مازن بات مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، لأي دولة في العالم وخاصة الدول العربية الشقيقة بالغ الوضوح والمصداقية، وقد سجل موقفا تجاه الصراع في سوريا، بترجمة واقعية وعملية لمبدأ عدم التدخل، وما زال هذا الموقف يحظى باحترام فرقاء الصراع على المستويات كافة، والواقع ان هذا الموقف لم يستهدف سلامة المخيمات الفلسطينية في سوريا فحسب، ولا من أجل تكريس وتأكيد الموقف الوطني الفلسطيني بعدم التدخل في الشؤون الداخلية فقط، وانما أيضا من أجل عدم توسيع مساحة الصراع، وتأكيد احترام السياسة الفلسطينية، لمبدأ الحوار في حل صراعات البلد الواحد، ولا شك وحيثما كانت هناك المخيمات الفلسطينية (خاصة في لبنان اليوم) وحيثما كانت هناك احتمالات الصراع المحلية، فان هذا الموقف المبدئي لن يعرف تبدلا ولا تراجعا ولا مساومة، ولا بأي شكل من الأشكال. 

ولعلنا أيضا نشير هنا الى الخبر الرسمي الذي اعلنه الاعلام السعودي أمس الاول، ان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، اطلع مجلس الوزراء السعودي على نتائج مباحثاته مع الرئيس أبو مازن، التي تناولت مستجدات الأوضاع على الساحة الفلسطينية، ونشير الى هذا الخبر لنؤكد ان  معظم ما قيل عن زيارة الرئيس أبو مازن، ومباحثاته في السعودية، في بعض وسائل الاعلام العربية والأجنبية، لا أساس له من الصحة، ولا يعدو كونه محض فبركات وشائعات لا تريد غير توريط الموقف الفلسطيني في صراعات بالمحصلة، لا ناقة له فيها ولا جمل، وأكثر من ذلك لا تريد لفلسطين ان تكون عاصمة عربية محورية، لبحث شؤون الأمة والسعي لخلاصها من أزماتها الراهنة واطماع التدخلات الأجنبية، وخاصة الايرانية التي تبدو اليوم بالغة الوضوح والوقاحة، وكذلك فان الشائعات والفبركات استهدفت التشكيك بموقف المملكة العربية السعودية، تجاه فلسطين وقضيتها، وهو الموقف الذي لا يقبل  التبدل أو التراجع، ولا بأي حال من الأحوال.   

بسياسة الحكمة، وبحكمة السياسة، يمضي الرئيس أبو مازن في معالجة مختلف قضايا الشأن الوطني والعربي، ولهذا فلسطين تؤكد حضورها في كل مكان عاصمة مركزية، والعاصمة المركزية، مكانها بروح المكانة الفلسطينية، وبروح تجربتها وخبرتها النضالية والسياسية، وبروح تضحياتها العظيمة، مكانة ومكان في الجغرافيا والتاريخ، وفي الواقع والتطلع، من أجل المزيد من التشاور والتنسيق والعمل العربي المشترك، لما فيه صلاح الأمة، وخير مستقبلها. انها الحكمة التي هي ضالة المؤمن وقد تلقفها الرئيس أبو مازن بمنتهى الوضوح والقوة. 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017