"تل السكن".. إرث تاريخي يشكو مستهدفيه

غزة- زكريا المدهون- في عام 1998 كلفت السلطة الوطنية الفلسطينية بعثة فرنسية برئاسة خبير الآثار بير مروشيجي، للقيام بأعمال بحث وتنقيب في موقع "تل السكن" الأثري الواقع في منطقة الزهراء جنوب مدينة غزة، لكنه يتعرض هذه الأيام لأعمال تجريف وتخريب رغم قرار وزارة السياحة والآثار بتجريم ذلك. 
وزيرة السياحة والآثار رولا معايعة أكدت أمس، "أن كل أعمال التجريف والتخريب في تل السكن الأثري غير شرعية وسيتم ملاحقة المتسببين به من خلال القضاء الفلسطيني".
في الموقع الأثري الذي يعّد من أهم المواقع الأثرية والتاريخية في قطاع غزة بل في فلسطين، لا يسمع الا هدير آلات ثقيلة تقوم بتجريف الكثبان الرملية وتسويتها. 
يقع التل شمال وادي غزة الذي يبعد خمسة كيلو مترات جنوب مدينة غزة الساحلية، على تربة رملية كركارية، بارتفاع 30 مترًا عن سطح البحر، وتميز بالمناعة والحصانة بسبب التحصينات المعمارية التي أنشئت فيه على مدار التاريخ. 
يعود للعصر البرونزي: مؤرخون ومختصون يقولون: "إن تاريخ الموقع الأثري يعود إلى العصر البرونزي المبكر (3300-2300 ق.م)، وهو أقدم مركز إداري مصري محصن في فلسطين، وهو بمثابة المكان الرئيس للأعمال التجارية بين مصر والمناطق المجاورة لها".
وشهد التل مرحلتين مختلفتين من الاستيطان البشري وهما: الحضارة المصرية، والحضارة الكنعانية اللتان تعودان إلى أوائل العصر البرونزي المبكر. 
وأشارت وزيرة السياحة والآثار، إلى استمرار عمليات التدمير والتخريب في الموقع الأثري من قبل جهات وصفتها بـ "الخارجة عن القانون" رغم كل الجهود لوقف هذه الأعمال والحفاظ على الموقع؛ الذي يعّد أحد أهم المواقع الأثرية في فلسطين. 
معايعة شددت على أن هذه الأعمال لا تمت للشعب الفلسطيني وتاريخه وتقاليده وأعرافه المتمثلة بالحفاظ على التاريخ الفلسطيني والمواقع التاريخية والأثرية التي تحتضنها فلسطين على مر العصور، معتبرة من يمارسها أداة من أدوات الاحتلال لطمس الرواية الفلسطينية أمام زيف رواية الاحتلال الإسرائيلية بأحقيته في أرض فلسطين، عبر تدمير المواقع الأثرية والتاريخية في فلسطين. 
موقع "تل السكن" اكتشف كما تقول وزارة السياحة والآثار سنة 1998 أثناء بناء مجمع سكني فيه، حيث ظهرت بقايا كبيرة من الطوب اللبن، إضافة إلى معالم معمارية أخرى، والعديد من القطع الأثرية المتنوعة. 
لكن هناك روايات حسب مؤرخين تقول: "إن الموقع اكتشف لأول مرة عام 1931م، وصنفتها وقتها حكومة الاحتلال البريطاني ضمن المواقع الأثرية." 
وساعد اكتشاف التل في توضيح التاريخ القديم لغزة، وتطور العلاقات المصرية والكنعانية التي مرت بمراحل متعددة مثل: العلاقات التجارية، والعسكرية والإدارة، وذلك خلال الألفية الثالثة والرابعة قبل الميلاد. 
وزارة السياحة قامت بالتعاون مع المركز الوطني للبحوث العلمية الفرنسية عام 1999، للحفاظ على التل المهدد بالتدمير. 
وشددت معايعة على ضرورة إيقاف وبشكل كامل جميع الإجراءات التي من شأنها العمل على تدمير الموقع وإحداث أضرار لا يمكن إصلاحها، وذلك بعد أن اتخذت طواقم الوزارة جميع الإجراءات الطارئة التي من شأنها حماية الموقع من خلال تحديد مساحته وتسييجه بسياج حديدي يعمل على منع دخول كل من ليس له عمل رسمي إلى هذا الموقع، إلا أنه بعد عدة أيام عاد الخارجون عن القانون واعتدوا على طواقم الوزارة وأحدثوا فتحات في السياج الحديدي تسمح بدخول آليات ومعدات ثقيلة للموقع. 
وقبل شهر طالب متخصصون وأكاديميون في مجال التاريخ والآثار في جامعات قطاع غزة، بوقف أعمال التجريف في موقع "تل السكن" الأثري. واعتبر سبعة عشر أستاذا جامعيا، في بيان صحفي مشترك في ذلك الوقت، أن مواصلة أعمال التجريف في الموقع الأثري هو بمثابة جريمة حسب القانون الفلسطيني الخاص بالآثار القديمة. 
وتقدّر مساحة الموقع قبل بدء التعدي عليه بحوالي 200 دونم، لكنها بدأت بالتناقص بعد أن تم بناء جامعتين على أرضه خلال سنوات الانقسام.
في هذا الصدد، قال الخبير في مجال السياحة الدكتور عبد القادر حمّاد: "يعتبر موقع تل السكن من أقدم المواقع الاثريّة في غزّة يأتي بعده بألف عام تلّ العجول في العصر البرونزيّ الوسيط فلقد كانا بداية نشأة غزّة القديمة وبوّابة الحدود الجنوبيّة لمنطقة غزّة." 
وتقدّمت وزارة السياحة والآثار عام 2004، إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو" لإدراج 21 موقعاً في الضفة الغربية وقطاع غزة، منها موقع تل السكن حيث يُعد أكثرها أهمية. 
وأكد حمّاد، "لا شك أن اكتشاف التل منذ ذلك الوقت ساعد في توضيح صفحات من التاريخ القديم لفلسطين خاصة غزة، وتطّور العلاقات المصرية والكنعانية التي مرت بمراحل متعددة مثل: العلاقات التجارية، والعسكرية والإدارية، وذلك خلال الألفية الثالثة والرابعة قبل الميلاد". 
وأوضح "قد ساعدت الحفريات الأثرية في التل التي بدأت عام 1999م بالتعاون بين وزارة السياحة والآثار والمركز الوطني للبحوث العلمية الفرنسية على تحديد الملامح الرئيسة له والتأكد من تسلسل المراحل التاريخية التي مرت على المكان." 

القائم بأعمال البعثة الفرنسية للتنقيب عن الآثار في غزة فضل العطل، استنكر أعمال التجريف في موقع تل السكن الأثري، وقال:" المادة 17 من القانون الفلسطيني تؤكد أنه لا يحق لأية جهة أو أفراد القيام بأعمال تجريف أو تخريب لأي موقع أثري." 
وأضاف العطل في تصريح لـ "وفا"، "تم يوم أمس خرق الاتفاق واستئناف أعمال التدمير والتجريف لموقع تل السكن، ضاربين بعرض الحائط كل النداءات المطالبة بالحفاظ على هذا الموروث التاريخي." 
وتابع، قامت تلك الجهات بتحطيم السياج المحيط بالموقع الاثري بواسطة جرافات ضخمة. وبيّن أنه جرى اكتشاف الموقع الاثري عن طريق الصدفة عام 1998، لافتا الى أن أعمال التنقيب الفرنسية بدأت في المكان عام 2001 واستمرت لمدة عام. 
وقال العطل: "خلال أعمال التنقيب اكتشفت بعض القطع والجدران الأثرية، إضافة الى حبوب دلالة على القيام بأعمال تجارية في تلك الحقبة التاريخية." 
وتحدث الخبير في شؤون الآثار، عن أهمية موقع تل السكن، مشيرا الى أنه موقع برونزي يعود 3300 عام قبل الميلاد وهو أول استيطان بشري كنعاني جنوب فلسطين. 
ويضم الموقع حسب العطل عدة طبقات من الزمن البرونزي القديم والوسيط والحديث (العهد الكنعاني)، وأن الآثار الموجودة من الطين، ونادرا ما توجد آثار مصنوعة من البرنز.
وكشف عن وجود وُعود بضم موقع تل السكن الى لائحة "اليونسكو" للآثار في حال توقفت جميع أعمال التجريف والتخريب، منوها الى أنهم سينفذون عدة نشاطات تدعوا الى وقف تلك الأعمال. 
بدوره دعا حمّاد، الى تحويل هذه المنطقة لموقع أثرى وإعادة تأهيله ما يساعد على تنشيط السياحة الداخلية والخارجية وهذا يتطلب منع إقامة منشآت عمرانية مرتفعة بجانبه وترك مساحات إضافية خارج حرم الموقع لإقامة منشآت سياحية بجواره، وادراجه ضمن حملات التسويق السياحي التي يفترض أن تقوم بها الجهات ذات العلاقة. 
وأكد الخبير في السياحة، على أهمية الحفاظ على ما تبقى من مواقع اثرية كتل السكن الأثري باعتبار ان أية عملية للهدم أو البناء أو التجريف تقع عليه هي بمثابة كارثة وطنية بحق تاريخ وجغرافية فلسطين؛ الذي يسعى الاحتلال إلى العمل على هدمه وتزييفه وتزويره بكل الطرق، وهذا يتطلب تضافر جميع الجهود من أجل الحفاظ على التراث الوطني والتاريخي.

 

 

 

 

ha

التعليقات

للتذكير فحسب

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"
ليس بوسعنا أن نصدق أن الخارجية الأميركية، لا تملك أرشيفها الخاص بالمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، التي دارت لسنوات كثيرة، والتي  تعرف من خلالها ان اسرائيل اليمين المتطرف، هي من جعل من هذه المفاوضات، مفاوضات عبثية وغير جادة، بعد أن اغتالت إسحق رابين وراحت تجهز تباعا على بنود اتفاقات أوسلو الانتقالية، واحدا تلو الآخر،  حتى لم تبق منها شيئا يذكر اليوم ..!!

وليس ثمة أحد في هذا العالم، لا في الخارجية الأميركية فقط، من لا يعرف حقيقة الموقف الفلسطيني الساعي لمفاوضات جادة  مع اسرائيل لتحقيق السلام الممكن، طبقا لقرارات الشرعية الدولية، واستنادا للرؤية الأميركية ذاتها التي قالت بحل الدولتين، وليس ثمة أحد أيضا في المجتمع الدولي من بات لا يعرف أن إسرائيل اليمين المتطرف، وحدها من لا يريد أية مفاوضات جادة، وبسياسة المماطلة والتسويف والتشريط اللاواقعي واللاموضوعي، والأخطر والأسوأ بسياسة الشره الاستيطاني،  من جعل من المفاوضات غير جادة تماما، ولا تستهدف غير إضاعة الوقت،  بل ولا تستهدف غير تدمير فرص السلام الممكن وقد تعددت غير مرة ...!!!

لا حقيقة أوضح اليوم، من حقيقة إسرائيل اليمين المتطرف، المناهضة لمفاوضات السلام الجادة، لا حقيقة أوضح من حقيقة تعطيلها للمفاوضات على نحو محموم ومأخوذ بالفكرة العنصرية، ومن لا يرى هذه الحقيقة فإنه لا يتعامى فقط عنها، وإنما لا يريد  للنزاهة أن تكون، ولا للعدل أن يتحقق، ولا للسلام أن يسود.

فلسطين بمشروعها الوطني، وبمصداقية ونزاهة خطابها وحراكها السياسي والدبلوماسي، لا تبحث ولا تسعى لغير المفاوضات الجادة التي توقف الاستيطان الشره، وتنهي الاحتلال،  وتحقق السلام العادل الذي ترفرف في فضائه رايات دولة فلسطين المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، ولا تخشى فلسطين في هذه الطريق، تهديدا ولا تقبل ابتزازا وحضورها في العالم لا يحده مكتب هنا أو هناك ، ونأمل من الخارجية الأميركية أن تراجع ارشيفها جيدا، وأن تقرأ التاريخ بتمعن ولعلنا نذكرها بصيحة بريجنسكي "باي باي منظمة التحرير"، الصيحة التي سرعان ما سقطت، وهي اليوم بمثابة عنوان للعبث السياسي الذي لا طائل من ورائه، غير مزيد من الصراع والضحايا.

ولا مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية أينما كان، يعادل الثوابت المبدئية الفلسطينية، فهو الذي يمثلها ويقول خطابها العادل، ولا يساوم عليها أبدا. المكتب محض مكان، وفلسطين بقضيتها العادلة أكبر من كل مكان، وأما طريق السلام تظل أبدا طريقا فلسطينية بالمفاوضات الجادة، التي لن تكون بغير الامتثال لقرارات الشرعية الدولية وبرعايتها لحظة الكيل بمكيال واحد، وحين تتفتح النزاهة بخطاب العدل والموضوعية، لا بخطابات التهديد التي طالما سمعنا الكثير منها ..!

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017