ذاكرة تمحو ذاكرة

بقلم: حنان باكير  
يحق لي أن أدّعي تأسيس ذاكرة لي مع الأونروا. تلك المؤسسة التي قامت على أساس إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الذين اصطفاهم سوء طالعهم، ليكونوا قربانا، لإجرام عالمي، والى حين تطبيق قرارات الأمم المتحدة، في حقهم بالعودة الى ديارهم، والتعويض عن معاناتهم وتشريدهم. واليوم تحولت، أي مؤسسة الأونروا، الى مساهم في محاولة محو الذاكرة الجمعية للإنسان الفلسطيني.

بديهي التسليم، بأهمية الدور الثقافي والتعليمي، في توجيه دفة العقل والوعي لدى الشعوب. وبالتالي لا ننكر الدور العظيم للأونروا في تنشئة جيل من الأكاديميين الفلسطينيين، نبغوا وحققوا نجاحات مبهرة في العالم، صاعدين من رحم الوجع وخيام البؤس والفقر. ولا ننكر هامش الحرية الذي مُنح للمعلمين الفلسطينيين، والذي سمح في تنشئة جيل وطني يلهج باسم فلسطين مع بدء كل نهار دراسي. الآن ومن باب الظن بالسوء، أفهم أن الأمر، كان سياسة مدروسة، كوسيلة لتنفيس، أو تفريغ بعض الإحتقان النفسي الذي ضرب المجتمع الفلسطيني.

خبرتُ الأونروا تلميذة، وخبرتها مدرّسة. وكنت شاهدة على العديد من تحولاتها، منذ طفولتي الى حين تقديم استقالتي. مما لا أذكره، ولكني سمعت تواتر روايته في عائلتي، كيف أن أحد رجال السلطة اللبنانية، طلب من والدي، توظيف والدتي للتعليم في مدارس الأونروا، وقال بأنهم يبحثون عمن يجيدون فك الحرف، لتعيينهم مدرسين، فكيف بأمي الحاصلة على المتريكوليشن. استاء أبي من العرض قائلا: باطل علينا، صحيح، صرنا لاجئين، لكن ما منشغّل نساءنا! نحنا ميسورين، ومش محتاجين..

اعتدنا أن نبدأ يومنا الدراسي، في مدارس الأونروا، بنشيد فلسطيني، تارة يكون حزينا، وحينا يكون حماسيا. يتلوه قسم العودة، ويكون بالتوجه صوب الجنوب، باتجاه الوطن.. نردده رافعين أيدينا مؤكدين العهد بالولاء له، ونُشهد الله والتاريخ، بالإصرار على العودة!

اعتدنا إحياء مناسباتنا الوطنية الحزينة، ذكرى نكبة الـ 48، وعد بلفور، وتقسيم فلسطين.. ومسلسل المجازر، بدعم من معلمينا. ورفع العلم الفلسطيني أثناء تأدية الطقوس الوطنية، لم يكن ممنوعا.

إحدى الرحلات المدرسية، كانت الى تخوم الوطن المحتل، حيث الجنوب اللبناني، الذي لا ينفصل تواصلا ووجدانا عن امتداده الى وطن، كانت صورته ضبابية، وربما لم نتصوره وطنا يشبه سائر الأوطان، بل هو ضرب من أساطير أهلنا. رافقنا في الرحلة ثلاثة رجال غرباء عن المدرسة. لم يكن وعينا مدركا، من هم، وما سبب مرافقتهم لرحلة مدرسية. لاحقا عرفنا أنهم من رجالات السلطة اللبنانية، وإن لم أدرك حتى الان سبب وهدف رحلة، سمحت لنا بالإطلال على الوطن المغتصب، والتلويح له من بعيد.. مهما تكن أسباب الرحلة، تبقى عملا وطنيا، بإشراف سلطة لبنانية.

يوم عدت الى الأونروا مدرّسة، لحظت كم تغيّرت الأحوال، حين اصطدمت مع موجه اللغة العربية. لم يعجبني مقرر المحفوظات "القصائد"، ولا الموضوعات الإنشائية. فلم ألتزم كليا بالمقرر الذي اختاره الموجه. أدخلت قصائد محمود درويش، وراشد حسين، وأبو سلمى... ومن ضمن الموضوعات الإنشائية، أدخلت الطلاب، في أجواء كتابة تقارير صحفية، تتعلق بمناسبات وطنية أو اجتماعية آنية. ومن ضمنها تقارير عن قرية أو مدينة كل واحد.. الطبيعة، الحياة الاجتماعية، الأعياد.. فتعرف الطلاب على اكبر عدد ممكن من أسماء المدن والقرى الفلسطينية، بعد أن كانوا يسمّون أسماء مدن لبنانية، كصيدا وصور على انها مدن فلسطينية. أو يُعرّف الطلاب أنفسهم بأسماء المخيمات التي يعيشون فيها!

كان الصدام الثاني لي، حول مقرر التعليم الديني.. حيث تم اختيار سور وآيات وأحاديث، تتمحور وتتركز حول العقاب السماوي، وجهنم، والتفنن في أساليب التعذيب، واستبعد من المقرر، ما يتعلق بالمحبة والرحمة والتسامح.. لا حقا عندما تناقشت مع استاذ زميل في الموضوع، أجابني بكل عفوية وثقة: لولا ترهيب الناس بالجحيم، لما آمن أحد!!

واليوم بدأت الأونروا بحملة تشديد غير مسبوقة. يُمنع رفع العلم الفلسطيني في المدارس. تُمنع إقامة أي نشاط لمناسبة وعد بلفور أو تقسيم فلسطين.. ويمنع الحديث عن نكبة الـ 48، تماما كما الوضع في فلسطين المحتلة!! ويعاقب بالطرد كل معلم لا يلتزم بالتعليمات!! حملات محو الذاكرة، تتم على كافة المستويات، حتى الكلام.. تكميم الأفواه، الذي يحاربه العالم المتحضر، يصبح حلالا ومسموحا به، حين يتعلق الأمر بأكثر القضايا ظلما!

 

 

 

kh

التعليقات

اليقين الفلسطيني لا بد أن ينتصر

 كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

العنوان أعلاه هو ملخص خطاب اليقين الذي هيمن على اجواء مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس الذي يختتم أعماله اليوم في القاهرة، والسبب ليس هو الثقة المعرفية والإيمان العميق، عند احرار الأمة العربية والإسلامية والعالم اجمع، بحتمية انتصار الحق  الفلسطيني على الباطل الاسرائيلي فقط، كما اشارت كلمات الافتتاح لهذا المؤتمر جميعها، وليس لأن هذا المؤتمر يبحث عن خطوات عملية وجادة لدعم القدس وصمود اَهلها فحسب، وإنما أيضا لتجلي حقيقة الصلابة الوطنية الفلسطينية، وتمسكها بثوابتها المبدأية بصورة لا لَبْس فيها، والتي عكستها على نحو بليغ وحاسم (اللا) الكبيرة الي اطلقها الرئيس الزعيم أبو مازن بوجه الادارة الاميركية، لمواجهة وإسقاط قرارها الباطل بإعلان القدس الفلسطينية العربية عاصمة لدولة الاحتلال، والتي أعاد التأكيد عليها وتشديدها مرة اخرى بكلمته امام مؤتمر الأزهر العالمي في جلسته الافتتاحية صباح أمس.

وفِي هذا المؤتمر الذي يعد اكبر تظاهرة تضامن عملياتية مع القدس، ضد قرار الرئيس الاميركي ترامب حيث تشارك في أعماله اكثر من ست وثمانين دولة وهيئة ومنظمة وشخصية، عربية واسلامية ودولية، في هذا المؤتمر ومع هذا الحشد اللافت، تكشفت وتتكشف اكثر وأكثر حقيقة ورطة القرار الاميركي الباطل وحماقته، وليس لأن مؤتمر الأزهر الشريف برعايته الرئاسية المصرية، سينهي هذا القرار بما سيعلن في خاتمة أعماله، وإنما لانه الذي يؤكد بكلمات اليقين الإيمانية التي لا تدع للشك مكانا، ان القدس حقا وفعلا وواقعا خط احمر ومن يتجاوزه لن يلقى غير المهانة والخسران طال الزمن أم قصر.

انها القدس ليست درة التاج الفلسطيني فحسب، ولا هي زهرة المدائن الفلسطينية فقط، وإنما هي كذلك روح الانسانية في تطلعاتها النبيلة؛ لأنها مدينة ايمان وقداسة ومحبة وسلام للعالم اجمع.

انها فصل الخطاب، وخطاب الفصل بين الحق والباطل، ولان هويتها الفلسطينية والعربية قضية كل المنصفين والعقلاء في العالم، كما جاء في كلمة فضيلة الامام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين احمد الطيب، الذي له- حقا- من اسمه نصيب وقد جاء بالعالم كله تقريبا، ليقول كلمة حق بشأن القدس وأهلها المرابطين.

الفلسطيني يقينا لا بد ان ينتصر وهذه بالنص كلمات رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، صاحب موقعة طرد ممثل اسرائيل من اجتماعات البرلمان الدولي، وعلى نحوها بعبارات اخرى تكرس هذا اليقين في كلمات البابا تواضرس الثاني، بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والأمين العام للجامعة العربية احمد ابو الغيط، ووزير الشؤون الاسلامية في المملكة العربية السعودية صالح بن عبد العزيز آلِ الشيخ، والامين العام لمجلس الكنائس العالمي اولاف فيكس تافيت، ورئيس البرلمان العربي مشعل بن فهم السلمي. وبالطبع كانت كلمة مصر كلها تجاور هذه الكلمات وتتماهى معها، وتقول عباراتها ذاتها بهذا المعنى وذاك، وهي تحتضن بمنتهى الدفء والمحبة وحسن الضيافة وكرمها، الحاضرين مؤتمر الأزهر الشريف وقد جاءوا من مختلف أنحاء العالم لتتأكد حقيقة القدس الجامعة، ونصرتها هو المحك  للعمل الصالح في الدنيا لثواب الدنيا والآخرة.

 الأزهر الشريف... هذا هو الدور وهذه هي المكانة الأيقونة، للمثال والعمل بوسطية الاسلام السمحة وحيث لا تقوى بغير الانتصار لقضايا الحق والعدل، وهي مازالت منذ اكثر من مائة سنة قضايا فلسطين بقدسها وشعبها وامتها العربية، بمسلميها ومسيحييها، وبمحبيها من احرار العالم وعقلائه.. الأزهر الشريف لك من القدس تحية محبة واحترام وتقدير، ودعوة زيارة لصلاة وزمن يتعاظم عربيا وإنسانيا حتى يوم خلاصها الاكيد من ظلم الاحتلال وظلامه، وإنه ليوم قريب بإذن الله تعالى.

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018