في منزل "الختيار"... تاريخ ثورة

زكريا المدهون..... ما أن تطأ قدماك المكان تشعر بالرهبة ويدفعك الفضول للغوص في تفاصيل حياة رجل قاد الثورة الفلسطينية المعاصرة منذ انطلاقتها في ستينيات القرن الماضي، حتى عودته إلى أرض الوطن الذي استشهد على ترابه قبل أن يكتمل حلمه بتحرير القدس. على بعد مئات الأمتار من منزله غرب مدينة غزة، تشاهد طائرته روسية الصنع التي كان يتنقل بواسطتها بين شطري الوطن، وهي معلقة على "منصة حديدية" مرتفعة في مهبط الطائرات القريب وقتها من مقر الرئاسة "المنتدى". إنه منزل الرئيس الشهيد ياسر عرفات "أبو عمّار" الذي حول بقرار رئاسي عام 2007 إلى "مؤسسة ياسر عرفات" للحفاظ على ارث وتاريخ قائد الثورة الفلسطينية. تصادف يوم السبت القادم الذكرى السنوية الثالثة عشرة لاستشهاد الرئيس الخالد بعد محاصرته من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي بمقر المقاطعة في مدينة رام الله في الضفة الغربية. قبل الدخول إلى "المؤسسة" التي يرفرف فوقها علم فلسطين، يدور في خلدك شخص "الختيار" وكيف سيخرج لاستقبالك في منزله المتواضع. فجأة يخرجك من أفكارك وتصوراتك المدير الإداري والمالي لـ "مؤسسة ياسر عرفات" في غزة الذي اصطحبنا في جولة في أرجاء المنزل. "تم شراء المنزل عام 1994 وهو مكون من خمس غرف على مساحة 900 متر مربع" أشار سعيد سَتّوم في بداية حديثه لمراسل "وفا". وتابع، "المنزل في البداية كان مكون من طابق ثم أضيف إليه في العام 1996 طابق ثان." وقال: "في عام 2007 صدر قرار رئاسي بتحويل المنزل إلى "مؤسسة ياسر عرفات" للحفاظ على ارثه ومقتنياته، إضافة إلى القيام بنشاطات ثقافية وعلمية واجتماعية لتخليد ونقل ارث "أبو عمار" للأجيال القادمة." في مدخل المنزل علقت صورتان كبيرتان للشهيد "أبو عمار" والرئيس "أبو مازن" تتوسطهما لوحة معدنية نقش عليها أسم المؤسسة. وفرشت أرضية "المنزل" بموكيت بني اللون الذي وصفه ستوم بـ "البسيط". في غرفة صغيرة لا تتعدى مساحتها الأربعة أمتار مربعة، علقت على أحد جدرانها صورا مختلفة للمراحل العمرية للشهيد ياسر عرفات. "هذه أذرع تقديرية قدّمتها مؤسسات وعائلات بعد افتتاح المؤسسة" قال ستوم. وعلى جدار آخر علقت عشرات الصور لقادة العمل الوطني والإسلامي مثل: أحمد الشقيري، وبشير البرغوثي، وسليمان النجاب، وزهير محسن، وجورج حبش، وأبو علي مصطفى، وأبو العباس، وسمير غوشة، وأبو أحمد حلب، وأحمد ياسين، وفتحي الشقاقي. "أبو عمار كان يمثل المظلة الجامعة للكل الفلسطيني" قال المدير الإداري للمؤسسة وهو يشرح عن الصور المعلقة. صور لأبي جهاد والمطران كابوتشي الذي توفي في منفاه، وصورة أخرى لشقيق أبو عمار الأكبر وهو جمال. وأوضح ستوم، "أن جمال هو الذي أشرف على تربية الزعيم الخالد." كما علقت في الغرفة صورة للمتضامنة الأمريكية راشيل كوري التي سحقتها جرافة إسرائيلية في رفح جنوب القطاع والتي طالما ذكرها الرئيس الشهيد في مناسبات عديدة. وهناك صور أخرى لوزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق مادلين أولبرايت برفقة "أبو عمار"، ولتمثال للشهيد أقيم في البرازيل وآخر أقيم في حديقة العظماء في أوكرانيا. وتقول "مؤسسة ياسر عرفات" على موقعها الالكتروني: "إن تخليد ذكرى الرئيس الراحل ياسر عرفات باعتباره قائداً للشعب الفلسطيني ورمزاً لقضيته هو تخليد للموروث النضالي والتاريخي للشعب الفلسطيني وتعزيز للقيم الوطنية والديمقراطية. كما تسهم المحافظة على تراثه في تأريخ وتوثيق مرحلة النضال الفلسطيني المعاصر بجميع أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية المحلية والإقليمية والدولية." ولفت ستوم إلى أن المؤسسة تفتح أبوابها يوميا أمام الزائرين للاطلاع على إرث قائد أنبل وأشرف ثورة في التاريخ المعاصر. "هنا كان يجلس الرئيس عرفات" قال ستوم وهو يشير الى مكتب صغير خلفه كرسي، وأضاف أنه المكتب الخاص لأبي عمار. خلف المكتب علق علم كبير نقشت عليه الآية القرآنية "نصر من الله وفتح قريب"، وفي منتصف العلم على اللون الأبيض نقشت كذلك كلمة "القدس". "إنه مكتب صغير ومتواضع جداً" شرح المسؤول في "مؤسسة عرفات"، مشيرا إلى طاولة خشبية صغيرة وضعت فوقها جائزة نوبل للسلام التي حصل عليها الرئيس الشهيد." وأردف ستوم قائلا: "الجائزة الموجودة عبارة عن شهادة من الورق المقوى بدون الميدالية الذهبية التي لا ندري أين هي بعد استلامنا المنزل من قبل حركة "حماس". وسلّمت "حماس" منزل الشهيد عرفات إلى حركة "فتح" في عام 2015. في عام 1994 حصل الشهيد ياسر عرفات على جائزة نوبل للسلام بالاشتراك مع إسحق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، وشمعون بيريز وزير خارجيته الراحل. كما يوجد في المكتب صورة عن جواز السفر الخاص بالشهيد، وصورة مع أخيه الراحل الدكتور فتحي. شرفة صغيرة متاخمة لمكتب الرئيس حولت إلى معرض للصور تفّصل مراحل حياته المختلفة من طفولته إلى استشهاده. وأشار ستوم إلى خزانة زجاجية صغيرة تحتوي على بعض من الهدايا والدروع التي تلقاها "أبو عمار" من جهات مختلفة، كمجسم خشب حفر عليه "يا جبل ما يهزك ريح" تلك العبارة التي رددها الرئيس الشهيد في مناسبات وطنية عديدة لشحذ همم المواطنين، وما فتئت ترددها الأجيال من بعده. وزينت جدران تلك "الشرفة" رغم صغرها بعشرات الصور لشهداء اللجنة المركزية لحركة "فتح"، وشهداء ثورة البراق مثل: عبد القادر الحسيني، والمفتي محمد أمين، وعز الدين القسام، إضافة إلى صور أدباء وشعراء فلسطينيين كمحمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زياد. وفي رواق صغير علقت كوفية سوداء اللون بجانبها "عقال" يعتقد أنها تعود للرئيس الشهيد. وقال ستوم: "بعد استلام "فتح" المنزل وجدت معظم المقتنيات في أكياس." صور كثيرة علقت على جدران الممر المفضي إلى غرفة نوم "أبو عمار" منها القديم والحديث كرفقاء دربه في الثورة الفلسطينية وحصاره في مقر المقاطعة برام الله وجنازته في فرنسا، إلى جانب صور لمطار غزة الدولي. في غرفة نوم الرئيس الشهيد المتواضعة التي لفت جدرانها "ستائر" بنية اللون، لفت انتباهنا خزانة زجاجية صغيرة تضم الملابس الخاصة بمفجر الثورة كزيه العسكري وروب وعباءة سوداء اللون. وهنا بدد ستوم الصمت المخيم على المكان قائلاً: "إنها ملابس قليلة جدا وبسيطة". لفت انتباهي نسخة قديمة وكبيرة من القرآن الكريم بجوار مجموعة مصاحف أخرى وضعت على طاولة خشبية في إحدى زوايا الغرفة. تعود طباعة هذه النسخة من المصحف إلى ما قبل 114 عاما حينما أهدته وزارة الإعلام في القدس إلى الرئيس الشهيد في عام 1996. وأوضح ستوم وهو يشير الى نسخ من القرآن الكريم أن "أبو عمار" كان يتلو آياتها. على إحدى جدران غرفة النوم علقت صور عائلية للشهيد عرفات أبرزها وهو طفل برفقة أخته أنعام. في الجهة المقابلة لغرفة النوم صالة صغيرة توسطها طقم من الكنب البسيط بلونه الأحمر، تتوسطه طاولة سفرة صغيرة لتناول الأسرة طعامها، وبجوار الصالة حولت "شرفة" صغيرة إلى معرض لصور الرئيس الخالد مع فنانين عرب مشهورين التقطت جميعها في 1993. وصعدنا بعد ذلك الى الطابق الثاني من منزل "أبو عمار" وهو عبارة عن صالة لاستقبال كبار الضيوف والشخصيات يلف جنباتها كنب أبيض اللون، فيما علقت على جدرانه عديد الصور التقطت له برفقة زعماء وقادة عرب أبرزهم: جمال عبد الناصر، صدام حسين، الملك حسين بن طلال، حسني مبارك، زين العابدين بن علي، عمر البشير، الملك محمد السادس، سوار الذهب، معمر القذافي، حافظ الأسد، الملك فهد بن عبد العزيز، السلطان قابوس بن سعيد وعصمت عبد المجيد. وعلى سطح المنزل حول جزء منه إلى مكتبة تحتوي مئات الكتب والمراجع الثورية والعلمية المختلفة. وأشار ستوم، الى أن الكتب تختص بالثورة الفلسطينية وبالجوانب الثقافية والعلمية والشرطية والقانونية، لافتا الى طلبة جامعات وباحثين يزورون المكتب للاستفادة منها. وأضاف "أننا في "مؤسسة ياسر عرفات" نسعى لتطوير عمل المكتبة ورفدها بأمهات الكتب والمراجع." وقبل مغادرة المنزل اصطحبنا ستوم الى غرفة صغيرة خلف المنزل من الجهة الغربية حولت إلى ما يشبه المتحف الصغير تحتضن مئات الهدايا والتحف المتنوعة حصل عليها الرئيس الشهيد من جهات فلسطينية وعربية.
ha

التعليقات

للتذكير فحسب

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
ليس بوسعنا أن نصدق أن الخارجية الأميركية، لا تملك أرشيفها الخاص بالمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، التي دارت لسنوات كثيرة، والتي  تعرف من خلالها ان اسرائيل اليمين المتطرف، هي من جعل من هذه المفاوضات، مفاوضات عبثية وغير جادة، بعد أن اغتالت إسحق رابين وراحت تجهز تباعا على بنود اتفاقات أوسلو الانتقالية، واحدا تلو الآخر،  حتى لم تبق منها شيئا يذكر اليوم ..!!

وليس ثمة أحد في هذا العالم، لا في الخارجية الأميركية فقط، من لا يعرف حقيقة الموقف الفلسطيني الساعي لمفاوضات جادة  مع اسرائيل لتحقيق السلام الممكن، طبقا لقرارات الشرعية الدولية، واستنادا للرؤية الأميركية ذاتها التي قالت بحل الدولتين، وليس ثمة أحد أيضا في المجتمع الدولي من بات لا يعرف أن إسرائيل اليمين المتطرف، وحدها من لا يريد أية مفاوضات جادة، وبسياسة المماطلة والتسويف والتشريط اللاواقعي واللاموضوعي، والأخطر والأسوأ بسياسة الشره الاستيطاني،  من جعل من المفاوضات غير جادة تماما، ولا تستهدف غير إضاعة الوقت،  بل ولا تستهدف غير تدمير فرص السلام الممكن وقد تعددت غير مرة ...!!!

لا حقيقة أوضح اليوم، من حقيقة إسرائيل اليمين المتطرف، المناهضة لمفاوضات السلام الجادة، لا حقيقة أوضح من حقيقة تعطيلها للمفاوضات على نحو محموم ومأخوذ بالفكرة العنصرية، ومن لا يرى هذه الحقيقة فإنه لا يتعامى فقط عنها، وإنما لا يريد  للنزاهة أن تكون، ولا للعدل أن يتحقق، ولا للسلام أن يسود.

فلسطين بمشروعها الوطني، وبمصداقية ونزاهة خطابها وحراكها السياسي والدبلوماسي، لا تبحث ولا تسعى لغير المفاوضات الجادة التي توقف الاستيطان الشره، وتنهي الاحتلال،  وتحقق السلام العادل الذي ترفرف في فضائه رايات دولة فلسطين المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، ولا تخشى فلسطين في هذه الطريق، تهديدا ولا تقبل ابتزازا وحضورها في العالم لا يحده مكتب هنا أو هناك ، ونأمل من الخارجية الأميركية أن تراجع ارشيفها جيدا، وأن تقرأ التاريخ بتمعن ولعلنا نذكرها بصيحة بريجنسكي "باي باي منظمة التحرير"، الصيحة التي سرعان ما سقطت، وهي اليوم بمثابة عنوان للعبث السياسي الذي لا طائل من ورائه، غير مزيد من الصراع والضحايا.

ولا مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية أينما كان، يعادل الثوابت المبدئية الفلسطينية، فهو الذي يمثلها ويقول خطابها العادل، ولا يساوم عليها أبدا. المكتب محض مكان، وفلسطين بقضيتها العادلة أكبر من كل مكان، وأما طريق السلام تظل أبدا طريقا فلسطينية بالمفاوضات الجادة، التي لن تكون بغير الامتثال لقرارات الشرعية الدولية وبرعايتها لحظة الكيل بمكيال واحد، وحين تتفتح النزاهة بخطاب العدل والموضوعية، لا بخطابات التهديد التي طالما سمعنا الكثير منها ..!

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017