بانتظار اللقاء

الاسير جهاد قاسم ووالدته

هدى حبايب

كل صباح، تأخذ مجلسها المعتاد عند مدخل بيت ابنها الأسير جهاد رزق قاسم، قبالة جبال فلسطين الممتدة بقراها وبلداتها. تجلس تهدهد على حزنها، وتربت على قلبها المكلوم، وتؤانس وحشة حياتها، وتعاند جسدها الذي أنهكه المرض كي يتحمل وتصبر، عل أمل بلقاء ابنها الأسير منذ 17 عاما.

وتحلم الحاجة عائشة قاسم (أم نضال) في العقد الثامن من العمر، بأن تنحسر المسافة المكانية والزمانية كي تحتضن ولدها البعيد المحكوم بالمؤبد في سجون الاحتلال، فتشم فيه ذكرى ولدها الآخر الذي راح شهيدا.

أم شهيد وأسير، تستقبل الصباح بالأمل، تظل تتأمل المدى المفتوح أمام مدخل بيت ابنها الأسير جهاد، الذي بنته تحضيرا لعودته يوما ما، تجلس من الصباح إلى المساء، بلا يأس أو فتور همة، ترجو جسدها الذي يعيش على الأدوية ألا يخذلها قبل أن تحقق أمنيتها باحتضان ابنها البعيد. تقضي أيامها تحرس دموعها التي تنهمر بصمت طوال الوقت، ولسانها يردد الدعاء وراء الدعاء لعودة الغائب.

تعود "أم نضال" بذاكرتها إلى 17 عاما مضت على فراق جهاد الذي بلغ من العمر الآن (41 عاما)، وتنقل بين سجون الاحتلال واستقر به الحال ا في سجن "هداريم". تتذكر عندما اعتقله جنود الاحتلال بكمين نصبوه في مدينة طولكرم، وكيف قتلوا ابنها الأصغر نهاد خلال انتفاضة الأقصى ي آخر على مفترق الكفريات، وما تركه هذا المصاب الأليم عليها من حسرة وحنين وبكاء أرهق جسدها وجعله عرضة لأمراض مزمنة، تعجزها عن التحرك هنا أو هناك.

تقول "عمر الحسرة ما بتطلع من قلبي، بيروح الليل، وبيروح النهار، وهما بين عيوني، وهذا هو قلب الأم"، ولكن ما يهون عليها أن ابنها الأسير يتمتع بصحة جيدة ومعنويات عالية رغم ظروف الأسر، وتمكن من الحصول على درجة البكالوريوس في الحقوق، ويكمل الآن دراسة الماجستير بهمة عالية، لتضيف "الحمد لله كل ساعة وكل وقت".

تتألم بصمت عندما يأتي موعد زيارتها لجهاد، لعدم قدرتها على تنفيذها، بسبب وضعها الصحي، بعد أن كانت مداومة على زيارته، تغير الحال قبل ثلاث سنوات، فأصبحت تزوره كل 6 أو 7 شهور مرة واحدة، تارة بسيارة إسعاف وتارة أخرى بسيارة خاصة وعلى نفقتها، حيث آخر زيارة لها كانت قبل شهر من الآن، قرت عينها برؤيته، وسمعت حديثه وهو يشد من أزرها ويطلب منها ألا تحزن ولا تبكي لأن الفرج قريب بإذن الله.

ما زالت أم نضال تجلس مكانها لا تراوحه سوى فترة المساء، تتثاقل في العودة إلى منزلها، تعد ساعات الليل لحظة بلحظة، وما أن يشرق ضوء النهار حتى تعود مهرولة إلى مكان الانتظار، وحالها كحال آلاف أمهات الأسرى، الأمل يراودها دائما أن ابنها وجميع الأسرى سيخرجون من السجن، وكلها يقين بأن هذه المحنة ستنتهي، وتدعو الله دوما أن تلتقي ابنها قبل أن تفارق هذه الدنيا.

 

ــ

الصور المرفقة

ha

التعليقات

للتذكير فحسب

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
ليس بوسعنا أن نصدق أن الخارجية الأميركية، لا تملك أرشيفها الخاص بالمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، التي دارت لسنوات كثيرة، والتي  تعرف من خلالها ان اسرائيل اليمين المتطرف، هي من جعل من هذه المفاوضات، مفاوضات عبثية وغير جادة، بعد أن اغتالت إسحق رابين وراحت تجهز تباعا على بنود اتفاقات أوسلو الانتقالية، واحدا تلو الآخر،  حتى لم تبق منها شيئا يذكر اليوم ..!!

وليس ثمة أحد في هذا العالم، لا في الخارجية الأميركية فقط، من لا يعرف حقيقة الموقف الفلسطيني الساعي لمفاوضات جادة  مع اسرائيل لتحقيق السلام الممكن، طبقا لقرارات الشرعية الدولية، واستنادا للرؤية الأميركية ذاتها التي قالت بحل الدولتين، وليس ثمة أحد أيضا في المجتمع الدولي من بات لا يعرف أن إسرائيل اليمين المتطرف، وحدها من لا يريد أية مفاوضات جادة، وبسياسة المماطلة والتسويف والتشريط اللاواقعي واللاموضوعي، والأخطر والأسوأ بسياسة الشره الاستيطاني،  من جعل من المفاوضات غير جادة تماما، ولا تستهدف غير إضاعة الوقت،  بل ولا تستهدف غير تدمير فرص السلام الممكن وقد تعددت غير مرة ...!!!

لا حقيقة أوضح اليوم، من حقيقة إسرائيل اليمين المتطرف، المناهضة لمفاوضات السلام الجادة، لا حقيقة أوضح من حقيقة تعطيلها للمفاوضات على نحو محموم ومأخوذ بالفكرة العنصرية، ومن لا يرى هذه الحقيقة فإنه لا يتعامى فقط عنها، وإنما لا يريد  للنزاهة أن تكون، ولا للعدل أن يتحقق، ولا للسلام أن يسود.

فلسطين بمشروعها الوطني، وبمصداقية ونزاهة خطابها وحراكها السياسي والدبلوماسي، لا تبحث ولا تسعى لغير المفاوضات الجادة التي توقف الاستيطان الشره، وتنهي الاحتلال،  وتحقق السلام العادل الذي ترفرف في فضائه رايات دولة فلسطين المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، ولا تخشى فلسطين في هذه الطريق، تهديدا ولا تقبل ابتزازا وحضورها في العالم لا يحده مكتب هنا أو هناك ، ونأمل من الخارجية الأميركية أن تراجع ارشيفها جيدا، وأن تقرأ التاريخ بتمعن ولعلنا نذكرها بصيحة بريجنسكي "باي باي منظمة التحرير"، الصيحة التي سرعان ما سقطت، وهي اليوم بمثابة عنوان للعبث السياسي الذي لا طائل من ورائه، غير مزيد من الصراع والضحايا.

ولا مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية أينما كان، يعادل الثوابت المبدئية الفلسطينية، فهو الذي يمثلها ويقول خطابها العادل، ولا يساوم عليها أبدا. المكتب محض مكان، وفلسطين بقضيتها العادلة أكبر من كل مكان، وأما طريق السلام تظل أبدا طريقا فلسطينية بالمفاوضات الجادة، التي لن تكون بغير الامتثال لقرارات الشرعية الدولية وبرعايتها لحظة الكيل بمكيال واحد، وحين تتفتح النزاهة بخطاب العدل والموضوعية، لا بخطابات التهديد التي طالما سمعنا الكثير منها ..!

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017