ياسر عرفات في يابان التسعينيات

 يامن نوباني
لم يكن لياسر عرفات، أرض مستقر، لا في داخل حدود الوطن ولا في خارجه، لأكثر من أربعة عقود وهو يجول العالم، في زيارات رسمية وأخرى خاطفة وطارئة، متنقلا عبر دول العالم عبر طائرات الدول المساندة لفلسطين، وفي أحيان أخرى متنكرا كما حدث حين ارتدى زي عالم جزائري ليصل طرابلس عبر قارب بحري.
استغل عرفات كل زيارة وكل مدينة هبطت قدميه فيها، لشرح القضية الفلسطينية وحشد الرأي العام والقيادات السياسية لصالحها، حتى أنه في أثناء هبوطه الاضطراري في بعض العواصم التقى بزعماء وقادة تلك الدول.
"ياسر عرفات.. قصص وحكايا" كتاب صدر عام 2013 لسفير فلسطين في اليابان وكندا وروسيا الاتحادية في الأعوام 1983-2008 بكر عبد المنعم، يروي فيه مواقف ومشاهدات مع الراحل ياسر عرفات، في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، في العديد من بلدان ومدن العالم، تونس، واليابان، وغزة، واليمن، والصين، وكوريا الشمالية، وماليزيا، وأندونيسيا، وفيتنام، وواشنطن، ورفح.
ويقول عبد المنعم في تقديمه للكتاب: حضرت مع أبو عمار عشرات المؤتمرات الدولية والاجتماعات في مجالات شتّى، وطرت معه عشرات آلاف الكيلومترات، جالسا على المقعد الذي بجانبه. لكن بالرغم من كل ذلك لا أستطيع ادعاء أنه يؤهلني أن أكتب تاريخ الرجل.
وكانت أبرز الزيارات التي وثقها ورواها عبد المنعم بسرد ممتع، هي زيارة اليابان، في نهايات 1989 واستمرت حتى مطلع 1990.

صورة أبو عمار الفلسطيني على بطاقات هاتف في اليابان
لقد ساعدني كثيراً في عملي لفلسطين في اليابان أثناء قيامي بمهمتي هناك، ضمن أمور وأشياء كثيرة ساعدتني، ذلك التقدير والاحترام الكبيران اللذان يكنهما أبناء الشعب الياباني لعرفات، خاصة أولئك اليابانيين النشطاء في العمل التطوعي في الجمعيات والمؤسسات اليابانية غير الحكومية تضامناً مع نضال الشعب الفلسطيني.
من ذلك، مثلاً، مبادرتهم معي العمل على إصدار بطاقات اتصال للهاتف تحمل صورة عرفات، الشيء الذي لم يحدث قط لأي شخصية أخرى، تم إصدار ثلاث مجموعات من البطاقات، تحمل كل مجموعة منها صورة مختلفة لأبو عمار.
قامت شركة الهواتف اليابانية بإصدار وتسويق تلك البطاقات، ضمن سلسلة بطاقاتهم الجميلة التي يصدرونها من حين لآخر، التي عليها في العادة صورة جميلة لمعلم من المعالم اليابانية التاريخية أو الأثرية أو الهامة، أو صورة تحكي جمال الطبيعة اليابانية من زهور وحدائق وغابات "الساكورا".
لذلك صرتَ ترى آلاف اليابانيين وهم يحملون في محافظهم بطاقات الاتصال بالهاتف التي تزينها صورة الفلسطيني عرفات، بل زد على ذلك، إن الكثير منهم استمر بالاحتفاظ بتلك البطاقات للذكرى حتى بعد انتهاء مفعولها.

التلفزيون الياباني وعرفات
إن زيارة يقوم بها أبو عمار إلى أقصى شرق الأرض، إلى اليابان، هي بلا شك ليست كغيرها من زياراته لأي بلد آخر، وعليه كنت أشعر بأن هناك ضرورة ملحة للاستفادة من كل دقيقة من تلك الزيارة. لذلك عملت جاهداً أن يكون برنامجها حافلاً ومكثفاً. كنا ما أن نخرج من اجتماع حتى ندخل في لقاء، وما أن ننتهي من إجراء مقابلة تلفزيونية أو صحفية حتى ننتقل إلى حفل تضامني مع نضال الشعب الفلسطيني، كان من ضمن برنامج الزيارة مقابلة تلفزيونية على الهواء مباشرة، ضمن برنامج تلفزيوني جديد للمنوعات مشهور جداً لأحد أهم القنوات التلفزيونية اليابانية، ذلك البرنامج الموجه لشرائح عديدة من جماهير الشعب الياباني، يشاهده في العادة عشرات الملايين منهم، يستمر لساعتين كاملتين مساء كل يوم، من الساعة الثامنة حتى العاشرة.
تم الاتفاق مع المشرفين على ذلك البرنامج أن تخصص منه عشرون دقيقة لمقابلة تلفزيونية مباشرة على الهواء مع ياسر عرفات، وفي اللحظات الأخيرة من التحضيرات لإجرائها، جاء اعتذار من تلك القناة التلفزيونية بأنه ليس بإمكانهم إجراء تلك المقابلة في أحد الاستوديوهات بمبناهم الضخم، وذلك بناء على توصية من الأجهزة الأمنية اليابانية، بحجة أن ذلك المبنى يتكون من العشرات من الطوابق التي تحوي العديد من الصالات والاستوديوهات والغرف المفتوحة على بعضها البعض، لدرجة يصعب معها على الأمن الياباني القيام بترتيبات حماية ياسر عرفات اللازمة في فترة إجراء المقابلة.
المؤسسة الأمنية اليابانية اقترحوا علينا أن يتم إجراء المقابلة في أحد صالونات الجناح الذي يقيم فيه أبو عمار في مبنى الفندق، حيث إن الجناح محصن جداً من الناحية الأمنية، كان قد تم تخصيص كامل الطابق الذي يقيم فيه أبو عمار له ولأعضاء الوفد المرافق فقط، رغم أن عدد غرف ذلك الطابق هي أضعاف عدد أعضاء.
أضف إلى ذلك أنه تم الإغلاق التام لكامل الطابق الذي يعلو طابق أبو عمار، وطُبق كذلك نفس إجراء الإغلاق على الطابق الذي يقع تحت طابق الوفد. أما الغرفة المخصصة للأخ أبو عمار، فهي نفس الغرفة التي كانت أقامت فيها ملكة بريطانيا أثناء زيارتها لليابان، كانت تلك الغرفة ومعظم غرف ذلك الطابق الأخرى المجاورة لها محصنة ضد طلقات أعتى البنادق الرشاشة، بل إنها كانت محصنة أيضاً ضد بعض أنواع القذائف.
أعدّت القناة التلفزيونية، وأرسلت بسرعة، الطاقم الكامل لذلك من أقدر الفنيين والإداريين لديهم لإجراء المقابلة، وكان هذا الطاقم يتكون من ما مجموعه 47  شخصاً، زودتهم بكل ما يلزمهم من أجهزة وكاميرات ومعدات، بما في ذلك سيارة كبيرة مجهزة بأحدث أجهزة الإرسال التلفزيوني للبث المباشر على الهواء.
كما رتبت أن يقوم بإجراء المقابلة مع أبو عمار الدكتور "يايزو إيتاجاكي" الأستاذ الجامعي الياباني المتخصص الأشهر في موضوع تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، خاصة قضية فلسطين، وأحد أهم أصدقاء فلسطين في اليابان. فكانت قصة نجاح واختراق إعلامي كبير لفلسطين وقضيتها ولنضال شعبها في عيون ملايين المشاهدين اليابانيين.

عرفات وكايفو
كان السيد "توشيكي كايفو" رئيسا لوزراء اليابان أيام زيارة أبو عمار في العام 1990، والاجتماع برئيس وزراء دولة ما يُعتبر على مستوى عال من الأهمية، فما بالك حين يكون هذا الاجتماع مع رئيس وزراء اليابان، الدولة العظمى تكنولوجياً واقتصادياً ومالياً.
جرت العادة أن يتم مثل ذلك اللقاء في المكتب الخاص برئيس الوزراء الياباني بمقر رئاسة الوزراء. كما جرت العادة أن يسبق ذلك الاجتماع الرسمي لقاء قصير، مفتوح لوسائل الإعلام، في الصالون المؤدي إلى غرفة رئيس الوزراء. حيث يبدأ هذا الاجتماع القصير بالسلام والتحية أمام كاميرات التلفزيون والصحافة ودوائر الإعلام المختلفة الأخرى، ثم يجلس الضيف إلى جانب رئيس الوزراء، أمام ممثلي الإعلام والصحافة وكاميراتهم، ويدليان ببعض الكلمات المقتضبة جداً يلخصان فيها ما تعنيه تلك الزيارة لكل منهما، ثم يدلفان، مع بقية أعضاء الوفد، إلى غرفة رئيس الوزراء لإجراء المحادثات الرسمية.

حدث مثل هذا تماماً مع أبو عمار، عندما التقى رئيس الوزراء الياباني توشيكي كايفو.
ما أن جلسا، في الاجتماع القصير المفتوح، حيث كان يرتفع خلفهما علما اليابان وفلسطين، حتى بدأت أضواء كاميرات الإعلاميين تلمع حينها، وقبل أن تبدأ أية محادثات رسمية، سمعت السيد توشيكي كايفو، والبسمة تعلو ثغره، يقول للأخ أبو عمار باللغة الإنجليزية: أنه سيصبح، ابتداء من الغد، شخصاً مشهوراً، إذ إن كل العالم سوف يشاهدونه في الصور يجلس بجانب الرجل العظيم، السيد عرفات.
ـــــ

ha

التعليقات

للتذكير فحسب

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
ليس بوسعنا أن نصدق أن الخارجية الأميركية، لا تملك أرشيفها الخاص بالمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، التي دارت لسنوات كثيرة، والتي  تعرف من خلالها ان اسرائيل اليمين المتطرف، هي من جعل من هذه المفاوضات، مفاوضات عبثية وغير جادة، بعد أن اغتالت إسحق رابين وراحت تجهز تباعا على بنود اتفاقات أوسلو الانتقالية، واحدا تلو الآخر،  حتى لم تبق منها شيئا يذكر اليوم ..!!

وليس ثمة أحد في هذا العالم، لا في الخارجية الأميركية فقط، من لا يعرف حقيقة الموقف الفلسطيني الساعي لمفاوضات جادة  مع اسرائيل لتحقيق السلام الممكن، طبقا لقرارات الشرعية الدولية، واستنادا للرؤية الأميركية ذاتها التي قالت بحل الدولتين، وليس ثمة أحد أيضا في المجتمع الدولي من بات لا يعرف أن إسرائيل اليمين المتطرف، وحدها من لا يريد أية مفاوضات جادة، وبسياسة المماطلة والتسويف والتشريط اللاواقعي واللاموضوعي، والأخطر والأسوأ بسياسة الشره الاستيطاني،  من جعل من المفاوضات غير جادة تماما، ولا تستهدف غير إضاعة الوقت،  بل ولا تستهدف غير تدمير فرص السلام الممكن وقد تعددت غير مرة ...!!!

لا حقيقة أوضح اليوم، من حقيقة إسرائيل اليمين المتطرف، المناهضة لمفاوضات السلام الجادة، لا حقيقة أوضح من حقيقة تعطيلها للمفاوضات على نحو محموم ومأخوذ بالفكرة العنصرية، ومن لا يرى هذه الحقيقة فإنه لا يتعامى فقط عنها، وإنما لا يريد  للنزاهة أن تكون، ولا للعدل أن يتحقق، ولا للسلام أن يسود.

فلسطين بمشروعها الوطني، وبمصداقية ونزاهة خطابها وحراكها السياسي والدبلوماسي، لا تبحث ولا تسعى لغير المفاوضات الجادة التي توقف الاستيطان الشره، وتنهي الاحتلال،  وتحقق السلام العادل الذي ترفرف في فضائه رايات دولة فلسطين المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، ولا تخشى فلسطين في هذه الطريق، تهديدا ولا تقبل ابتزازا وحضورها في العالم لا يحده مكتب هنا أو هناك ، ونأمل من الخارجية الأميركية أن تراجع ارشيفها جيدا، وأن تقرأ التاريخ بتمعن ولعلنا نذكرها بصيحة بريجنسكي "باي باي منظمة التحرير"، الصيحة التي سرعان ما سقطت، وهي اليوم بمثابة عنوان للعبث السياسي الذي لا طائل من ورائه، غير مزيد من الصراع والضحايا.

ولا مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية أينما كان، يعادل الثوابت المبدئية الفلسطينية، فهو الذي يمثلها ويقول خطابها العادل، ولا يساوم عليها أبدا. المكتب محض مكان، وفلسطين بقضيتها العادلة أكبر من كل مكان، وأما طريق السلام تظل أبدا طريقا فلسطينية بالمفاوضات الجادة، التي لن تكون بغير الامتثال لقرارات الشرعية الدولية وبرعايتها لحظة الكيل بمكيال واحد، وحين تتفتح النزاهة بخطاب العدل والموضوعية، لا بخطابات التهديد التي طالما سمعنا الكثير منها ..!

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017