في قلب فردوس الدنيا

جميل ضبابات

تقول الأسطورة الصينية إن فتى يدعى شو شيان وجد في بحيرة أفعى صغيرة، لكن عائلته أجبرته على التخلي عنها، وبعد سنوات وأثناء عاصفة قوية هبت على مدينة هانغتشو تحولت الأفعى إلى فتاة جميلة تدعى باي نيانج وبحثت عن الشاب. وقعت بحبه من النظرة الأولى وتزوجا سريعا.

إلا أن راهبا باعد بين الزوجين المحبين، ظنا منه أن الفتاة ليست إلا روحا شريرة، وحتى تثبت باي نيانج حبها لشو شيان تخلت عن قوتها لتصبح بشرية بالكامل.

حدث كل ذلك هنا على أطراف هذه البحيرة.

لكن صورة بحيرة الغرب الأسطورية القديمة، ليست بعيدة عن صورة هذا المساء.

يشق قارب خشبي عمق البحيرة التي يغلفها الضباب وعلى متنه شاب وشابة غرقا في تأمل الشاطئ البعيد.

فبسبب تلك القصة المثيرة التي ما زال سكان المدينة الواقعة جنوب شرقي الصين يرددونها حتى اليوم، أصبحت بحيرة الغرب مكانا لالتقاء العاشقين والسياح من كل أنحاء الأرض وزعماء الدول الكبرى.

"اهلا بكم الى جنة الارض" يقول تشارلز شن وهو دليل سياحي محلي. "هنا مشى الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون. وكان يشير الى ممر يعبره السياح والزوار المحليون ويطل على البحيرة التي تتلاشى ملامحها تحت تأثير الأضواء الملونة التي يغلفها الضباب.

لكن ريتشارد نيكسون الذي تظهر صوره في ارشيف الصحافة العالمية لم يكن عاشقا في ذلك الوقت، لكنه كما يقال هنا اختار زيارة اجمل مدن الارض مكان اسطورة الافعى البيضاء التي تحولت عام 1958 الى فيلم عالمي تحت اسم (حكاية الثعبان الابيض).

هانغتشو هذا المساء تفصح عن جمالها بكل الوسائل؛ اضواء ليزرية تتكور وتمتد على اطراف البحرية.

يتردد ذلك على ألسن الزوار محليين واجانب. فعلامات الثناء على الجمال الذي يأخذ الالباب يمكن فهمها حتى وان لم تترجم من اللغات المختلفة.

وتقع البحيرة التي تلفظ باللغة الصينية شي هو الى الغرب من المدينة التي تشير الاحصاءات الاخيرة الى ان عدد سكانها وصل الى 10 ملايين نسمة.

ومسطح صغير نسبيا من الماء تصل مساحته الى 6.5 كم مربع واختير عالميا كواحد من افضل 12 موقعا لمشاهدة غروب الشمس على مستوى الارض، يحفل بكم هائل من القصص الكبيرة.

يشير الارشيف الى ان نيكسون تمشى هنا في شباط فبراير عام 1972، ومن شدة البرد وضع كفيه في جيوب معطفه، كما يظهر.

لكن موسم البرد الحقيقي الذي تتحول فيه المنطقة الى كتلة من الثلج الابيض لم يبدأ بعد.

يقول الصينيون في مثل قديم "هناك جنة في السماء، وجنة الأرض هانغتشو". وتقع البحيرة الغربية في قلب هانغتشو التي تعتبر واحدة من أغنى مدن الصين، كما تشير البيانات الكثيرة.

وفيها أسس جاك ما علي بابا دوت كوم اكبر موقع صيني للتجارة الإلكترونية، بلغات متعددة.

إنها هذا المساء دنيا من الخيال الساحر.

عندما يقود صاحب أحد القوارب الخشبية التي أعدت خصيصا لنقل السياح من طرف البحيرة الى طرفها، يصعب معرفة فيما اذا كانت اليابسة تحيط بالماء ام الماء يحيط باليابسة.

عرفت المدينة لعدة قرون بأنها مدينة الحرير والشاي. "هنا اجود انواع الشاي" يقول تشارلز.

وتحيط تلال خضراء من المزروعات البحيرة من ثلاثة اتجاهات. ويسري مثل عند الصينيين خلدته مأثوراتهم حول البحيرة، فيقولون "نحن ذاهبون لأكل الشاي على الضفاف" وهم بذلك يشيرون الى صنف من الشاي تنقع اوراقه وتؤكل.

لكن اقتصاد المدينة شهد تحولا كبيرا، فالسياحة وصناعة التكنولوجيا المتقدمة تقدمتا على زراعة الشاي وحياكة الحرير.

كل من يحمل عملة فئة اليوان، يستطيع ان يقلبها ويرى على وجهها الاول باني الصين الحديثة ماو، وعلى الوجه الثاني هانغتشو وبحيرتها التاريخية التي تعد عمود صناعة السياحة.

تشير إحصاءات صينية متقاربة إلى أن 11 مليون سائح يزورون المدينة. ويجزم تشارلز ان معظمهم يأتي الى هناك لزيارة البحيرة.

تنتظم صفوف الأشجار على أطراف البحيرة وبين كل صفين متوازيين طرق للمارة يستطيعون عبرها عبور جسور تقسم البحيرة إلى أجزاء.

من هنا لم يكن بالإمكان استطلاع الشمس. في نهار الثلث الاخير من تشرين الثاني القصير كانت الشمس قد سقطت وراء تلال الشاي الخضراء التي تلاشت ايضا في الظلام.

ويظهر احد الرسامين الغربيين يرسم الحد الفاصل بين النهار والليل.

البحيرة فخر هانغتشو.

ففي مواقعهم الالكترونية المكتوبة بلغات غير صينية يضع الصينيون البحيرة على رأس قائمة المواقع السياحية في بلدهم.

" زرتها مرة" تقول صحفية في جريدة نينغبو اليومية وعرفت على اسمها "العصفور الذهبي".

ويردد آخرون بفخر زيارتهم لهذه البحيرة.

تحظى هانغتشو بديناميكية كبيرة، لكنها تمزج بين الماضي السحيق والحاضر والتطلع الى المستقبل.

فالسياحة الى البحيرة واحدة من علامات ربط الأسطورة بالواقع. فسطح المياه الفضي والتلال ذات الأشجار المورقة والقوارب الخشبية الصينية التي تنتظر عابري المساء هي ذاتها علامات الماضي الأسطوري.

لكن الأضواء الليزرية المتساقطة على أطراف البحيرة الاسطورية واحدة من علامات التكنولوجيا الحاضرة بقوة هنا.

" انها جميلة" قالت الفتاة التي تعرف عن نفسها لوسي وهي موظفة في قطاع حكومي كانت تغرق في حزمة كبيرة من الاضواء الملونة قرب احد جسور البحيرة القديمة "انها جميلة. زرتها في الطفولة مرة وازورها هذا المساء".

تعد هانغتشو واحدة من سبع عواصم للصين القديمة. لكنها اخدت ألقابها الخاصة القديمة فهي عاصمة الشاي والحرير.

وحري بها عاصمة لقب عاصمة السياحة الحديثة في الصين التي تقول الإحصاءات إن نحو 150 مليون سائح يزورها سنويا.

وتسعى البلد التي تتطلع الى ان تكون وجهة سياحية على مدار الفصول الى توسيع مقومات السياحة لديها.

ذاتها هانغتشو تخدمها بنية تحتية تضمن الوصول إليها عبر كل وسائل النقل البحرية والجوية والارضية.

كان تشارلز قد احضر مجموعة من الصحافيين من مطار هانغتشو شياوشان الدولي الذي يتنقل به نحو 32 مليون عبر سنويا.

قال الشاب "هذه مدينة جميلة، 60? من مساحتها خضراء، لكنها تختلف عن مدن الصين لأن هناك بحيرة صغيرة فيها هي اجمل بحيرات الكون".

من بعيد امكن مشاهدة عناصر جمال هذه البحيرة التي وصفها المستكشف الايطالي في القرن الثالث عشر ماركو بولو بـ"المدينة الاكثر سحرا في العالم".

ولأن فيها نحو 130 نهرا يلقبها الصينيون اليوم ببندقية الشرق، في اشارة الى تلك المدينة الايطالية التي خرج منها بولو.

كانت البحيرة بحيرة منذ آلاف السنين، هكذا يقول الصينيون. لكن مفردات الحياة في محطيها هي تراكم لسحر اعده الصينيون بأنفسهم عبر اسر حاكمة لهذه المدينة.

فبناء الجسور المعلقة فوق الماء، والمعابد المعلقة فوق الجبال ما زال يذكر بالتاريخ. اما علامات المستقبل فتظهر في تجديد كل ما يمكن تجديده هنا.

ان تلك العلامات هي زهور اللوتس التي ذبلت في هذا الخريف، بانتظار الربيع القريب.

في العام 2011 اعلنت منظمة اليونسكو انها وضعت البحيرة على قائمة التراث العالمي.

يمكن قراءة بيان المنظمة الدولية على موقعها ويتضمن الربط بين الماضي والحاضر. هي بحيرة ألهمت الشعراء والفنانين والعلماء من القرن التاسع. انها بحيرة اثرت في تصميم الحدائق ليس في الصين فقط، إنما في اليابان وكوريا على مر العصور.

كانت الحدائق التي يتغير لونها بين ساعة واخرى تحت الاضواء الاصطناعية قد شكلت في بداية الليل ملاذا جيدا للباحثين على انعكاس صورة الاغصان على صفحة المياه التي ركدت شيئا فشيئا بعد ان رست القوارب في مواقفها.

وحسب بيانات صينية رسمية، فإن هانغتشو تضم ست حدائق غابية على مستوى الدولة وهي حديقة بحيرة تشياندو، وجبل داتشي، وجبل وو تشاو، ونهر فوتشون، وبحيرة تشينغشان، وغابة ياولين إلى جانب حديقة شي شي للأراضي الرطبة على مستوى الدولة .

هنا فوق الجسر الذي يربط مسطحين من مسطحات البحيرة الكثيرة، يمكن الاستدلال على بعض تلك الحدائق.

والبحيرة تغرق في الليل. والضوء يغلف اليابسة والماء.

ha

التعليقات

سلاما أيها الزعيم

كتب: رئيس تحرير صحيفة "الحياة الجديدة"

قدم الفلسطينيون كعادتهم لحظة المواجهة والتحدي، ومنذ الاعلان القبيح للرئيس الأميركي ترامب، قدموا وسيقدمون الدم الطاهر دوما (ستة شهداء ومئات الجرحى حتى الآن) دفاعا لا عن المقدسات الاسلامية والمسيحية، في عاصمتهم القدس المحتلة فحسب، وانما ايضا دفاعا عن كرامة الأمة العربية وعزتها، التي أراد الرئيس الأميركي بتوقيعه الاستعراضي المتغطرس على اعلانه القبيح، ان يطعنها في صميم مشاعرها وقيمها المقدسة.    

 وفي الوقت ذاته قدم رئيسهم رئيس دولة فلسطين، الزعيم أبو مازن في القمة الاسلامية الطارئة التي عقدت في اسطنبول الأربعاء الماضي، قدم كلمة الفصل للعالم أجمع، كلمة الدم الفلسطيني الطاهر ذاته، في خطاب تاريخي عز ويعز نظيره في خطب السياسة العربية والاسلامية والدولية، الخطاب الذي تجلت فيه وبصوت الحق والحقيقة، الطبيعة النضالية الفلسطينية، بسلامة رؤيتها، وصلابة موقفها، وعلى نحو لا يقبل أي تأويل مخاتل، وبقدر ما كان الخطاب خطاب الحسم والتحدي في مواقفه وقراراته، بقدر ما كان خطابا للمقاومة، بكل ما في هذه الكلمة من معنى: فاذا كان وعد بلفور المشؤوم قد مر، فإن وعد ترامب لن يمر أبدا".

لا بل ان حقيقة الخطاب التاريخي للرئيس أبو مازن أبعد من ذلك، انه خطاب المواجهة الأشمل، وقد أخرج الولايات المتحدة من دور الراعي والوسيط في العملية السياسية، بكلمة (لا) كبيرة وواضحة وحاسمة، لا لهذا الدور بعد الآن، وقد ثبت خواؤه من كل نزاهة وموضوعية، وهي الكلمة التي ما زال البعض لا يجرؤ التقرب منها حتى في أحلامه..!! وليس هذه الكلمة فحسب، وانما كذلك كلمة واقع الحال الذي على الأمة العربية والاسلامية، مجابهته قبل فوات الأوان، بواقعية الرؤية النضالية وبرامج عملها، لتحرر ما هو محتل من أراضيها، ولتحقق الهزيمة الشاملة للارهاب، وتعيد الأمن والاستقرار لبلدانها، وتؤمن مستقبل الحرية والكرامة لشعوبها، وتقيم السلام العادل في هذه المنطقة.

انه خطاب المسألة العربية في متطلباتها السيادية، وخطاب المسؤولية الدولية في رؤيتها الانسانية وتطلعاتها النبيلة، وبالطبع وقبل ذلك انه خطاب الذات الفلسطينية، التي لا تخشى تهديدا، ولا تنحني لغطرسة العنصرية وعدوانيتها، وسبق للزعيم الخالد ياسر عرفات ان صاح "شهيدا شهيدا شهيدا"، وما من صيحة في خطاب الرئيس أبو مازن غير هذه الصيحة الآن، لطالما القدس تظل أبدا اساس المشروع الوطني درة التاج لدولة فلسطين عاصمة وحاضرة للعدل والحق والجمال، بما يعني ان تضحياتنا في سبيل حرية العاصمة لا حدود لها ولا تراجع عنها ولا مساومة عليها.

نعم انها صيحة التحدي، بروح الواثق من حتمية النصر، ولا صيحة بعد هذه الصيحة، التي لا تقبل أية مزايدات، ولا ترضى بغير وحدة الكلمة الفلسطينية، كلمة الشرعية في اطار وحدتها الوطنية التي لا عافية لها دون اتمام المصالحة الوطنية على أكمل وجه حيث السلطة الواحدة، والقانون الواحد، وسلاح الحرب والسلم بقراره المركزي الواحد الموحد.

 

 

راديو موطنياكاديمية الاشبال  صوت فلسطينكتاب سر المعبد
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـمفوضية العلاقات الوطنية © 2017