جيلا جاملئيل .. اسرائيل في فلك عصر الانحطاط

بقلم: موفق مطر

تؤكد تصريحات مسؤولين اسرائيليين كبار تحليق عقليتهم السياسية في فضاء العصور الوسطى، حيث كانت المنطلقات الدينية ومقتضيات أمن السلطان (الملك) وقدرته على السيطرة وديمومتها على الجغرافيا واقامة سلطته على الناس بالإكراه، ملامح رئيسة للدولة الدينية حيث كان قد وظف الدين لخدمة الملوك المأخوذين برغبة السيطرة وإخضاع الآخرين، وسفك الدماء تحت عنوان الانتصار للعقيدة  التي كانوا وما زالوا يصوغونها بأقلام أطماعهم وأهوائهم واستجابة لنزعة الاستبداد.

قد يكون مناسبا الرد على جيلا جاملئيل وزيرة  المساواة  الاجتماعية في حكومة نتنياهو بالقول لها: نعتقد ان اليهود المؤيدين لمشروعكم الاستعماري الاستيطاني  أغنياء، وأموالهم المستثمرة في الجريمة التي تمارسونها ضد الانسانية، بالاحتلال والاستيطان، وتصنيع الفتن والحروب في العالم  قادرة على تحويل اي صحراء في العالم الى جنة، هذا ان قبل واحد من هذا العالم التنازل لكم عن موطئ قدم في صحراء بلاده، مثلنا نحن الفلسطينيون، فكل جنات الدنيا لن نقبلها كبديل عن موطئ قدم في فلسطين، اما سيناء التي اقترحت ان تكون مكانا للدولة الفلسطينية، فإنها جزء لا يتجزأ من أرض الشقيقة مصر  العربية،  التي هي جزء لا يتجزأ من الوطن العربي، وكل متر مربع فيها مقدس كما كل متر مربع من جبال القدس، وسهل مرج إبن عامر وصحراء النقب.

 لا يبدو كلام الوزيرة الخارجة على قوانين المساواة والعدالة الانسانية مجرد هلوسة، وانما استحضار لأفكار ومشاريع كانت قد طرحت بعد حوالي سبع سنوات على اعلان انشاء اسرائيل في العام 1948، ولم تفلح اسرائيل والدول المساندة لها حينها، والتي شنت الحرب على مصر في العام 1956 من تمرير هذا المشروع، ورغم محاولة رئيس جماعة الاخوان المسلمين محمد مرسي نبش قبره، وبث الحياة في عظامه المهترئة.

قالت جاملئيل: "إن الاعتراف بالدولة الفلسطينية فكرة خطيرة لإسرائيل"، وقالت ايضا: "من  المستحيل إقامة دولة فلسطينية بين النهر والبحر". واضافت: "إن المنطقة بين نهر الأردن والبحر المتوسط، لا يمكن أن تكون إلا لدولة "إسرائيل"؛ لأسباب آيديولوجية ولأسباب أمنية".

هذا تصريح واضح لايقبل الشك أبدا، كما لا يقبل التأويل في أن النظام السياسي في دولة الاحتلال (اسرائيل) يدور في فلك القرون الوسطى، وعصور الانحطاط التي مرت على الانسانية، فكلامها بالأمس اقرار بذلك، فهي تنسف كل مبادئ الفكر السياسي الانساني الحديث، والقواعد التي ترتكز عليها الأمم الحضارية في ابراز الدولة بمفهومها المعاصر المنسجم مع  الحقوق التاريخية والطبيعية والسياسية والانسانية لأي شعب في العالم، امتلك مقومات الدولة، اذ لا يوجد شعب في العالم لا يمتلك ارضا تخصه وسلطة قانونية هي في المحصلة دولته، وهذا ينطبق على الشعب الفلسطيني، اما أقوال الوزيرة جاملئيل، فهو يعيد للأذهان فكرة الجريمة التاريخية لبريطانيا العظمى المتمثلة في وعد بلفور، وعندما ارهصت وهيأت الأسباب لإنشاء دولة على اساس ديني (دولة لليهود في فلسطين) أو ما سماه بلفور وطنا قوميا لليهود في ارض الشعب الفلسطيني الذي حرم منها بواقع الرؤية الاستعمارية، لتسير بريطانيا في ذلك الوقت في عكس اتجاه المنهج التحرري والفكري  والثقافي لشعوب اوروبا، ولتستكمل منظومة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني هذا الدوران الذي نراه معاكسا لحركة الكون الانساني وقوانينه  وجاذبية الاستقرار والسلام المنشود لدى شعوب العالم  الحضارية المشبعة بالأفكار والقيم الانسانية النبيلة.

تعرف جاملئيل أن ما بين النهر والبحر هو فلسطين التاريخية والطبيعية، الوطن والحق الطبيعي للشعب الفلسطيني، وأن اقرارها بالحاجة الأمنية والايديولوجية كسببين رئيسين ترتكز عليهما في موقفها الرافض  لدولة فلسطينية، وتكريس ما سمته السيادة الاسرائيلية على ارض فلسطين  التاريخية، انما هو انغماس حتى مافوق الأنف في ظاهرة الارهاب في المنطقة ، حيث يروج لدعاية الدولة الدينية، التي يجب انشاؤها بالقوة على كل شعوب المنطقة، وتعداها الى حد  القول (بغزو اوروبا في عقر دارها) وفرض السيادة عليها  واخضاع سكانها لسلطان هؤلاء المجرمين، حتى وان اقتضى الأمر ابادة السكان الأصليين او تهجيرهم  او تشريدهم أو نفيهم الى أصقاع  واراض في الدنيا غير أراضيهم واوطانهم التي ماعرفوا غيرها في التاريخ الذي خط اسفاره أجدادهم الأولون .. ما يعني وبكل بساطة أن الجامع بين أدمغة الجماعات الارهابية الدولية، وجماعة الحكم في اسرائيل  حبل سري، لا يهمنا تشخيص ايهما الرحم ألأصلي أو أيهما المولود، بقدر ما يجب ان يعرف العالم ، أن قبوله بدولة اسرائيل اليهودية من النهر الى البحر  كما تدعي جملئيل تعني الاذن والمشروعية بعودة العالم الى عصور الانحطاط، وتفجر أنهار الدماء الانسانية  البريئة. 

 

 

kh

التعليقات

اليقين الفلسطيني لا بد أن ينتصر

 كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

العنوان أعلاه هو ملخص خطاب اليقين الذي هيمن على اجواء مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس الذي يختتم أعماله اليوم في القاهرة، والسبب ليس هو الثقة المعرفية والإيمان العميق، عند احرار الأمة العربية والإسلامية والعالم اجمع، بحتمية انتصار الحق  الفلسطيني على الباطل الاسرائيلي فقط، كما اشارت كلمات الافتتاح لهذا المؤتمر جميعها، وليس لأن هذا المؤتمر يبحث عن خطوات عملية وجادة لدعم القدس وصمود اَهلها فحسب، وإنما أيضا لتجلي حقيقة الصلابة الوطنية الفلسطينية، وتمسكها بثوابتها المبدأية بصورة لا لَبْس فيها، والتي عكستها على نحو بليغ وحاسم (اللا) الكبيرة الي اطلقها الرئيس الزعيم أبو مازن بوجه الادارة الاميركية، لمواجهة وإسقاط قرارها الباطل بإعلان القدس الفلسطينية العربية عاصمة لدولة الاحتلال، والتي أعاد التأكيد عليها وتشديدها مرة اخرى بكلمته امام مؤتمر الأزهر العالمي في جلسته الافتتاحية صباح أمس.

وفِي هذا المؤتمر الذي يعد اكبر تظاهرة تضامن عملياتية مع القدس، ضد قرار الرئيس الاميركي ترامب حيث تشارك في أعماله اكثر من ست وثمانين دولة وهيئة ومنظمة وشخصية، عربية واسلامية ودولية، في هذا المؤتمر ومع هذا الحشد اللافت، تكشفت وتتكشف اكثر وأكثر حقيقة ورطة القرار الاميركي الباطل وحماقته، وليس لأن مؤتمر الأزهر الشريف برعايته الرئاسية المصرية، سينهي هذا القرار بما سيعلن في خاتمة أعماله، وإنما لانه الذي يؤكد بكلمات اليقين الإيمانية التي لا تدع للشك مكانا، ان القدس حقا وفعلا وواقعا خط احمر ومن يتجاوزه لن يلقى غير المهانة والخسران طال الزمن أم قصر.

انها القدس ليست درة التاج الفلسطيني فحسب، ولا هي زهرة المدائن الفلسطينية فقط، وإنما هي كذلك روح الانسانية في تطلعاتها النبيلة؛ لأنها مدينة ايمان وقداسة ومحبة وسلام للعالم اجمع.

انها فصل الخطاب، وخطاب الفصل بين الحق والباطل، ولان هويتها الفلسطينية والعربية قضية كل المنصفين والعقلاء في العالم، كما جاء في كلمة فضيلة الامام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين احمد الطيب، الذي له- حقا- من اسمه نصيب وقد جاء بالعالم كله تقريبا، ليقول كلمة حق بشأن القدس وأهلها المرابطين.

الفلسطيني يقينا لا بد ان ينتصر وهذه بالنص كلمات رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، صاحب موقعة طرد ممثل اسرائيل من اجتماعات البرلمان الدولي، وعلى نحوها بعبارات اخرى تكرس هذا اليقين في كلمات البابا تواضرس الثاني، بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والأمين العام للجامعة العربية احمد ابو الغيط، ووزير الشؤون الاسلامية في المملكة العربية السعودية صالح بن عبد العزيز آلِ الشيخ، والامين العام لمجلس الكنائس العالمي اولاف فيكس تافيت، ورئيس البرلمان العربي مشعل بن فهم السلمي. وبالطبع كانت كلمة مصر كلها تجاور هذه الكلمات وتتماهى معها، وتقول عباراتها ذاتها بهذا المعنى وذاك، وهي تحتضن بمنتهى الدفء والمحبة وحسن الضيافة وكرمها، الحاضرين مؤتمر الأزهر الشريف وقد جاءوا من مختلف أنحاء العالم لتتأكد حقيقة القدس الجامعة، ونصرتها هو المحك  للعمل الصالح في الدنيا لثواب الدنيا والآخرة.

 الأزهر الشريف... هذا هو الدور وهذه هي المكانة الأيقونة، للمثال والعمل بوسطية الاسلام السمحة وحيث لا تقوى بغير الانتصار لقضايا الحق والعدل، وهي مازالت منذ اكثر من مائة سنة قضايا فلسطين بقدسها وشعبها وامتها العربية، بمسلميها ومسيحييها، وبمحبيها من احرار العالم وعقلائه.. الأزهر الشريف لك من القدس تحية محبة واحترام وتقدير، ودعوة زيارة لصلاة وزمن يتعاظم عربيا وإنسانيا حتى يوم خلاصها الاكيد من ظلم الاحتلال وظلامه، وإنه ليوم قريب بإذن الله تعالى.

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2018