المصالحة الفلسطينية وهدفها الكبير

يحيى رباح
نحن فلسطينياً نعيش هذه الأيام في أجواء الذكرى، ذكرى الزعيم الخالد ياسر عرفات، وهي ذكرى تعود بنا إلى عناوين كبيرة، وأحداث خارقة، ومعاناة تفوق حدود التوقع، وإنجازات من مستوى المستحيل.

وعندما أطلق ياسر عرفات ورفاقه في فتح الثورة الفلسطينية المعاصرة، فهم وحدهم الذين كانوا يعرفون خطورة السر وأخطار الطريق، وحجم الحلم، بأنهم يطلقون قيامة شاملة وحضور ناري في وجه أبشع وأقسى وأكثر مرارة لواحدة من أعتى المؤامرات في تاريخ الإنسان ضد شعب من أقدم العناوين في العالم، بهدف إخراجه من التاريخ كأن لم يكن، وإخراجه من الجغرافيا باعتبار أن وجود زائد لا مكان له، مؤامرة تكتسب قوتها من قوة الموجة الاستعمارية العاتية التي كانت تحمل هذه المؤامرة ولأسباب يتداخل فيها عامل احتقار اليهود والرغبة في التخلص منهم، والبراءة من كل تراكم الإساءة إليهم، والتهيئة لاستخدامهم بأبشع شكل، وهذا ما أحس به القيادات الصهيونية حين صدر وعد بلفور الخسيس.

ومنذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة كفعل خارق، خارج التوقعات، استثنائي بكل معنى الكلمة، فإن آلاف من جوقات الضجيج، والعداء السافر، والتشويه المتعمد، انطلقت ضد شعبنا، لكن صورة الفلسطيني الجديد هي التي انتصرت في نهاية المطاف، وأصبح الفلسطيني حقيقة، حقيقة جميلة، أو حقيقة مشيطنة لبعضهم لا يهم، الشعب الفلسطيني صار حقيقة لا يمكن انكارها، ولم يمضِ يوم واحد من هذه السنوات دون أن تدبر له مكيدة، ضد اسمه وضد حضوره وضد فعالية هذا الحضور ولعل أرشيف الثورة الفلسطينية يحتوي على آلاف الصفحات من التآمر ضد هذه الثورة بأشكال مختلفة، محاولات اختراق، تجنيد، تهديد بإعدام الوجود، الطرد، الأسيجة القاتلة، لكن أخطر أنواع التآمر هي المؤامرة الأخيرة التي اشترك فيها شارون، وجهات عربية، والإخوان المسلمون وذراعهم في فلسطين، الشعب الفلسطيني منقسم، منقسم في وطن صغير متاح، وفي مهاجر كثيرة، كان جرح الانقسام كبيرا جدا، صاعقا، يخنق الروح، لأن وضعنا في علاقاتنا الوطنية كان أفضل وضع في العالم العربي والإسلامي من حولنا، فلماذا هذا الانقسام؟ وكيف تورط الفلسطينيون فيه؟ وكان المراد من قداحة اللانقسام أن نبيد بعضنا، أن نقتل عدل قضيتنا، أن ندخل المتاهة ولا نخرج بالمرة، ولولا عمق الحكمة، والقدرة على الصبر، ولولا الهزيمة الساحقة الماحقة التي حلت بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين على يد الشعب المصري ودولته العميقة وجيشه القوي وقيادته الطالعة من عمق أنسابه، لولا ذلك لحدثت فواجع كثيرة.

للمصالحة مآلات، وهي مآلات كبيرة، لأن الشعب الفلسطيني يحضر في كل حقوقه، وعدالته، وكفاءته في إدارة الصراع، وهو يحضر كحقيقة فاعلة ومتفاعلة، ولذلك لا أجد أي نوع من المفاجأة في العدد الكبير من جوقات الضجيج والتشويش والإساءة والعبثية التي تنطلق ضد المصالحة المتقدمة بثبات، والتي تحرسها الشرعية الفلسطينية والشرعيات العربية التي ذاقت الطعم المر للتآمر والعداء الذي يرتدي عباءات متعددة.

هناك حولنا من جندوا أنفسهم للشيطان، هناك ضاربو رفوف الحزن والفاجعة، هناك من يقول: إن الانقسام أغلى من أمه وأبيه، وهناك من لا يتحمل الحياة من دون الانقسام، لكن هؤلاء كلهم أبناء الخطيئة، وكلهم مهما ادعوا من قوة ليسوا سوى غبار الطريق.

المصالحة لها مآلات، حضور الشعب الفلسطيني مشاركا بما يستحق في صنع الحياة في هذه المنطقة من العالم، عبر ترسيخه في دولته، وعبر إمساكه بمصيره.

ha

التعليقات

اليقين الفلسطيني لا بد أن ينتصر

 كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

العنوان أعلاه هو ملخص خطاب اليقين الذي هيمن على اجواء مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس الذي يختتم أعماله اليوم في القاهرة، والسبب ليس هو الثقة المعرفية والإيمان العميق، عند احرار الأمة العربية والإسلامية والعالم اجمع، بحتمية انتصار الحق  الفلسطيني على الباطل الاسرائيلي فقط، كما اشارت كلمات الافتتاح لهذا المؤتمر جميعها، وليس لأن هذا المؤتمر يبحث عن خطوات عملية وجادة لدعم القدس وصمود اَهلها فحسب، وإنما أيضا لتجلي حقيقة الصلابة الوطنية الفلسطينية، وتمسكها بثوابتها المبدأية بصورة لا لَبْس فيها، والتي عكستها على نحو بليغ وحاسم (اللا) الكبيرة الي اطلقها الرئيس الزعيم أبو مازن بوجه الادارة الاميركية، لمواجهة وإسقاط قرارها الباطل بإعلان القدس الفلسطينية العربية عاصمة لدولة الاحتلال، والتي أعاد التأكيد عليها وتشديدها مرة اخرى بكلمته امام مؤتمر الأزهر العالمي في جلسته الافتتاحية صباح أمس.

وفِي هذا المؤتمر الذي يعد اكبر تظاهرة تضامن عملياتية مع القدس، ضد قرار الرئيس الاميركي ترامب حيث تشارك في أعماله اكثر من ست وثمانين دولة وهيئة ومنظمة وشخصية، عربية واسلامية ودولية، في هذا المؤتمر ومع هذا الحشد اللافت، تكشفت وتتكشف اكثر وأكثر حقيقة ورطة القرار الاميركي الباطل وحماقته، وليس لأن مؤتمر الأزهر الشريف برعايته الرئاسية المصرية، سينهي هذا القرار بما سيعلن في خاتمة أعماله، وإنما لانه الذي يؤكد بكلمات اليقين الإيمانية التي لا تدع للشك مكانا، ان القدس حقا وفعلا وواقعا خط احمر ومن يتجاوزه لن يلقى غير المهانة والخسران طال الزمن أم قصر.

انها القدس ليست درة التاج الفلسطيني فحسب، ولا هي زهرة المدائن الفلسطينية فقط، وإنما هي كذلك روح الانسانية في تطلعاتها النبيلة؛ لأنها مدينة ايمان وقداسة ومحبة وسلام للعالم اجمع.

انها فصل الخطاب، وخطاب الفصل بين الحق والباطل، ولان هويتها الفلسطينية والعربية قضية كل المنصفين والعقلاء في العالم، كما جاء في كلمة فضيلة الامام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين احمد الطيب، الذي له- حقا- من اسمه نصيب وقد جاء بالعالم كله تقريبا، ليقول كلمة حق بشأن القدس وأهلها المرابطين.

الفلسطيني يقينا لا بد ان ينتصر وهذه بالنص كلمات رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، صاحب موقعة طرد ممثل اسرائيل من اجتماعات البرلمان الدولي، وعلى نحوها بعبارات اخرى تكرس هذا اليقين في كلمات البابا تواضرس الثاني، بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والأمين العام للجامعة العربية احمد ابو الغيط، ووزير الشؤون الاسلامية في المملكة العربية السعودية صالح بن عبد العزيز آلِ الشيخ، والامين العام لمجلس الكنائس العالمي اولاف فيكس تافيت، ورئيس البرلمان العربي مشعل بن فهم السلمي. وبالطبع كانت كلمة مصر كلها تجاور هذه الكلمات وتتماهى معها، وتقول عباراتها ذاتها بهذا المعنى وذاك، وهي تحتضن بمنتهى الدفء والمحبة وحسن الضيافة وكرمها، الحاضرين مؤتمر الأزهر الشريف وقد جاءوا من مختلف أنحاء العالم لتتأكد حقيقة القدس الجامعة، ونصرتها هو المحك  للعمل الصالح في الدنيا لثواب الدنيا والآخرة.

 الأزهر الشريف... هذا هو الدور وهذه هي المكانة الأيقونة، للمثال والعمل بوسطية الاسلام السمحة وحيث لا تقوى بغير الانتصار لقضايا الحق والعدل، وهي مازالت منذ اكثر من مائة سنة قضايا فلسطين بقدسها وشعبها وامتها العربية، بمسلميها ومسيحييها، وبمحبيها من احرار العالم وعقلائه.. الأزهر الشريف لك من القدس تحية محبة واحترام وتقدير، ودعوة زيارة لصلاة وزمن يتعاظم عربيا وإنسانيا حتى يوم خلاصها الاكيد من ظلم الاحتلال وظلامه، وإنه ليوم قريب بإذن الله تعالى.

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018