موريتانيا كما نريدها عام 2030

فيما يلي التقرير الاقتصادي للوكالة الموريتانية للأنباء، ضمن الملف الاقتصادي لاتحاد وكالات الأنباء العربية (فانا)، ويتعلق باستراتيجية موريتانيا للنمو المتسارع والرفاه المشترك: تشكل استراتيجية النمو المتسارع والرفاه المشترك، الإطار التنموي لموريتانيا للفترة من (2016/ 2030) .وتقدم هذه الاستراتيجية الخطوط العريضة لملامح موريتانيا التي يود الموريتانيون أن يعيشوا فيها، حيث يكون المجتمع غنيا بتنوعه والاقتصاد مزدهرا وقويا مع تثمين رأس المال البشري ودعم الحكامة في كل أبعادها والواقعية في الطموح وضمان تجسيد التزامات البلاد الدولية. فموريتانيا التي تتكون من مجموعات مازالت تعيش بقايا عاداتٍ وتقاليدَ موروثة يظل البعض منها غير متسق مع التطور الكوني فيما يتصل بحقوق الإنسان وتمكين النساء، لابد فيها من ضمان لحمة اجتماعية قوية بحيث تصبح مساهمة كل مجموعة مصدر إثراء جماعي. وفي هذا الإطار، من شأن الشفافية في إدارة الأمور العامة، والعدالة والمساواة للجميع، والتمييز الإيجابي لصالح الفئات الضعيفة وتطوير آليات ملائمة للتضامن والحماية الاجتماعية أن تقضي على أسباب اي غليان اجتماعي. وبعد تحقيق ذلك لن تصبح آثار الرق والتمييز الاجتماعي في موريتانيا إلا ذكريات من ماض سحيق. في العام 2030، وسيظهر مجتمع جديد متجانس وسيصبح مثالا يحتذى به في الوحدة وذلك في جو من التعدد، كما أن كل رجل وإمرأة سيكونان محل احترام. وسيصبح المجتمع الموريتاني فخورا بتراثه الثقافي والفني الذي سيتم إحياؤه، مما سيساهم بلا شك في خلق شهرة لموريتانيا خارج حدودها وسيُولَد مجتمع منفتح على العالم ومتسامح ومتضامن وعامل. كما أن من شأن ممارسة الإسلام السني والتلاقح بين مختلف مكونات البلد ومناطقه وإتاحة التعليم للموريتانيين جميعا من خلال المدرسة الجمهورية أن يساهم إلى حد كبير في تجسيد هذه الرؤية. وتسعى الإستراتيجية في مجتمع تلك سماته الأساسية، إلى تنويع الاقتصاد ومضاعفة تنافسيته ليزيد النمو الشامل والمستدام بمعدل متوسط برقمين (يزيد على 10%). وسيعود ذلك النمو بالنفع على جميع الموريتانيين وخصوصا الأكثر حرمانا ومن شأنه كذلك أن يقلل من الفوارق بشكل معتبر ومن بطالة الشباب والبطالة المقنعة وينتظر أن يكون هذا النمو بشكل رئيسٍ نتاج عمل القطاع الخاص الفاعل الذي يلعب دوره بشكل كامل في اقتصاد ذي توجه ليبرالي واضح . وفي نفس المجال سيتم استغلال موارد البلد الطبيعية على أحسن وجه، بصفة تحافظ على التنوع الحيوي واستدامة النظم البيئية وإنتاجية التربة وترشيد الموارد المائية، كما ستتضاعف القيمة المضافة بفضل مشاركة أكبر من الموريتانيين والموريتانيات في مراحل عملية الانتاج والتحويل المختلفة مستخدمين التقنيات ومطوعين التكنولوجيا. وتسعى الإستراتيجية لزيادة القيمة المضافة للموارد المعدنية والبحرية من خلال تفعيل قدرات تصنيع وتحويل هذه الموارد. كما ينتظر أن يمكن قطاعا التنمية الحيوانية والزراعية من تغطية الحاجيات الغذائية لجميع السكان بشكل لائق بفضل تطور الإنتاجية مع احترام المعايير البيئية. وبناء على هذه الإستراتيجية، سيكون لموريتانيا في العام 2030 رأس مال بشريٍ نوعيٍ حيث يتركز العمل على رفع المستوى التربوي للمواطنين والتحسين من الرعاية الصحية لهم سبيلا إلى حياة أفضل مع تمكينهم من اكتساب الخبرات والقدرات والمهارات الضرورية للإندماج في سوق العمل. ويتوقع أن تمكن ثمار النمو الاقتصادي من تعزيز البنية التحتية والخدمات الاجتماعية الأساسية ومن ضمان الحماية الاجتماعية للمرأة ومن تمكينها ومن حماية الأوساط الضعيفة وتسريع عجلة الوصول إلى أهداف التنمية المستدامة. وتولي الاستراتيجية اهتماما خاصا لتلبية الرغبات الاجتماعية الأساسية بالنظر لتأثيرها المباشر على جودة الحياة ودورها الأساسي في ترقية التنمية البشرية المستدامة والاقتصاد الأخضر. كما تهتم الإستراتيجية بتحقيق مساواة مثلى أمام الفرص الاقتصادية مانحة عناية خاصة للأوساط الهشة، وخصوصا في الوسط الرعوي وللمسامة في محاربة آثار الرق والتمييز على جميع المستويات. ومن أجل دعم الحكامة في كل أبعادها، تولي الاستراتيجية بالغ الاهتمام، لتعميق الديمقراطية ودولة القانون، لذلك يبقى إرساء الثقافة الديمقراطية في المجتمع ولدى النخبة هدفا كبيرا يجب الوصول إليه قبل العام 2030. وبتحقيق هذا الشرط سيون بالإمكان الحديث عن حكامة رشيدة تتجسد بشكل خاص في إجماع سياسي مبني على المبادئ الديمقراطية الكونية بما فيها التناوب السلمي على السلطة، كما تتجسد في دولة محايدة، منظمة للإقتصاد ناجعة في تدخلاتها وخاصة الأمنية منها، وتوفر عدالة مستقلة للجميع وخدمات اجتماعية أساسية جيدة جدا. وتشمل تلك المبادئ كذلك، وجود مجتمع مدني حيوي، و منظم، وصحافة مستقلة تساهم بشكل فعلي في رقابة المواطن للعمل الحكومي، إضافة إلى تعزيز اللامركزية والتشاور سبيلا إلى ولوج أمثل للخدمات الأساسية وإلى نجاعة أكبر في تخصيص الموارد العمومية. كما أن الاستراتيجية تجعل من مكافحة الفساد، واحترام المال العام وإدخال التسيير المعتمد على النتائج، و المتابعة والتقويم في السياسات العمومية، والممارسات المثلى، بالإضافة إلى السعي لإقامة إدارة ناجعة وعصرية، أساسا للتسيير الاقتصادي والمالي خلال ال 15 سنة القادمة. وتعمل الاستراتيجية فيما يخص الحفاظ على البيئة إلى خلق وعي جماعي متزايد بالمشاكل البيئية، وهو ما سيمكن من التغلب على التهديدات المحتملة الوقوع قبل 2030. ووينتظر ذلك أن يتم احتواء آثار التغير المناخي بانتهاج سياسة مواتية للموارد الطبيعية النباتية (الغابات والمحميات) والحيوانية وللمجموعات وللمهن الهشة. وسيتم في إطار هذه الإستراتيجية إعادة بناء الحواجز الرملية لحماية انواكشوط خصوصا ضد خطر مياه المحيط فضلا عن حماية النُظم الحيوية ومناطق الانتاج ضد اجتياح الرمال. وستتم المحافظة على توازن النظم البيئية وإنتاجيتها كما سيحافظ على الفوائد الناتجة من هذه النظم وتحسينها. وسيتم استصلاح المحميات الأساسية وتحصينها لتصبح في العام 2030 مناطق جذب للسياح الأجانب والمواطنين على حد السواء. كما سيتم العمل على تجدد الغطاء النباتي للبلاد. وسيصبح استغلال ثروات باطن الأرض أكثر احتراما للطبيعة والبيئة. ويتوقع أن يمكن تراجع التقري الفوضوي وكذلك التقدم في مجال الانتاجية، من تخفيف الضغط على البيئة وكذلك التسيير الأمثل للنفايات الصلبة والرقابة الصارمة على جودة المياه ومن تحسين إطار الحياة في الوسط الحضري، فاستغلال الموارد الطبيعية للطاقة وخصوصا المحروقات سيأخذ بعين الاعتبار بُعدَ الاستدامة لصالح الأجيال القادمة. وكذلك الحفاظ على التنوع البيولوجي. وتشكل هذه الاستراتيجية نتاج رؤية طموحة وواقعية في آن واحد، حيث سيتم خلال الخمسية الأولى تعزيز المكتسبات واستكمال المشاريع الكبرى الجارية كما سيتم وضع أسس لموريتانيا جديدة بمناخ سياسي هادئِ مع خلق بنية تحتية داعمة لنمو سنوي بمتوسط 5% وظروف مواتية لإستغلال الموارد الطبيعية سواء المعدنية أو النباتية وسيدعم ذلك باستكمال الإصلاحات الضرورية لترقية مناخ الأعمال وترقية دور القطاع الخاص، كما سيتم إشراك رأس المال البشري لتحقيق هذه النقلة. وبحسب هذه الاستراتيجية، ستشهد الخمسية الموالية بروز اقتصادٍ ليبراليٍ مؤسسٍ على انتاج متنوع وتنافسي بمعدل نمو للإقتصاد في حدود ال 10% سنويا تعززه موارد بشرية أكثر كفاءة وتشجيعا، فيما سيتغير وجه موريتانيا خلال الخمسية الثالثة حيث سيصل معدل النمو إلى مستوى قياسي 12% في السنة بفضل اقتصادٍ أكثر تنافسية وشمولية وبفضل تراكم رأس المال المنتج مع الحد من دور الاقتصاد غير المصنف وقدرة أكبر على امتصاص الصدمات، كما ستحوز البلاد على إطار اجتماعي وسياسي يستجيب للمعايير الدولية. وبعد أن تصبح موريتانيا قوية بفضل النقلات التي سيشهدها اقتصادها ورأس مالها البشري وحكامتها، ستصبح قادرة على تحقيق الالتزامات التي قطعتها على نفسها مع المجموعة الدولية وخصوصا الوصول إلى أهداف التنمية المستدامة والاستغلال الأمثل للعائد الديمغرافي والمساهمة في تطبيق التزامات البلاد بموجب اتفاق باريس حول المناخ. هكذا تكون هذه الرؤية المستقبلية، منطلقة من مكاسب المرحلة السابقة وتعمل على رفع جميع التحديات التي تم تشخيصها.
ha

التعليقات

الحكمة ضالة المؤمن

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
على نحو بالغ الوضوح أعاد الرئيس أبو مازن للحكمة، دورها في السياسة، لكي تنجو هذه الأخيرة من تشنجاتها، وانفعالاتها، وتعجلها المراهق، ورغباتها التجريبية التي غالبا ما تكون مدمرة، وبوسع أية قراءة موضوعية لحراك الرئيس أبو مازن في ساحات العمل السياسي والدبلوماسي العربية والدولية، ان تكتشف انحيازه التام للحكمة وتمسكه بها في التعامل مع مختلف القضايا الوطنية والاقليمة والدولية، ومن ذلك مثلا رفضه للخطابات الاستهلاكية، ورفضه التعاطي مع الشعارات البلاغية وأوهامها، واصراره على مخاطبة الشعب وفصائله وقواه السياسية بصراحة ووضوح تجاه مختلف شؤون القضية الوطنية، وسبل مواجهة الاحتلال.

وبسياسة الرئيس أبو مازن بات مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، لأي دولة في العالم وخاصة الدول العربية الشقيقة بالغ الوضوح والمصداقية، وقد سجل موقفا تجاه الصراع في سوريا، بترجمة واقعية وعملية لمبدأ عدم التدخل، وما زال هذا الموقف يحظى باحترام فرقاء الصراع على المستويات كافة، والواقع ان هذا الموقف لم يستهدف سلامة المخيمات الفلسطينية في سوريا فحسب، ولا من أجل تكريس وتأكيد الموقف الوطني الفلسطيني بعدم التدخل في الشؤون الداخلية فقط، وانما أيضا من أجل عدم توسيع مساحة الصراع، وتأكيد احترام السياسة الفلسطينية، لمبدأ الحوار في حل صراعات البلد الواحد، ولا شك وحيثما كانت هناك المخيمات الفلسطينية (خاصة في لبنان اليوم) وحيثما كانت هناك احتمالات الصراع المحلية، فان هذا الموقف المبدئي لن يعرف تبدلا ولا تراجعا ولا مساومة، ولا بأي شكل من الأشكال. 

ولعلنا أيضا نشير هنا الى الخبر الرسمي الذي اعلنه الاعلام السعودي أمس الاول، ان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، اطلع مجلس الوزراء السعودي على نتائج مباحثاته مع الرئيس أبو مازن، التي تناولت مستجدات الأوضاع على الساحة الفلسطينية، ونشير الى هذا الخبر لنؤكد ان  معظم ما قيل عن زيارة الرئيس أبو مازن، ومباحثاته في السعودية، في بعض وسائل الاعلام العربية والأجنبية، لا أساس له من الصحة، ولا يعدو كونه محض فبركات وشائعات لا تريد غير توريط الموقف الفلسطيني في صراعات بالمحصلة، لا ناقة له فيها ولا جمل، وأكثر من ذلك لا تريد لفلسطين ان تكون عاصمة عربية محورية، لبحث شؤون الأمة والسعي لخلاصها من أزماتها الراهنة واطماع التدخلات الأجنبية، وخاصة الايرانية التي تبدو اليوم بالغة الوضوح والوقاحة، وكذلك فان الشائعات والفبركات استهدفت التشكيك بموقف المملكة العربية السعودية، تجاه فلسطين وقضيتها، وهو الموقف الذي لا يقبل  التبدل أو التراجع، ولا بأي حال من الأحوال.   

بسياسة الحكمة، وبحكمة السياسة، يمضي الرئيس أبو مازن في معالجة مختلف قضايا الشأن الوطني والعربي، ولهذا فلسطين تؤكد حضورها في كل مكان عاصمة مركزية، والعاصمة المركزية، مكانها بروح المكانة الفلسطينية، وبروح تجربتها وخبرتها النضالية والسياسية، وبروح تضحياتها العظيمة، مكانة ومكان في الجغرافيا والتاريخ، وفي الواقع والتطلع، من أجل المزيد من التشاور والتنسيق والعمل العربي المشترك، لما فيه صلاح الأمة، وخير مستقبلها. انها الحكمة التي هي ضالة المؤمن وقد تلقفها الرئيس أبو مازن بمنتهى الوضوح والقوة. 

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017